* * *
* قال اللَّه ﷿: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)﴾ [العنكبوت: ٥].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿مَن كانَ يَرْجُوا﴾ يَخافُ ﴿لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ بِهِ ﴿لَآتٍ﴾، فَلْيَسْتَعِدَّ لَهُ، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأَقْوالِ العِبادِ، ﴿العَلِيمُ﴾ بِأَفْعَالهِمْ] اهـ.
قولُه: ﴿مَن كانَ يَرْجُوا﴾، قَالُ المُفَسِّر في تَفْسيرِ ﴿يَرْجُوا﴾: [يخَافُ] وهذا صَرفٌ للَّفْظِ عن ظاهِرِه؛ لأن الرجاءَ غيرُ الخوفِ، الرجاءُ: أي: الأَمَل، وهذا هو الصوابُ، فالمعنى: ﴿يَرْجُوْا لِقَاءَ اللَّهِ﴾، أي: يأمل أن يلقى اللَّه ﷿ راضيًا عنه ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾، كما في قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وليس هناك ما يوجِبُ صرفَ اللَّفظِ عن ظَاهِرِه، بل إن المعنى: مَنْ كانَ يرْجُو لقِاءَ اللَّهِ وأنه يَلْقاهُ وهو راضٍ عنه، فإن الأمر لَيسَ ببعيدٍ ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾، أي: المدَّةُ التي جعَلَها اللَّه ﷾ حائلًا بينَكَ وبين لقَائه سوف تَأتِي، يعني: سوفَ يأتي ذلك الأجلُ لا محالةَ، ويُحتمَلُ أن قولَهُ: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾، أي: المدَّةُ التي قَدَّرهَا للقائه، وهذا أحسنُ، فالمدَّةُ التي قدَّرهَا للقائِهِ لا بُدَّ أن تَأْتِيَ.
قولُهُ ﷿: [﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ به]، أي: باللِّقاءِ، ﴿لَآتٍ﴾ (اللام) للتَّوكِيدِ لأنها واقعة في خبرِ (إنَّ)، وقَدْ تقدَّم في شرحِ الألْفِيَّةِ أن مَحلَّها في أَوَّل الجملةِ،
[ ٢١ ]
ولكنهم أخَّروهَا لأن (إنَّ) للتوكيدِ أيضًا، فكَرِهوا أن يجتمِعَ مؤكِّدانِ متوالانِ، وزَحْلَقوا اللام إلى مكانها في الخبرِ.
وقوله: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ (آتٍ): خبرُ إنَّ لأنها اسمٌ منْقُوصٌ؛ والاسم إما منْقُوصٌ أو مقْصورٌ أو مَمْدودٌ أو صحيحُ الآخِرِ، فهنا نقولُ: لأنها منقوصةٌ، أصلُهَا: (لآتي) بالياء، فحُذِفَتِ الياءُ وعُوِّض عنها بالتنوين: ﴿لَآتٍ﴾ وعلى هذا فنقول: (آتٍ) خَبَرُ (إنَّ) مرفوعٌ بها، وعلامة رَفْعِه ضمَّة مقدَّرة على الياءِ المحذوفةِ لالتقاءِ الساكِنَين.
﴿وَهُوَ﴾ أي: اللَّهُ ﷾.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿السَّمِيعُ﴾ لأقْوالِ العِبادِ ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفْعالهِمْ] اهـ.
السَّمِيعُ يعني: ذا السَّمْعِ، الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ، كلُّ شيءٍ مِنَ المسمُوعاتِ فإنَّ اللَّه تعالى مُدْرِكه، والسَّمْعُ ينقسم إلى قسمين:
١ - سَمْعُ إدْراكٍ.
٢ - سَمْعُ إجابةٍ.
فالأَوَّلُ: مثلُ قولِهِ تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة: ١١].
والثاني: مِثْلُ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، ومثلُ قولِ المصلِّي: (سمِعَ اللَّهُ لمن حَمِدهُ)، فإن المعنى: أنه استَجابَ.
وسَمْعُ الإدراكِ ينْقسِمُ إلى أقسامٍ:
مِنهَا: ما يَقْتضي التَّهديدَ.
ومنها: ما يَقْتضِي النَّصر والتأييدَ.
ومنها: ما يُقصدُ به مجرَّدُ الإدراكِ.
[ ٢٢ ]
فمثالُ الأوَّلِ الذي للتَّهديدِ: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١].
ومثالُ الذي للنَّصر والتَّأييدِ: قوله ﷾: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦].
ومثالُ المقصودِ به مجَرَّدُ الإدراكِ: أي الذي يُرادُ به بيانُ أن اللَّهَ ﷿ محيطٌ بالشيءِ سميعٌ له قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة: ١].
كونُه تعالى سَمِيعًا هلْ يلْزَمُ منه إثباتُ الأُذُنِ؟
الجواب: لا يَلْزمُ، كما أن كونَه بَصِيرًا لا يلزمُ منه إثباتُ العَين، ولكن العَينَ ثَبتَتْ بدَلِيلٍ آخَرَ، ولولا أنَّ اللَّهَ أثْبَتَهَا لنَفْسِهِ بدليلٍ آخر ما أثْبَتْناهَا، فلا نقول: يلزمُ من كونِهِ سَمِيعًا أن يكونَ لَهُ أُذُن، كما لا يلزمُ من كونِه متَكَلِّمًا أن يكونَ له لِسانٌ وشَفتانِ وما أشبه ذلك، فإنَّنَا نعلمُ أن الأرض محدِّثُ أخْبارَهَا، ولا تُحدِّثُ إلَّا بسماعٍ، وليس لها أُذُنٌ فيما نَعلم، ولا نعلمُ أن لها لِسَانًا أيضًا، فعلى هذا نقول: لا يلزمُ مِنْ إثباتِ السمعِ إثباتُ الأُذُن.
فإذا قال قائلٌ: ولكن ثبت في الحديث الصحيح: "مَا أَذِنَ اللَّهُ لَشَيءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ" (^١).
فالجواب: ما أَذِنَ له، أي: ما استَمَعَ له، وليس المعنى: ما قَدَّرَ؛ لأنه مُعَلَّقٌ بصوت، قال: "لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ"، وإلا فإنَّ اللَّهَ ﷿ أذِنَ للناسِ
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول النبي -ﷺ-: "المَاهِرُ بالْقُرآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ"، رقم (٧١٠٥)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن، رقم (٧٩٢).
[ ٢٣ ]
من جِهةِ الإذنِ الشَّرْعِيِّ، فرخَّصَ لهم وأباحَ لهُمْ ما هو أعظمُ من هذا، فإن التَّوحيدَ وغيرَهُ مما هو أكبرُ مِن قراءةِ القُرآنِ لا شكَّ أن اللَّه ﷿ يأْذنُ به أكثر، والحاصلُ أنه لا يَلزمُ من هذا أيضًا إثباتُ الأُذُن؛ لأنه ليسَ بصَرِيحٍ، والصفاتُ لا يُمكنُ أن نُثْبتَهَا بالاحتمالِ، فلا بُدَّ أن تكونَ المسألةُ واضِحةً وصريحةً.
وقوله: ﴿العَلِيمُ﴾، يقول المُفَسِّر ﵀: [بِأفْعَالهِمْ]، والحقيقَةُ أن العِلم يتَعلَّقُ بالأفعالِ والأقوالِ أيضًا، فتَخْصِيصُه بالأفعالِ فيه نَظَرٌ؛ لأن الرُّؤَيةَ هي التي تَختَّصُ بالأفعالِ، أما العِلمُ فإنه أَعَمُّ، فهو يتعلَّقُ بالأفعالِ ويتعلَّقُ بالأقوالِ، ويتعلَّقُ بحديثِ النَّفْس ويتعلَّقُ بالجَهْرِ، وبكلِّ شيءٍ.
أما جواب ﴿مَن كَانَ يَرْجُوْا لِقَاءَ اللَّهِ﴾، فقد قدَّره المُفَسِّر بقوله: [فَلْيَسْتَعِدَّ لَهُ]، وجعلُه محذوفًا، وعِندِي أنه لا بأسَ أن نقولَ: إن جوابَ الشَّرْطِ هو قوله: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾.
ويكون المعنى: أن الذي يرجو لقاءَ اللَّهِ فإنه سيَحْصُلُ له، ولا حاجةَ أن نُقَدِّر شيئًا محذوفًا؛ لأن الأصلَ عدمُ الحَذفِ، وهذا الذي قَدَّره المُفَسِّر مثل ما قدَّرَه في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧]، فَقَدْ قدَّرَهَا المُفَسِّر بقولِه: [فَلْيَمُتْ غَيظًا]، لكِنْ لا حاجةَ لهذا التَّقْدِيرِ.
قوله: ﴿مَن كَانَ يَرْجُوْا﴾ أي: يُؤمِّل؛ لكنَّ الأملَ مبنِيٌّ على المحبَّةِ، فأنت لا تؤمِّلُ الشيءَ إلا وأنتَ تُحبُّهُ، فرجاءُ الشيءِ بمعنى الأملِ في حصولِهِ.