* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٥١].
قوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ يَعنِي: أَصابهم جزاءُ السيِّئات، لكنه سمَّى الجزاء سَيِّئاتٍ؛ لأن السَّيِّئاتِ سببُه، وليَتبَيَّن بذلك أن الجزاء على قَدْر العمَل لا يَختَلِف، فكأنه هو نَفْس العمَل.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ الواو في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ استِئْنافية، و(الذين) مُبتَدَأ، وجُملة: ﴿سَيُصِيبُهُمْ﴾ خبَر ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ كما أَصاب مَن قَبْلهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: (ما) نافِية، وهل هي حِجازيةٌ أو تَميميةٌ؟
الواقِع أنه ليس في اللَّفْظ ما يَدُلُّ على هذا ولا على هذا، ولكن القرآن بلُغة قُرَيْشٍ بدليل قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]، وعلى هذا فتُحمَل (ما) كُلَّما جاءَت على أنها حِجازية، ولكن كيف نُعرِبها في مثل هذا التَّركيبِ: ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾؟
نَقول: (هُمْ) اسمُها، والباء حرف جَرٍّ زائِدٌ، و(مُعجِزِين) خبَرُها مَنصوبٌ بياء مُقدَّرة مَحلَّ الياء المَوجودة؛ لأن الياء الموجودة علامة الجَرِّ وليسَتْ علامة النَّصْب،
[ ٣٥٩ ]
بل هي علامة الجَرِّ بحرف الجَرِّ الزائِد الباء، فجعَلنا العمَل للظاهِر وهو الباء، أمَّا المَحلُّ فقدَّرْناه تقديرًا، وعلى هذا فيَكون مَنصوبًا بياء مُقدَّرة بدَل الياء التي عمِل فيها حرفُ الجَرِّ الزائِد.
وقوله تعالى: ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ اسمُ فاعِل من الفِعْل (أَعجَز)، يَعنِي: لن يُعجِز الله ﷿ فلا يَستَطيع أن يُعاقِبهم، بل عُقوبتهم أَمْرٌ هيِّن على الله ﷿.
قال ﵀: [﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ﴾ أي: قُرَيْش ﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائِتِين عذابَنا، فقُحِطوا سبع سِنينَ، ثم وُسِّع عليهم]؛ فقُحِطوا سبع سِنينَ بدَعْوة النبيِّ - ﷺ - حين قال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ" (١)، فقُحِطوا سبع سِنينَ قَحْطًا شديدًا حتى إن الإنسان منهم يَتَراءَى السماء فيَحول بينه وبينها غبَشٌ كأنه دُخَان من شِدَّة الجوع والتَّعَب.