* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢].
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾: ﴿اللَّهُ﴾ مُبتَدَأ، وجُملة ﴿يَتَوَفَّى﴾ خبَرُه.
والتَّوفِّي بمَعنى القَبْض كما يُقال: تَوفَّى الرجُل حقَّه من قَرينه. أي: قبَضَه منه.
و﴿الْأَنْفُسَ﴾ جَمْع نَفْس، وهي الأَرْواح: الأَرْواح التي بها تَحيا الأجساد، والنَّفْس تُطلَق في القُرآن على مَعانٍ مُتَعدِّدة؛ منها هذا: أنها الرُّوح التي بها حياة الإنسان، فهو يَقبِض الأرواح حين موتها، أي: حين الموت، وهي مُفارَقة الروح للحياة مُفارَقة الروح للبدَن المُفارَقة التي تَزول بها الحياة.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾: ﴿وَالَّتِي﴾ الواو حرف عَطْف و(التي) مَعطوفة على ﴿الْأَنْفُسَ﴾ يَعنِي: ويَتَوفَّى التي لم تَمُتْ، ولك الخِيار في مثل هذا التَّركيبِ أن تَقول: الواو حَرْف عَطْف، و(الَّتِي) صِفة لمَعطوفٍ على ما سبَق، وتَقديرُه: والأنفس التي لم تَمُتْ، ولك أن تَعطِف الصفة رأسًا على ما سبَق فتَقول: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ عطفٌ على الأَنْفس حين موتها والتي لم تَمُتْ يَتَوفَّاها في مَنامها،
[ ٢٩٧ ]
أي: يَقبِضها، لكنه ليس قَبْضًا تامًّا، بل قَبضٌ مُقيَّد.
ولهذا تَجِد النائِمَ له إحساسٌ من وجهٍ، وليس له إحساس من وجهٍ آخَرَ، فباعتِبار القُوَّة الظاهِرة لا إحساسَ له، لا يَرَى ولا يَسمَع، وباعتِبار القوَّة الباطِنة، وأنه لو نُبَّه وانتَبَه يَكون حيًّا، فصِلَة الرُّوح بالنائِم غير صِلَتها بالحَيِّ باليَقظان، وغير صِلَتها بالميت، فهي وسَط بين الحيِّ اليَقْظان وبين الميت.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾، وقد سمَّى الله تعالى النومَ وَفاةً، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠].
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، ويَتوَفَّى ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾] فهو هنا قَدَّر الفِعْل بعد حَرْف العَطْف إشارةً إلى أنه مَعطوف على ما كان هذا عامِله؛ والذي هذا عامِله هو: ﴿الْأَنْفُسَ﴾، ويَتوَفَّى الأَنفُس التي لم تَمُتْ في مَنامها، أي: يَتوفَّاها وقتَ النوم، فيَتبيَّن بهذا أن النومَ وَفاة.
وقوله تعالى: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يُمسِك التي قَضَى عليها الموت فلا تَرجِع إلى جسَدها يُمسِكها إلى أن يَأتِيَ البَعْث.
وقوله تعالى: ﴿قَضَى﴾ أي: حكَم كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، أي: حَكَم ألَّا تَعبُدوا إلَّا إيَّاه؛ والقضاء هنا قَضاءٌ كَوْنيٌّ، وأَقول: قَضاءٌ كونيٌّ؛ لأن قَضاء الله تعالى يَنقَسِم إلى قِسْمَيْن: شَرْعي وكَوْني.
فالشَّرْعيُّ ما أَمَر به مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، ومثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠]، أي: يَحكُم به.
[ ٢٩٨ ]
والقَضاء الكَونيُّ مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ٤]، فإن الله ﵎ لا يَقضِي بالفَساد في الأرض قضاءً شرعيًّا، إنما هو قَضاءٌ كونيٌّ، وهنا يَقول تعالى: ﴿قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾، أي: قضاءً كونِيًّا.
ثُمَّ قال تعالى: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ وهي التي تَوفَّاها في مَنامها يُرسِلها إلى أجلٍ مُسمًّى، أي: إلى أجَلٍ مُعيَّن وهو الموت، يَعنِي: يُرسِلها تَذهَب إلى جسَدها وتَبقَى فيه إلى أجَلٍ مُسمًّى، أي: مُعيَّنٍ مُحدَّد.
وقوله ﵀: [﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وقت مَوْتها] هذا الأجَلُ المُسمَّى، [والمُرسَلة: نفس التَّمييز تَبقَى بدونها نَفْس الحياة، بخِلاف العَكْس]، كأن المُفَسِّر ﵀ يَقول: إن الأنفس نَوْعان: نَفْس تَميِيز، ونَفْس حَياة؛ فنَفْس التَّميِيز هي المُرسَلة: ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وتَبقَى بدونها الحياة، فالنائِم في حياةٍ لا شَكَّ، فنَفْس التَّمييز تَبقَى بعدَها الحياة، والعَكْس لا؛ ولهذا قال ﵀: [بخِلافِ العَكْس]، فإن نَفْس الحياة إذا قُبِضت لا تَبقَى بعدها نَفْس التَّمييز، فأَفادَنا ﵀ أن الأَنْفسَ في قوله تعالى: ﴿الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ أَنفُسُ الحياة ويَتبَعها أنفُس تَمييز، قال تعالى: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ أي: أَنفُس التَّمييز.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يَعنِي: الوفاة للنَّفْسين، والإِرْسال لإحداهما وإِمْساك الأخرى فيه آيات، والآيات التي معَنا واضِحة جِدًّا، وهي أربعة: وَفاة الموت، ووفاة النَّوْم، وإمساك المَيْتة، وإرسال النائِمة؛ وكلها من آيات الله ﷿، وإنك لتَأتي إلى القوم جماعةً نائِمين
[ ٢٩٩ ]
فتَقول: سُبحان الله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ قوم كأنهم جُثَث لا يَسمَعون، اللهُمَّ إلَّا مَن كان خفيفَ النَّوْم، لكن الأَصْل أنهم في النَّوْم جُثَث فتَقول: سُبحان الذي أَماتَهم، ثُم أَحياهم بعد أن كانوا شِبهَ أموات، فهي آيات، وهي آيةٌ أيضًا على البَعْث، فإن النوم وفاةٌ صُغرى يَبعَث الله تعالى فيه النائِم حتى يَحيا يَستَيْقِظ تمامًا، كذلك الإحياء بعد الموت يَقيه الله ﷿ وهو قادِرٌ عليه، والعاقِل يَقيس الغائِب على الشاهِد والمُستَقبَل على الحاضِر ويَتبيَّن له الأَمْر.
وقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ التَّفكُّر إِعْمال الفِكْر بحيث يَدور كارًّا وراجِعًا، يمينًا وشِمالًا حتى يَتبيَّن له ما يَتَبيَّن بتَفكُّر، وضِدُّ التَّفكُّر الغَفْلة، وأن يَكون القَلْب حجَرًا أملَسَ لا يَقَرُّ عليه شيء، فلو قَرَّ عليه حَبَّةٌ من تُراب أَطارَتْها الرياح وجرَت بها المياهُ، فالإنسان المُتفكَّر هو الذي ليس بغافِل، بل يُدير فِكْره يَمينًا وشِمالًا، ذاهِبًا وراجِعًا حتى يَتبيَّن له الأمر.
وقال ﵀: [﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المَذكور ﴿لَآيَاتٍ﴾ دَلالات ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيَعلَمون أن القادِر على ذلك قادِرٌ على البَعْث، وقُرَيْشٌ لم يَتفَكَّروا في ذلك] نعَمْ، في هذا المَذكورِ آيات، ونحن ذكَرْنا أربَعًا ظاهِرةً، ولو تَأمَّلنا لوجَدْنا أكثَرَ من ذلك بكثير، ولكنها تَحتاج إلى تَفكير وتَدبُّر وتَأمُّل فتَتَّضِح.