* * *
* قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ خِزْيًا، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ المُبْعَدِينَ].
قَولُه تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ الضَّمير يَعود عَلَى فِرْعَون وجنوده، أي: وجَعَلْنَا اللعنة تتبعهم بعد إهلاكهم، واللعنة في الأَصل: الطرد والإبعاد، وفسرها المُفَسِّر ﵀ بلازمها، وهو الخِزي، أي: إِنَّ كُلَّ مَن ذَكَرَهُم يلعنهم ويطرُدهم، ويبتعد عنهم، وَلَكن لَا مُنافاةَ بَينَ مَا هنَا، وَبين قَولِه في الآية السَّابقَة: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾؛ لأَنَّ الَّذي يأتَمُّ بهم هُوَ الموَافق لهَم عَلَى كُفرهم، أَمَّا مَن لَم يهتمَّ بهم؛ فإنه يلعنهم.
واللعنةُ مِنَ اللَّه، وَمِن غَيره، قَالَ اللَّهُ ﷾: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]، فمَن لَعَنَه اللَّهُ لَعَنَهُ المؤمنون باللَّه، قَالَ ابن مَسعود -﵁- في لَعْنِ النَّامِصَة والمُتَنَمِّصة، قال: "مَا لي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-، وَهُوَ في كِتَابِ اللَّهِ" (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب اللباس، باب المتنمصات، رقم (٥٩٣٩)، ومسلم: كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، رقم (٢١٢٥).
[ ٢٠٢ ]
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَيْضًا ظرفٌ متعلق بمحذوف حالٌ مِن ﴿هُم﴾، يعني: وهُم حال كونهم يَومَ القيَامَة منَ المقبوحين، أو متعلق بـ ﴿الْمَقْبُوحِينَ﴾، ولكن (ال) اسمُ موصول، والاسم الموصول لَا يَعمَل مَا بَعدَه فيمَا قَبلَه، فَإمَّا أَن تجَرَّد (ال) مِن المصدرية، أَو ذَلكَ عَلَى سَبيل التوسّع؛ لأنَّهم يتوسّعون في الجَارِّ والمجرور والظرف مَا لَا يتوسعون في غَيرهِ.
وقوله تعالى: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ الجملة اسمية، دَالَّة عَلَى أَنَّهم هُم في ذَلكَ الوَقتِ لَا يمكن أَبَدا أن يستحسن مَا فَعَلوه، أو يُقَرَّبوا، بل إنهم في ذَلكَ الوَقتِ مِن المقبوحين المُبْعَدِين الذين يفضحُهم كُلُّ مَن ذَكَرَهُم، فَلَا يمكن لأَحَد أَنْ يُقَرِّبَهم.
إذن: عوقب هَؤلَاء الَّذينَ كَانوا يَدعونَ إلَى النَّار بثلاثة أُمُور:
الأمر الأول: الإغراق بالماء، وَأَنَّهم إذَا حَلَّ جهم العذاب يَومَ القيَامَة، فلن يجدوا مَن ينصُرهم، لأَنَّه قَالَ: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾.
الأمر الثَّاني: العارُ الَّذي لحِقَ بِمَن لَعَنَهُم، تلك اللعنة التي لحِقَتْهُم إلى يَومِ القيَامَة؛ لقوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾.
الأمر الثالث: أنهم يَومَ القيَامَة لَا يمكن أَبَدا أَنْ يَكونوا مِنَ المحمودين المقَرَّبين، بَل هُم مِنَ المقبوحين المطرودين المبعدين.