* * *
* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ يَنتظِرُ مَا يَنَالُهُ مِنْ جِهَةِ الْقَتِيلِ ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يَسْتَغِيثُ بِهِ عَلَى قِبْطِيٍّ آخَرَ ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّنُ الْغَوَايَةِ لمِا فَعَلْتَهُ بِالْأَمْسِ وَالْيَوْمِ].
قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ﴾ أي: موسى، ومعنى أصبح أي: دَخَلَ فِي الصباح، يعني: بات ليلته، وَلَكِنَّهُ فِي صباحها أصبح ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾، وقوله تعالى: ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾: (ال) هنا للعهد الذِكري؛ لأنه سبق ذِكرها، وقوله: ﴿خَائِفًا﴾ خبر أصبح، وهو منصوب، وقوله ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ إِمَّا أَنْ تَكُونَ خبرًا ثانيًا، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ تَعَدُّد الخبر مَعَ الِاخْتِلَافِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ تَعَدُّد الخبر، سواء تَعَدَّد بلفظ المُفْرَد، أو تَعَدَّد بِلَفْظِ الْجُمْلَةِ، أو تَعَدَّد بلفظ المفرد والجملة، أو حَالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي ﴿خَائِفًا﴾، أَيْ حَالَ كونِه يترقَّب.
وَقَوْلُهُ تعالى: ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ يقول المُفَسِّرُ ﵀: [ينتظر مَا يَنَالُهُ مِنْ جِهَةِ القتيل]، لِأَنَّ هَذَا القتل إجرامٌ، فكلُّ إنسان يقتل شَخْصًا فِي بَلَدٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَخَافَ، وَهَذَا الْخَوْفُ مِنَ طبيعة البشر، وليس خوفَ عبادةٍ.
والخوفُ نوْعانِ:
[ ٨٠ ]
الْأَوَّلُ: خوف عبادة يقتضي التَّقَرُّبَ إِلَى المَخوف، والتزامَ طاعته، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
الثَّاني: خوفٌ طبيعي مما يُخَافُ مِنْهُ، وَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأنَّهُ مِنَ طبيعة البشر، لكنه يكون مذمومًا إِذَا أَدَّى إِلَى تَرْكِ واجب، أَوْ فِعْل محرَّم، قَالَ تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥].
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾: ﴿فَإِذَا﴾ فُجائية، يعني: فاجأه في الصباح وهو خائف يترقَّب، فاجأه أَنَّ صَاحِبَهُ الإسرائيلي الذي استنكره بالأمس هُوَ الْيَوْمَ يسْتَصرِخُه، والاستِصْراخُ معناه: طلب الإنقاذ مِن الشِّدة.
وهنا نجد أَنَّ الرَّجُلَ قَدِ استغاثَ واستصْرَخ واستَنْصر، والظَّاهرُ أن الاستغاثة والاستنصار بِمَعْنًى وَاحِدٍ، ولكن الاستنصار أعمُّ؛ لأنك قد تستنصر إنسانًا لينصُرَك، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي شِدَّةٍ.
والاستغاثةُ أَخَصُّ، إِلَّا أَنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الاستغاثة مِنْ بَابِ الاستنصار.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾: [يَسْتَغِيثُ بِهِ عَلَى قِبْطِيٍّ آخَرَ].
قوله ﵎: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى﴾ الضَّمِيرُ فِي ﴿لَهُ﴾ يَعُودُ إِلَى الإسرائيلي الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ، وَزَعَمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إِلَى القبطي، وأنَّ مُوسَى -ﷺ- عاقب القبطي، وَقَالَ لَهُ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، وَلَكِنَّ هَذَا بَعِيدٌ عن السياق، فالصَّواب أَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إِلَى الإسرائيلي الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ.
قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أي: بَيِّن الغِواية لما فعلتَه أمسِ واليوم.
[ ٨١ ]
غَوِيّ: عَلَى وَزْنِ فَعِيل، بمعنى: فاعِل، أَوْ عَلَى أَنَّهَا صِفَة مُشبَّهة، والغويُّ ضِدُّ المُرشِد، وَهُوَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ عَلَى وَجْهِ الإساءة، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، والرُّشد هو إحسان التصرُّف، والغَيُّ سُوء التصرف، فَيَكُونُ المَعْنَى: ذو غِواية، أو سيئ التصرف.
وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ أي: بَيِّنُها، ووجهُ سُوء تصرُّفه أَنَّ أمسِ القريب كان يتخاصم مع قِبطي، واليوم الثَّانِي الَّذِي يَليهِ كَانَ يتخاصم أَيْضًا مَعَ قِبطي آخَر صاحب مَشاكل، فلهذا قَالَ لَهُ: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، فمن الجْائِزِ أَنْ يتسبب في مشكلات كثيرة غدًا، وَبَعْدَ غَدٍ.
* * *
[ ٨٢ ]