* * *
* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص: ٣٤].
* * *
قال المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ أَبْيَنُ ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ مُعِينًا وَفي قِرَاءَةٍ بِفَتْحِ الدَّالِ بِلَا هَمْزَةٍ ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ بِالجْزْمِ جَوَابُ الدُّعَاءِ، وَفِي قِرَاءَةٍ بِالرَّفْعِ، وَجُمْلتهُ صِفَةُ رِدْءًا ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾].
قوله تعالى: ﴿وَأَخِي﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ رُكني الجملة الاسمية، وَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿أَفْصَحُ﴾ هُوَ الْخَبَرَ، ويجوز أَنَّ الضَّمِيرَ مبتدأ ثانٍ، وقوله: ﴿أَفْصَحُ﴾ خَبَره، والجملة الاسمية خبر ﴿وَأَخِي﴾، والأخير هو الأوجه؛ لأن ضمير الفصل لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا كَانَ المبتدأ والخبر مَعرِفتين؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الحالَ يَلتبس الخبرُ بالصِّفَةِ، أمَّا إِذَا كَانَ الَخَبَرُ نكرةً -كَمَا فِي الآيَةِ هنا- فَإِنَّهُ يَكُونُ مُبتَدأً.
وقوله تعالى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ﴾ هارون أخو موسى مِنْ أُمِّهِ وأبيه، وَأَمَّا قَوْلُهُ تعالى: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٤]، ذَكَرُوا أَنَّ هارون نَسَبَهُ لأُمِّه؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ مِنَ الْأَبِ، فذكَّر موسى بها ليُشفِق عليه.
قوله تعالى: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾: ﴿أَفْصَحُ﴾ بمعنى: أَبينُ مِني، وقوله:
[ ١٦٣ ]
﴿لِسَانًا﴾ أي: كلامًا، وعَبَّر باللسان عَنِ الْكَلَامِ؛ لأنه آلة الكلام، قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، أي: بِنطُقِهم ولُغتهم.
وسبب قوله: ﴿أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ قِيلَ فِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ: إِنَّ مُوسَى -ﷺ- كَانَتْ فِي لسانِه لُثْغَةٌ مِن جَمْرةٍ أخذَها ووضعها في فَمِه، وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَون أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: إنَّه طفل لَا يَدْرِي، وَلَا يَعْرِفُ، وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تختَبِرَه فأَعْطِه تمَرًا وجَمْرًا.
فقَدَّم التمرة والجَمرة، والجمرةُ تتلألأ، وهيئتها أَجْمَلُ مِنَ التمر، فأخذ الجَمْرَة، وَوَضَعَهَا فِي فَمِهِ، فانعقد لسانُه.
وهذه الْقُصَّةُ مِنَ الإسرائيليات، وَهَذَا غَيْرُ مُمكنٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ الجَمرة وأخذَها، لمَا استطاع أن يضعَها فِي يَدِهِ، وَلَكِنْ مَا يعاني منه مُوسَى هُوَ أَمْرٌ خِلْقي، خَلَقَ اللَّهُ بَعْضَ النَّاسِ عَلَيْهِ، ولهذا طلب مُوسَى مِنَ اللَّهِ أَنْ يحُلَّ هَذِهِ العُقدة، قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧ - ٢٨].
هناك بعضُ النَّاس لديه مُشْكِلَةٌ فِي نُطق الحروف، وبعضُهم لَدَيْه مُشْكِلَةٌ فِي الْإِتْيَانِ بِصِفَة الحرف المعروفة، ولذلك فإن الصَّواب أَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ الَّتِى لموسى -ﷺ- مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وليست هناك تمرة وجَمرة.
قوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [أَيْ: مُعِينًا، وِفي قِرَاءَةٍ بِفَتْحِ الدَّالِ بِلَا هَمْزَةٍ]. أي: (رَدًا) (^١).
فَهِمَ مُوسَى ﵊ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ إِلَى فِرْعَوْنَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [القَصَص: ٣٢]، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ﴾، وهنا عَرَفَ أَنَّهُ
_________________
(١) حجة القراءات، لابن زنجلة (ص ٥٤٥).
[ ١٦٤ ]
رَسُولُ، وقولُه: ﴿مَعِيَ﴾ المَعِيَّة بمعنى: المُصاحبَة والمُقارَنة، وَهِيَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِحَسَبِ مَا تُضاف إليه، وتقتضي فِي كُلِّ مَوْضِعٍ غَيْرَ مَا تَقْتَضِيهِ فِي المَوْضِعِ الآخَر. فالرجل إِذَا قِيلَ: معه زوجته، فَلَيْسَ هَذَا كَقَوْلهِم: القائد معه جنودُه. فبينهما فرقٌ.
وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ: اللبن مَعَ المَاءِ يعني: ممتزجًا مختلطًا به، وهنا ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ غير مَعِيَّة الزوج لِزوجته، ومَعِيَّة اللَّبَن للماء، ولكنها مصاحَبة يُرَادُ بِهَا التأييد والإعانة، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿رِدْءًا﴾ والرِّدْء: المُعِين الظهيرُ للشخص.
قوله تعالى: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾، أي: يكون مُصَدِّقًا لي أمامَهم حتى يقوَى قولِي به، ويكونَ صِدقًا.
وَلَيْسَ المَعْنَى أَنْ يَكُونَ هارون مَعَ مُوسَى يخبر فِرْعَون أَنَّهُ صَادِقٌ فقط، بَلْ يَكُونُ كلامُه مُقوِّيًا لكلامي، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُوجِبًا لتصديقِه.
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [بِالْجَزْمِ جَوَابُ الدُّعَاءِ، وَفِي قِرَاءَةٍ بِالرَّفْعِ، وَجُمْلتهُ صِفَةُ ﴿رِدْءًا﴾]، قوله: [بِالجَزْمِ] أَيْ إِنَّ الفعل "يُصَدِّقْنِى" مجزومٌ جوابًا للدعاء، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ﴾، يعني: إنْ أرسلْتَهُ صدَّقَني.
أَمَّا قَوْلُه: [فِي قِرَاءَةٍ أُخْرَى] فهو يَعْنِي فِي قِرَاءَةٍ سَبْعِيَّة، أَمَّا إِذَا قَالَ قُرِئَ بكذا، فهي قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ، وهو منهج المُفَسِّر ﵀، وقد تَعَرَّضْنَا له سابقًا.
ثُمَّ قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [وَجُمْلتهُ صِفَةُ ﴿رِدْءًا﴾]، يعني: رِدءًا مُصَدِّقًا لي؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ التَّفْسِيرُ.
فَائِدَةُ: القراءتان الواردتان فِي الآيَةِ تعطي مَعَانِيَ مخُتلِفَة، فَإِنْ كَانَ قَوله: "يُصَدِّقْنِى" جوابًا للطلب، فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الصِّدْقُ، وَإِذَا كَانَ صِفة، فَالمَعْنَى
[ ١٦٥ ]
أَنَّهُ يُحاوِل أَنْ يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ أَنَّهُ صَادِقٌ، فتكون قِرَاءَةُ الرَّفْعِ عَلَى سَبِيلِ السبب، وقراءة الجَزْم عَلَى سَبِيلِ النتيجة، فيكون هارون فاعلًا مُؤَثِّرًا.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾، الضَّمِيرُ فِي ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، وهو الواو، يَعُودُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، وقوله: ﴿أَخَافُ﴾ أي: أتوقَّع وأخشى، وليس خوفَ الرُّعب، ولكنَّه يتوقع ذلك ويخشاه، وقوله: ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ هَذِهِ النُّون الموجودة ليست نُون الأفعال الخمسة، وإلا لَحُذِفَت بَعْدَ (أَنْ)، ولكنها نونُ الوِقاية، فأصل الفعل: يكذبونني. فحُذفت النون الأُولى للنصب، وبقيت النون الثَّانية المكسورة، وهي نون الوقاية، وحُذِفَت الياء تخفيفًا، ونظيره ذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى فِي سُورَةِ الذَّارَياتِ: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات: ٥٩]، فإذا وقفتَ عليها سكَّنْتَ.