* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر: ٥٠].
قوله تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: ﴿قَدْ قَالَهَا﴾ الضمير يَعود على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ لكن قد قالها الذين من قَبْلهم مثل قارونَ كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ثُمَّ قال الله تعالى بعدها: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾.
قوله تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: (ما) هذه نافِية و﴿أَغْنَى﴾ بمَعنَى: دفَع، أي: ما دفَع عنهم ما كانوا يَكسِبون، أي: لم يُغنِ عنهم ما كسَبوا شيئًا من عَذاب الله، وهكذا النِّعَم لا تُغنِي مَن افتَخَر بها وغفَل بها عن طاعة الله شيئًا، ألم تَرْوا إلى عاد استَكْبَروا في الأرض ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]؛ لأن الله تعالى أَعطاهم قوَّة عظيمة، فقال الله تعالى ردًّا على طُغيانهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ وتَأمَّلوا كيف عُذِّب هؤلاء! بالرِّيح وهي أَلطَف شيء فعُذبِّوا بها انتِقامًا منهم حين قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ يَعنِي: لم يَهلِكوا بالصواعِق ولا بالحاصِب من السماء، وإنما أُهلِكوا بهذه الريحِ اللَّطيفة حتى إنهم لمَّا رأَوْا ما جاءت
[ ٣٥٦ ]
به هذه الريحُ من الرِّمال ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ فقال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤، ٢٥].
قال ﵀: [﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأُمَم كقارونَ وقومه الراضِين بها] أي: بهذه المَقالةِ، فقوله ﷾: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: قالوا بعد أن أَعطاهم الله تعالى النِّعَم: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾.
وهذا قد صرَّح الله تعالى به عن قارونَ في سورة القَصص حين خرَج على قومه في زِينته فنَصَحوه، وقالوا له: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٧، ٧٨]، فالمَقالة هي المَقالة، وقد سبَقَ أن الإنسان يُعجَب بعمَله فيَظُنُّ أن ما حصَل له من النِّعَم بسبَب عمَله مع أنه من فَضْل الله ﷿.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: (ما) هذه نافية وقد سبَقَ شَرْحها.
وقوله ﵀: [﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ أي: جَزاؤها] أيِ: السَّيِّئات، ولكنه عبَّر بالسيِّئات نفسِها؛ لأن الجزاء من جِنْس العمَل وهو مُقابِلٌ لها لا يَزيد.