* * *
* قالَ اللَّه ﷿: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١].
* * *
قَال المُفَسِّر ﵀: [﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أصْنَامًا يَرْجُونَ نَفْعَهَا] اهـ.
وقوله: ﴿مَثَلُ﴾: (مَثَل) و(مِثْل) كـ (شَبَه) و(شِبْه) وزنًا ومَعْنى، فالمَثَلُ بمعنى الشَبَهُ، وهو عبارةٌ عن تَشْبِيهِ شيءٍ مَعقولٍ بشيءٍ محسوسٍ؛ لأن تمثيلَ المعقولاتِ بالمحسوساتِ يَزِيدَهَا وُضوحًا وبَيانًا وتَصَوُّرًا، وإن كانت لا تَتَسَاوَى من كُلَّ وجهٍ، لكنها متساويةٌ مِنْ هذا الوجه الذي حَصل فيه التَّشْبِيهُ.
قوله ﷿: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ المراد بالأولياء الأصنامُ؛ لأن عابِدِيهَا يَرْجُون نَفْعَها كالوَلِيِّ الذي ينْفعُكَ في النُّصْرَةِ والدِّفاعِ عنكَ وجَلبِ الخيرِ، فسَمَّي العابِدينَ أولياء لأنهم ينْصرُون هذه الآلهةَ، ولهذا قال قومُ إبراهيمَ: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨]، فهم ينْصُرونها ويرْجونَ النَّصْرَ منها.
وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ عَبَّر بالدُّونِ لدُنُوِّ مرتَبَتِهِ بالنسبة إلى اللَّه ﷿،
[ ٢١٠ ]
والمرادُ بـ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ المشْرِكُونَ.
قوله: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ أي: كَشَبَهِ العَنْكبوتِ، والعنكبوتُ دُوَيْبَةٌ معروفة تَتَّخِذُ لها بيتًا من العُشِّ، وهذا البيتُ هي التي تَنْسجه، أي: هي تُفرزُ مادَّته، واللَّه ﷾ على كلِّ شيءٍ قديرٍ، هذه العنكبوت إذا سقطتْ مِنْ أعلى فإنها تُفرزُ بسرعة هذا العشَّ وتتعلق به حتى لا تقعُ على الأرض وتظل متدَلِّيَةً بهذا الخيطِ وإذا شاءت أن تصعد به صعِدتْ، فتَتَقَلَّبُ، وتجعلُ رأسها إلى أعْلَى وتصْعَدُ مع هذا الخيط الذي أفرزته ثم إنها عند صَيدِهَا -وأكثر ما تصيد الذباب- تقَيِّدُهُ بهذه الخيوطِ حتى تَقْضِيَ عليه، وهذا بعضٌ من قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، هَدَى هؤلاءِ الخلقَ لمصالحِهم.
قوله ﷿: [﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ اتَّخَذَتْ بَيْتًا لنْفِسهَا تَأوِي إِليهِ]: وهذا البيت هو المشاهدُ.
قوله: [﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ﴾ أضعْفَ ﴿الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾]: هذا كلام اللَّه ﷿ وهو العالم بما لم نُحِطْ به عِلْمًا، وما أكثرَ مخلوقاتِ اللَّه تعالى التي لها بيوتٌ ونحن لا نَعْلَمُ عن هذه البيوتِ إلا ما نُشَاهِدُهُ منها، وما أكثرَ الغائبِ عنَّا!
وقوله: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ الجملة مؤكَّدَةٌ بـ (إنَّ) و(اللام) من أجلِ تأكيدِ ضَعفِ هؤلاءِ الأولياءِ، فكما أن هذه البيوتَ التي تَأْوي إليها العناكِبُ ضَعِيفَةٌ بل هي أوْهَنُ البيوتِ وأضْعَفُها، فإنَّ هؤلاء الأولياءِ كَذَلِكَ أضْعَفُ ما يكون مِنَ الأولياءِ؛ لأنهم لا ينْفَعُون عابِدِيهِمْ، بل إن اللَّه يقولُ في القرآنِ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً﴾ حَقًّا ﴿مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨ - ٩٩]،
[ ٢١١ ]
فتَشْمَلُ الآلِهَةَ والمتَأَلِّهين، فلو كانوا آلهِةً حَقًّا لمنعوا أنفُسهُم وعابِدِيهم من دُخولِ النَّارِ ولكنها آلهةٌ باطِلَةٌ لا تنْفَعُ، فهذا وجه المشابَهَةِ في قولِهِ: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾.
وهذا التَّشْبِيهُ يُسَمِّيهِ البيانِيُّونَ التَّشْبِيه التَّمْثِيليّ، يعني أنه مكونٌ من جُملَةٍ، فأنت إذا قلت: فلانٌ كالبحرِ في الكرمِ، فهذا تَشْبِيهٌ، لكنه تَشْبِيهٌ إفرادي، أي: شَبَّهْتَ فَرْدًا بفردٍ، أما تشبيهُ قضيةٍ بقضية أو قصة بقصة فإن هذا التَّشْبِيهُ تَشْبِيهٌ تَمْثِيليٌّ مركَّبٌ من عدة أوْجُهٍ، من مشبَّهٍ متعدِّد ومشبه به كذلك متعدِّد، وأوجهُ الشَّبَهِ متعدِّدة لأنه مركبٌ من قِصَّةٍ متكامِلَةٍ، وذلك لأنه لم يقْصِدْ أن يشبِّه العابِدين بالعنكبوتِ وَحْدَه ولا قصدَ تَشبيهَ المعْبُودِين بالبيوتِ وحْدهَا، بل قصَدَ تشبيهَ قَضيةٍ كامِلَةٍ بقضيةٍ كاملة حتى تتَّضِحَ الصورةَ أمام المخاطب.
وقوله ﷿: [﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ لا يَدْفَعُ عنها حرًّا ولا برْدًا]: وكذلك لا يَقِيهَا مِنَ الآفاتِ، كأن يسقُطُ عليها شيء أو نحو ذلك، فهذا البيتُ أوهنُ البيوتِ.
ثم قَال المُفَسِّر ﵀: [كذلك هذه الأصنْامُ لا تَنْفَعُ عابِدِيهَا]: فهؤلاء الذين عبدُوا الأصنامَ ما لَجَؤوا إلى ملجأ نافعٍ، بل لجَؤوا إلى مَلْجأ ليس بنافعٍ ولا مانِعٍ ولا دافعٍ، ولهذا شبَّه اللَّه ذلك البيتَ ببيتِ العنكبوتِ.
وفي آية أخرى شبَّه هذه الأصنامَ ودعاءَها برَجلٍ باسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماء ليبْلُغَ فاه، ولا يَبلُغُه، فهذا الرجلُ أمامَه الماء وهو عطشانُ فبَسَطَ كَفَّيْهِ إلى الماء يريدُ إن يَصِلَ الماءُ إلى فَمِه، والماء لا يمكن أن يَصِلَ إلى فَمِهِ أبدًا، فكذلك هذه الأصنامُ لا تنفع عابِدِيها كما أن الماءَ لا يصِلُ إلى فم هذا العطشان.
[ ٢١٢ ]
قوله ﵀: [﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لو كانُوا يَعْلَمُونَ ذلك ما عَبَدُوهَا]: (لو): هنا شَرطِيَّةٌ، وفِعْلُ الشرطِ قولُه: (كَان) وجوابُ الشَّرطِ مقدَّرٌ على كلامِ المُفَسِّر والتقدير: (ما عَبَدُوهَا)، ولهذا لا ينبغي أن تُوصَلَ هذه الجملة بالتي قَبْلَها؛ لأنك لو وصلْتَها بالتي قَبلهَا لكان وَهَنُ بيتِ العَنكبوتِ مشروطًا بعِلْمِهِمْ، مع أن بيتَ العَنكبوتِ أوهنُ البيوتِ سواءٌ عَلِمُوا أم لم يعلَموا، ولهذا ينْبَغِي أن نَقِفَ على قوله: ﴿لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ ثم نَقْرَأُ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
وهذا يُذَكِّرُنَا بآيةٍ في سورةِ التكاثرِ يخْطئ فيها كثيرٌ مِنَ الناس، حيث يقرؤون بوصلِ الآيتينِ ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٥ - ٦]، وهذا خطأٌ؛ لأن المعْنَى يفْسُدُ به فسَادًا وضاحًا؛ لأنك لو وصلت لكان قوله ﷿: ﴿لَتَرَوُنَّ﴾، جواب قوله: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، والأمرُ ليس كذلك، فجملة ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ مستأنفة مستَقِلَّةٌ فيجبُ الوقْفُ على قوله ﷿: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾.
المُفَسِّر ﵀ يقولُ: [﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِك ما عَبَدُوهَا] ويحتمل الجوابُ: لو كانُوا مِنْ ذَوِي العِلْمِ النافِعِ ما خَفِي عليهِمُ الأمْرُ، فإذا لم يخفَ عليهم هذا الأمْرُ لم يَقُومُوا بالعِبادَةِ.
والحاصل: أن هذا يَدُلُّ على جهلِ هؤلاءِ العابِدِينَ، فمهما بلَغُوا من الذَّكاءِ وحُسنِ التَّصَرُّفِ في الدنيا فإنهم من هذه الناحية سُفهاءٌ ليسَ عندَهم عِلم ولا عَقل.
لو قال قائل: إن العنكبوتَ قد تَنْتَفِعُ مِنْ بَيْتهَا، أما عبَّادُ الأصنامِ فلا ينتَفِعُون قطعًا فلا مشابَهَة بينهما، فما وَجْه الشَّبهِ بينهما؟
الجواب: عُبَّادُ الأصنام أيضًا قد ينتَفِعُون بما يحصلُ لهم مِنْ منْفَعَةٍ مادية من
[ ٢١٣ ]
الوافدينَ لعِبادَتِها والتَّبَرُّكِ بها، لكن هذه المنافع مادية، أما النفعُ الحقيقي الذي هُم يَرْجونَ وهو دَفْع الضُّرِّ عنهم وجلبُ النَّفْعِ لهم فليس بحاصِلٍ، فلا تنْفَعُهم آلهتهم ولا تمنْعُهُم، كما أن بيتَ العنكبوتِ لا ينْفَعُها ولا يمْنَعُها فيأتيها الهواءُ والبَرْدُ والمطرُ ويَعْلَقُ بها التراب فلا تنتفع به الانتفاعَ الكامِلَ، وأما الصيدُ فالعنكبوت لا تَصِيدُ بالبَيْتِ، أي: لا تنَتفعُ به في الصَّيدِ بل بالعُشِّ الذي يخرج منها وهو الخُيوطُ.