القراءتين، وكلتاهما صحيحة، وكل واحدة تحمل معنىً غير معنى القراءة الأخرى، لكن بازدواجهما نعرف أن هؤلاء القوم لا يعرفون لغة الناس، والناس لا يعرفون لغتهم.
***
(قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا) (الكهف: ٩٤)
قوله تعالى: (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ) وحينئذٍ يقع إشكال كيف يكونوا (لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) ثم ينقل عنهم أنهم خاطبوا ذا القرنين بخطاب واضح فصيح: «قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ)؟
والجواب عن هذا سهل جدًا، وهو أن ذا القرنين أعطاه الله تعالى ملكًا عظيمًا، وعنده من المترجمين ما يُعرف به ما يريد، وما يَعرف به ما يريد غيره، على أنه قد يكون الله ﷿ قد ألهمه لغة الناس الذين استولى عليهم كلِّهم، المهم أنهم خاطبوا ذا القرنين بخطاب واضح (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ)، نادَوه بلقبه تعظيمًا له.
(إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) يأجوج ومأجوج هاتان قبيلتان من بني آدم كما صح ذلك عن النبي ﷺ، فإن النبي ﷺ لما حدَّث الصحابة بأن الله ﷿ يأمر آدم يوم القيامة فيقول:
"يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِير، وَتَضَعُ كُلّ ذَاتِ
[ ١٣١ ]
حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ الله شَدِيد" (فاشتد ذلك عليهم) قالوا: يا رسول الله، وأيُّنا ذلك الواحد؟ قال: "أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْكُم رَجُلٌ وَمِنْ يَأْجُوج ومَأْجُوج أَلْفٌ". ثم قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ " إلخ الحديث (^١).
وبهذا نعرف خطأ من قال: إنهم ليسوا على شكل الآدميين وأن بعضهم في غاية ما يكون من القِصَر، وبعضهم في غاية ما يكون من الطول، وأن بعضهم له أذن يفترشها، وأذن يلتحف بها وما أشبه ذلك، كل هذا من خرافات بني إسرائيل، ولا يجوز أن نصدقه، بل يقال: إنهم من بني آدم، لكن قد يختلفون كما يختلف الناس في البيئات، فتجد أهل خط الاستواء بيئتهم غير بيئة الشماليين، فكل له بيئة، الشرقيون الآن يختلفون عن أهل وسط الكرة الأرضية، فهذا ربما يختلفون فيه، أما أن يختلفوا اختلافًا فادحًا كما يذكر، فهذا ليس بصحيح.
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قصة يأجوج ومأجوج، (٣٣٤٨). وما بين معكوفتين إحدى رواياته. ومسلم: كتاب الإيمان، باب قوله: "يقول الله لآدم أخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين"، (٢٢٢)، (٣٧٩). وما قوله في الحديث: "أبشروا إنكم " إلخ. فرواه الترمذي (٣١٦٩) وغيره في حديث طويل من حديث عمران بن حصين ﵁ نحو حديث أبي سعيد السابق. الترمذي: كتاب: تفسير القرآن، باب ومن سورة الحج، (٣١٦٩).
[ ١٣٢ ]