* * *
* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ وَهِيَ الْكُبْرَى، أَوِ الصُّغْرَى ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ تَكُونَ أَجِيرًا لِي فِي رَعْي غَنَمِي ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ أَيْ سِنِينَ ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا﴾ أَيْ رَعْي عَشْرِ سِنِينَ ﴿فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ التَّمَامُ ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بِاشْتِرَاطِ الْعَشْرِ ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لِلتَّبرُّكِ ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الْوَافِينَ بِالْعَهْدِ].
قوله تعالى: ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ هَذَا وَعْدٌ بنكاحٍ، وليس عقدًا، وَعَلَى هَذَا، فَلَا يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْعَقْدِ عَلَى المُبْهَمَة؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ ومعناه: أُزوِّجُك؛ لأن النكاح أصلُه: الضَّمُّ وَالْجَمْعُ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يضم زوجته إليه، ويَسْكُن إليها.
وقوله تعالى: ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ مُبْهَم؛ فَلَا نَدْرِي: أَهِيَ الكُبرى أَمِ الصُّغرى، ولهذا يقول المُفَسِّرُ ﵀: [وَهِيَ الكُبْرَى، أَوِ الصُّغْرَى].
وقوله: ﴿ابْنَتَيَّ﴾ أصلُها: ابْنَتَيْنِ لي، فحُذفت النُّونُ مِنْ أَجْلِ الإضافة؛ وهي
[ ١١١ ]
مجرورة بالياء نيابةً عن الكسرة؛ لأنَّه مُثَنّى، وحُذفت النُّونُ مِنْ أَجْلِ الإضافة.
وقوله: ﴿هَاتَيْنِ﴾ اسم إشارة لتعيين البنتين، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ لَهُ بناتٍ أُخْرَيَات؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ تُثْبِتُ مَنْ عَدَاهُمَا، أَوْ أَنَّ المَعْنَى أَنَّ مُوسَى ﵊ قَدْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ هَاتَيْنِ البنتين له، وَهَذَا هُوَ الأقرب.
وأمَّا تعيينُهما بالإشارة، فَلِئَلَّا يَتَوَهَّمَ المخاطَب أَنَّ لَهُ بناتٍ أُخْرَيات، وَلَيْسَ المَعْنَى أَنَّهُ يُعيِّن هاتين ليُخْرِج بقية البنات.
والغريب أَنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ قَالَ: إِنَّ هَذَا لإخراج بقيَّة البنات؛ لأن البناتِ سَبعٌ، وهذا أخرجهما بالتعيين.
فيُقال: لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي الآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، ولكني عندما أقول لشخص: أنا أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ، وعندي امرأتان. فهل يفهم أنها منهن؟ لا، لَا يَفْهَمُ حتى أقول: هاتان. فـ ﴿هَاتَيْنِ﴾ فِي الآيَةِ عَلَى هَذَا المَعْنَى.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾، يعني: تأجُرني نفسَك، أي تكون أجيرًا لِي فِي رَعْيِ غنمي.
وقَوْلُهُ تعالى: ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ أي: ثَمَانِي سِنِينَ، وهو جُمع حِجَّة.
وقَوْلُهُ تعالى: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا﴾، أي: رَعْيَ عَشْرِ سِنِينَ.
وقَوْلُهُ تعالى: ﴿فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ التمام، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، أَخْبَرَهُ أنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُزَوِّجَهُ إِحْدَى ابْنَتَيْه، وَيَكُونَ المَهْرُ أن يرعى الغَنَمَ ثَمَانِيَ سِنِينَ.
وَلَكِنْ مِنْ أين يُعْرَفُ أَنَّ المُرَادَ رعيُ الغَنم؛ إِذْ قَدْ يقول: تأجرني نفسك لِأَجْلِ أَنْ تكون بَنَّاء عندي، أو حَرَّاثًا، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؟
[ ١١٢ ]
والجوابُ: أنه يُفْهَمُ مِن سؤال البنات، وسياق القصة، عندما قَالَتْ إِحْدَاهُمَا: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، والعَمَل الذي أمامه الآنَ هُوَ رَعْيُ الغَنَم، فعُرف بِذَلِكَ أَنَّ صاحِبَ مَدْيَنَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مُوسَى ﵊ في رعي الغَنَم ثمانيَ سنوات؛ فإنْ أَتَمَّ عَشْرًا، فَمِنْ عِندِه، يعني: السَّنَتان تكونان تَبَرُّعًا، وَالْعَقْدُ عَلَى ثَمَانِي سنوات.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِاشْتِرَاطِ العَشْرِ]، وَقَوله هَذَا فِيهِ نَظَرٌ ظاهرٌ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ العَشر لو قَبِلَه موسى، فلا مَشَقَّةَ فِيهِ، وإلَّا لَقُلنا: إن اشتراط الثماني بدل الست فِيهِ مَشَقَّةٌ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ أي: فِي حَالِ معاملتك فِي تَنْفِيذِ العَقد، أي: يَا مُوسَى، سأتساهل لَوْ مَرَّ يَوْمٌ، أَوْ أيام ما رعيت فيها. وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، أو حصل عليك أثرٌ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ غَيْرِهِ؛ فإنني لا أَشُقَّ عَلَيْكَ بهذا.
وتكون عدم المَشَقَّةُ فِي تَنْفِيذِ الإجارة، أَمَّا فِي زِيادَةِ المدة، فليست بمشقَّة، وإلا لَوْ قُلْنَا: إِنَّ الثمانيَ بالنِّسبة للسِّت تكون مَشقة. فالصَّواب بلا ريب: لَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ حالَ تنفيذ العَمَل؛ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُوُل: عندك مَشَقَّةٌ فِي المُعَامَلَةِ فِي حَالِ تَنْفِيذِ العَقد، تجده -مثلًا- لَا يَسْمَحُ لَهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ، وإذا مرض يُلزمه، أَوْ يَقُوُل: عَوِّضْنِي عَنْ هَذَا الْيَوْمِ، أو أَسْقِطْ لِي مِنَ الأجرة، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهُوَ يَقُوُل: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾.
وَلِهَذَا قَال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، فوعده فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي﴾ فِي المُسْتَقْبَلِ؛ لأن السين هَذِهِ تُحَوِّل المضارع إلى المستقبل، وهي -كما مَرَّ علينا- تُفِيد التحقيق والتقريب، فَفِيهَا ثَلَاثُ فَوَائِدَ إِذَا دَخَلَتْ على المضارع:
[ ١١٣ ]
تحويله للمستقبل، وتحقيقه، وتقريبه.
قوله تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ مِن: وَجَدَ يَجِدُ، إِذَا أَدْرَكَ الشَّيْء، وَلَكِنَّهُ قَالَ: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صاحب مَدْيَنَ مُؤمن؛ لأن كلامه هَذَا يَدُلُّ عَلَى إِيمَانِهِ، وَأَنَّهُ عَلَى مِلَّةٍ.
وقوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ تعليق، فَهَلْ هُوَ تَعْلِيقٌ يُرَادُ بِهِ حقيقتُه؟
يقول المُفَسِّرُ ﵀: [إِنَّهُ لِلتَّبَرُّكِ]، والذي حَمَل المُفَسِّر عَلَى ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَتَجِدُنِي﴾ وعدٌ منه، والوعدُ إِذَا عُلِّقَ لَمْ يَكُنْ مجزومًا به؛ وَلِهَذَا قَالَ: [﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ لِلتَّبَرُّكِ]؛ لئلا يُنافيَ الوعدَ، وَلَكِنَّهُ فِي الحقِيقَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْمِلَهُ على التَّبَرُّك، بل يَحْمِلُهُ عَلَى التعليق الحقيقي بالمشيئة؛ لأن عزم الْإِنْسَانِ عَلَى الشَّيْءِ مجزومٌ به، لكن تنفيذ الشَّيْءِ لَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ أَنْ يجزم به أبدًا مَهْمَا كَانَ الْعَمَلُ، يَقُولُ ﵎: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].
ولذلك فنحن نرى أَنَّ قَوْلَهُ: [لِلتَّبَرُّكِ] غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لأن تنفيذ هذا الشَّيْء ليس بيدي صاحب مَدْيَنَ، فان الأُمُور قد تُخلَف.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ جملة مُعترضة بين الفِعل ومفعوله؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ ﴿سَتَجِدُنِي﴾ يَنْصِبُ مفعولين، المفعول الأول الياء، والمفعول الثَّانِي قَوْلُه: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: الوافِين بالعَهد؛ لأن صلاح كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِه، فهنا المسألة عَقْدُ إِجَارَةٍ، والصلاح فيها يكون بالوفاء، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ بحَسَبِه، وَالصَّلَاحُ فِي الدِّينِ هُوَ الْقِيَامُ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وصلاحُ الطعام أَلَّا يَكُونَ متغيرًا برائحةٍ كريهة، أَوْ فَسَادٍ، فالصلاح فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بحسبه.
[ ١١٤ ]