* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٤٩].
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾ أي: أَصابه، والمُراد بالإنسان هنا: الجِنْس، وقيل: المُراد به: الكافِر، فأمَّا مَن قال: المُراد به: الجِنْس، وإنه شامِل للمُؤمِن والكافِر قال: إن هذه هي طَبيعة الإنسان، وإن المُؤمِن الذي يَعتَرِف لله تعالى بالنِّعَم وَيشكُرها، وهذا خارِجٌ عن طبيعة الإنسان، يَعنِي: أن الله تعالى مَنَّ عليه، فخرَج عن مُقتَضى طبيعة البَشَر.
وأمَّا مَن قال: إن المُراد به أيِ: الإنسان الكافِر، فيَكون من باب العامِّ الذي أُريد به الخاص، قال: لأن هذا الوَصفَ المَذكور لا يَكون إلَّا من الكافِر، هو الذي إذا مسَّه الضُّرُّ ابتَغى، يَعنِي: رجَع إلى الله تعالى، وإذا أَعطاه النِّعْمة بطِر بها وقال: ليس لأحَد عليَّ فيها فَضْل، وإنما ذلك على عِلْم، وهذا الأخيرُ أقرَبُ؛ لأن المُؤمِن إذا خوَّله الله تعالى نِعْمة شكَر ولم يَقُل: أُوتيتُه على عِلْم.
قال ﵀: [﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾ الجِنْس]، يَعنِي: المُراد بالإنسان الجِنْس، فيَشمَل المُؤمِن والكافِر، ولكن تَبيَّن ممَّا تَكلَّمنا فيه أن الظاهِر أن المُراد به: الكافِر فيَكون عامًّا أُريد به الخاصُّ، والعامُّ الذي يُراد به الخاصُّ مَوْجود في اللغة العربية
[ ٣٤٩ ]
بكَثْرة، مثل قوله ﷾: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، فنَحْن نَعلَم أنه ليس كل الناس جاؤُوا يَقولون بل القائِل واحِد، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ أيضًا نَعلَم أنه ليس جميع الناس جمَعوا، وإنما المُراد واحِد أو أُناس مُعيَّنون، أمَّا كل بنو آدَمَ فلا، فالمُراد بالإنسان هنا: [الجِنْس] على قول المُفَسِّر ﵀، وعلى القول الذي اختَرْناه (الكافِر).
فإذا قال قائِل: يَقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ كيف يَكون المُراد بالإنسان الجِنْس والكُفَّار كلهم لا يَعلَمون؟
فالجَوابُ: هناك بعض الكُفَّار يَعلَم حَقَّ ما هو عليه، لكنه مُعانِد.
وإذا قِيل: في الآية: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يَقول في الحاشِية: فيه دَلالة على أن المُراد بالإنسان الجِنْس، فكيف استَدَلَّ بهذا؟
الجَوابُ: لمَّا قال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فإن هناك مَن يَعلَم وهُمُ المُؤمِنون، فيَكون المرادُ بـ ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ الجِنْس؛ لأن غير المُؤمِن كلهم لا يَعلَمون، والراجِح أنه الكافِر.
والجوابُ عن هذا: أن نَقول: مِن الكُفَّار مَن يَعلَم، لكنه مُستَكبِر.
فإذا قال قائِل: هناك بعض المُؤمِنين ناقِصو الإيمان إذا أُوتي النِّعْمةَ قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أَلَا يُؤيِّد أن الإنسان المَقصود به الجِنْس؟
فالجَوابُ: نعَمْ، لكن هو كافِر بهذه المَقالةِ، ليس كافِرًا كُفرًا مُخرِجًا عن المِلَّة، إنما هو بهذه المَقالةِ كافِر.
وقد يَكون كافِرًا كُفْرًا مُخرِجًا عن المِلَّة، إذا اعتَقَد أن الله تعالى ليس له سبَب في
[ ٣٥٠ ]
حُصول هذه النِّعمةِ، وأنه هو الذي حصَلت به، لا أنه سبَب فهو كُفْر؛ لأن إضافة النِّعَم إلى أسبابها بالإعراض عن المُسبِّب وهو الله تعالى، واعتِقادُ أن هذه النَّعمةَ ليس لله تعالى فيها عَلاقة فهذا كُفْر بالرُّبوبية.
وقوله ﵀: [﴿ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ﴾ أَعطَيْناه ﴿نِعْمَةً﴾ إِنعامًا ﴿مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾] قوله ﵀: ﴿خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً﴾ أي: إنعامًا] في هذا نظَر؛ لأن الإنعام فِعْل المُنعِم، والنِّعمة عَطاء المُنعِم، يَعنِي: الشيء المُعطَى، فهل الأَليقُ أن نُفسِّر النِّعْمة بالإنعام، أو أن نُفسِّر النِّعمة بما أُعطيَه الإنسان؟
الجَوابُ: الثاني هو الظاهِر وهو والواقِع أيضًا؛ لأن التَّخويل، يَعنِي: أن هناك شيئًا مُخوَّلًا وهو النِّعْمة من أولاد ورِزق وزَوْجات ومَساكِنَ وغير هذا.
فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا﴾ أي: سأَلنا أن نَكشِف ضُرَّه ثُمَّ إذا كشَفْنا الضُّرَّ وخوَّلناه نِعمةً منَّا بزَوال الضَّرَر الذي حصَل له قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ يَعنِي: أُوتِيت هذا الشيءَ على عِلْم، وما المُراد بالعِلْم هنا: هلِ المَعنَى أُوتِيته على عِلْمٍ من الله تعالى أني له أَهْل فأنا جَديرٌ به ومُستَحِقٌّ له أو المَعنى: على عِلْم مِنِّي بوجود المَكاسِب.
فهو يَشمَل الأَمْرين فهو يَقول: ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ بأني أَهْل له وأُوتِيته أيضًا من كَسْبي، فيَكون بذلك مانًّا على الله ﷿، ويَكون مُستَبِدًّا بنَفْسه يَجمَع بين الأمرين:
الأوَّل: المِنَّة ويَقول: ليس لله تعالى فَضْل عليَّ، بل هو أَعطاني ذلك لأنه يَعلَم أنني أهلٌ لذلك.
والثاني: الاعتِداد بالنَّفْس وعدَم إرجاع الحَقِّ لله ﷿.
[ ٣٥١ ]
قال ﵀: [﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ مِن الله بأَنِّي له أَهْل] وهذا أحَدُ القَوْلين في الآية، والقول الثاني: ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: على حِذق ومَهارة فيما فعَلت، والضمير يَرجِع إلى ما خُوِّل، أي: أُوتيت الذي خوَّلته، فالهاء في ﴿أُوتِيتُهُ﴾ يَعود على المُخوَّل.
ثُمَّ قال الله تعالى: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾: ﴿بَلْ هِيَ﴾ هل يَقصِد المَقالة أو الحال؟
الجَوابُ: يُحتَمَل هذا وهذا، ويُحتَمَل أن الله ﷿ إذا أَعطاهم هذه النِّعَم أَعطاه إيَّاها فِتنةً له، ويُحتَمَل أن هذه المَقالةَ فِتنةٌ له؛ ولكن المَعنَى الأوَّل أَقرَبُ: أن الله تعالى يَفتِن العبد بإزالة الضَّرَر عنه وحصول الخير والنِّعْمة، وكم من إنسان افتُتِن بنِعَم الله ﷿، فكان مُستَقيمًا وبالنِّعْمة يَنحَرِف، وفي الحديث أن الله تعالى قال: "إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَغْنيتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْفَقْرُ" (١)، فالله ﷿ على كل شيء قَدير، وقد يَختار لعَبْده ما هو أَنفَعُ من حيث لا يَشعُر.
فالظاهِر أن المُراد: بقوله تعالى: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ أي: بل هذه الحالُ فِتْنة، وهي تَخويل النِّعَم، وقد قال سُلَيْمانُ ﵊: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾.
قال ﵀: [﴿بَلْ هِيَ﴾ أيِ: القَولة ﴿فِتْنَةٌ﴾ بليَّة يُبتَلى بها العَبْد] هذا ما جرَى عليه المُفَسِّر ﵀ أن المُراد بالفِتْنة: القولةُ التي قالها.
ولكن الصحيح: أن الفِتنة هي النِّعْمة التي أَعطاها الله تعالى إيَّاه، أو الحال التي كان عليها حينما كان قد مَسَّه الضُّرُّ، ثُمَّ رفَع الضُّرُّ عنه وأُبدِل بنِعْمة فهذه فِتنة يَفتِن
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٣١٨ - ٣١٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات رقم (٢٣١)، من حديث أنس - ﵁ -.
[ ٣٥٢ ]
الله تعالى بها العِباد، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥].
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الاستِدْراك هنا يَعنِي أن هؤلاء الذين غُمِروا بنِعْمة الله تعالى غفَلوا عن المُنعِم بها وعن مُسْديها ومُوليها، فكانوا لا يَعلَمون شُكْر هذا المُنعِمِ، وكانوا لا يَعلَمون أيضًا أنها فِتْنة، بل يَأخُذ الإنسان النِّعَم على أنها أمرٌ طَبيعيٌّ ويَغفُل عن أن الله تعالى يَمتَحِنه بها.
قال ﵀: [﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن التَّخويل استِدْراجٌ وامتِحان] ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ أي: أكثَر الناس، وإنما عاد الضمير وهو غائِب على مَرجِعٍ غير مَذكور للقَرينة والسِّياق، ويُحتَمَل أن المُراد ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ أي: أكثَر بني الإنسان فيَكون الضمير هنا عاد على الإنسان باعتِبار المَعنَى لا باعتِبار اللَّفْظ.
وقوله ﵀: [أن التَّخويل استِدْراجٌ وامتِحان] إذا قال قائِل: بماذا نَعلَم أن التَّخويل استِدراجٌ وامتِحان؟
فالجَوابُ: نَعلَم ذلك لكون الإنسان مُصِرًّا على المَعصية ونِعَم الله ﷾ تَتْرَى عليه، قال ﷾: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]، فهذه هي العَلامة.
فإذا رأَيْت الله تعالى يُنعِم عليك وأنت مُقيمٌ على مَعصيته فاعلَمْ أن ذلك استِدراج، أمَّا إذا رأَيْت الله تعالى يُنعِم عليك وأنت قائِمٌ بطاعته فاعلَمْ أن هذا من زيادة فَضْله ونِعَمه، قال الله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
[ ٣٥٣ ]