معروف بالشدة، والإنسان الشديد ربما يقع منه هذا الشيء، أما أن نقول: إنه معروف بالحمق والتسرع وما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز أبدًا، ثم إن له من الحسنات العظيمة ما يطغى على مثل هذا، والذي نرى أن الذي يتكلم في موسى ﵇ أنه أساء الأدب بلا شك، أما كونه قادحًا أو غير قادح فالله أعلم بنيته، لكن لا شك أنه أساء الأدب.
* * *
° قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾ [المائدة: ٢٧ - ٣١].
قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ الخطاب للنبي - ﷺ - وأمره ﷾ أن يتلو عليهم هذا النبا لأهميته، وإلا فمن المعلوم أن جميع القرآن قد أمر النبي - ﷺ - أن يبلغه، ويبينه لهم لفظًا ومعنى، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
وقوله: ﴿نَبَأَ﴾ أي: خبر، وقيل: إن النبأ إنما يكون في الأمر الهام، والخبر: يكون في الهام وغيره.
[ ١ / ٢٨٥ ]
وقوله: ﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ هذان ابنان لصلبه، وإلا فجميع البشر بنو آدم، أحدهما اسمه: هابيل، والثاني اسمه: قابيل.
وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق الثابت، واعلم أن الحق يوسف به الخبر ويوصف به الحكم، فإن كان الخبر فهو: الصدق، وإن كان الحكم فهو: العدل، كما قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] فقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يعني: بالصدق الثابت الذي لا مرية فيه ولا اختلاف.
وقوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ (إذ) متعلقة بـ (نبأ)، أي: نبأهما، حين قربا قربانًا، وهي في محل نصب حال من النبأ، يعني: هذه الحال: هما قرَّبا قربانًا، ولم يبينه الله ﷿، هل هو ذهب أو فضة أو طعام أو بهائم، ولو كان في بيانه مصلحة لبينه الله ﷿، وعلى هذا فلا حاجة إلى أن نتكلف ما هذا القربان؟ وهذه قاعدة ينبغي أن تبني عليها جميع ما تسير عليه كتب التفسير، أن ما أبهمه الله فهو مبهم، ولا حاجة إلى أن نتكلف ما هو هذا الشيء الذي أبهمه الله؛ لأن الله ﷾ يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] ويقول: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. ولو كان في بيان هذا المبهم فائدة لبينه الله ﷿.
وقوله: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ المراد به: ما يتقرب به إلى الله ﷿، قوله: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ والمتقبل هو الله، وأبهم للعلم به، كما في قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] فإن الخالق هو الله بلا شك وأبهم للعلم به، والذي تقبل منه هابيل، تقبل الله منه، ولكن كيف علمنا أن الله تقبل منه، إما أن يكون كما ذكر عمن سبق، أنهم إذا
[ ١ / ٢٨٦ ]
غنموا الغنائم جمعوها فنزلت نار من السماء فأحرقتها، فإن كان فيها غلول فإن النار لا تنزل، وعلى هذا فيكون علامة القبول أن الله تعالى أنزل نارًا على هذا القربان فأحرقته، ويحتمل أنهما علما ذلك بأمارات أخرى، إما برؤيا أو بغير ذلك، المهم أنه لا بد أنهما قد علمًا أن هذا قُبِلَ وهذا لم يقبل.
قوله: ﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾، لماذا؟ لأن الآخر ليس عنده تقوى لله ﷿، كما سيأتي في تعليل القبول، فهو ظالم لنفسه، إما بهذا القربان الذي قربه، يعني: أنه غصبه أو سرقه أو تملكه بغير طريق شرعي، وإما بمعاصٍ كثيرة تمنع من قبول العمل الصالح.
قوله: ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ القائل: هو الذي لم يتقبل منه، قال ذلك حسدًا لأخيه، ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾؛ لأن الله تقبل منك ولم يتقبل مني، فقال له: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ يعني: أن الله لا يتقبل إلا من المتقين؛ ولهذا قال بعض السلف: لو أعلم أن الله تقبل مني عملًا صالحًا واحدًا لفخرت بذلك وفرحت به؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. وجملة ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ جملة حصرية، طريق الحصر فيها "إنما" يعني: لا يتقبل الله إلا من المتقين، والمتقي: هو الذي قام بطاعة الله فاعلًا للمأمور تاركًا للمحظور.
قوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ وإنما قال ذلك لا افتخارًا بتقواه ولا إعجابًا بنفسه، ولكن حثًّا لأخيه على أن يكون من المتقين، وبيانًا بأن الله ﷿ إنما يتقبل لحكمة ويمنع لحكمة.
[ ١ / ٢٨٧ ]
قوله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ "بسطتها" أي: مددتها مدًا تصل به إليّ لتقتلني و"اللام": للتعليل؛ أي: لأجل أن تقتلني، ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾، يعني: أن هذا رجل قال لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ فأنا لن أبسط إليك يدي لأقتلك، والمعنى: إنني لا أقتلك، وهو صريح في هذا، ولكن هل هذا يتضمن أنني لا أدافع عن نفسي؟ فيه احتمال أن المراد: ما أنا بمدافع عن نفسي بل سأستسلم، أو أن المعنى: ما أنا بقاصد قتلك، والذي وقع أن الرجل قتل صاحبه كما سيأتي في آخر القصة.
قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾، لما قال: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ قد يتوهم أخوه أنه عاجز عن ذلك، فبيَّن أنه ليس بعاجز، ولكنه يخاف الله، و"إنْي" فيها قراءتان "إنيَ" بفتح الياء وسكونها. و﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: خالقهم ومالكهم ومدبر أمورهم، والعالمون: كل من سوى الله فهو عالم، وإنما سموا بذلك؛ لأنهم عَلَمٌ على خالقهم، ففي المخلوقات كلها آية تدل على وحدانية الله ﷿ وتمام ملكه وسلطانه، وغير ذلك مما تقتضيه الربوبية.
قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾، "إني" فيها قراءتان "إني" بفتح الياء وسكونها، والإرادة: هي ميل النفس إلى ما يجلب منفعة أو يدفع مضرة.
وقوله: ﴿أَنْ تَبُوءَ﴾ أي: أن ترجع بإثمي وإثمك، أما كونه يرجع بإثمه فواضح، لكن كيف يرجع بإثم أخيه، نقول: إن عدم قتال أخيه له سلامة من الإثم، فكان أخاه الذي لم يقاتل وسلم
[ ١ / ٢٨٨ ]
من الإثم كأنه حمل القاتل إثمه، وليس المعنى: أن القاتل يكون عليه إثمان: إثم للمقتول لو قتله وإثم لقتله إياه، بل الظاهر أن المعنى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أي: أن سلامته من الإثم كأن الآخر تحمله عنه وجاء به.
قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿فَتَكُونَ﴾: معطوفة على ﴿أَنْ تَبُوءَ﴾ ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ لأنك قتلت نفسًا بغير حق، ﴿وَذَلِكَ﴾ أي: كونك من أصحاب النار، ﴿جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ فكل ظالم فإنه يعذب؛ لأن الحق حق لآدمي، ثم إن كان ظلمه عظيمًا فإنه يكون من أصحاب النار ويخلد فيها، وإلا فلا.
قوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ﴾: أي: سهلت له، أن يقتل أخاه، مع أن أخاه وعظه هذه الموعظة، لكن - والعياذ بالله - لم تنفعه، ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ﴾ أي: ﴿نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾؛ لأن نفسه سهلت عليه القتل، ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: فصار من الخاسرين، وإنما قلنا: أصبح، أي: صار؛ لأن الأصل في معنى الإصباح أن يكون في أول النهار، لكن قد يعبر بالإصباح على مجرد الصيرورة، مثلما تقول: فلان أصبح حزينًا على هذه المصيبة، وربما تكون قد أصابته في وسط النهار.
قوله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ أي: أرسله، والغراب: هو الطائر المعروف، ولا يقال: لماذا اختاره الله ﷿ من بين سائر الطيور؛ لأن مثل هذه المسائل لا يمكن تعليلها ولا يمكن الإحاطة بها.
قوله: ﴿يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ ذكر المفسرون أن غرابين اقتتلا
[ ١ / ٢٨٩ ]
فقتل أحدهما الآخر، فبحث القاتل في الأرض ثم دفن الغراب، ولكن ظاهر الآية خلاف ذلك؛ لأن الله يقول: بعث الله غرابًا، ولم يقل: غرابين، والظاهر أن هذا القاتل لقوة ما وقع في نفسه، كأنه ذهل عن هذا الأمر، فبعث الله هذا الغراب يبحث في الأرض، أي: يحرثها حتى يري هذا القاتل ماذا يصنع بأخيه؟
قوله: ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ ﴿لِيُرِيَهُ﴾ أي: ليجعله يرى بعينه ﴿كَيْفَ يُوَارِي﴾ كيف يغطي، ﴿سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ أي: عورته؛ لأن الميت كله عورة، ولهذا أمر النبي - ﷺ - أن يكفن الميت كله لا يخرج منه شيء، إلا من كان محرمًا من الرجال فإنه يجب أن يكشف رأسه، لقوله ﵊: "ولا تخمروا رأسه" (^١)، قال الرجل: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ﴾ "الويل": هو الثبور والتعب والإعياء، ويقال في كل حال يقع فيها الندم، وأصل ﴿يَاوَيْلَتَا﴾ يا ويلتي، لكن قلبت الياء ألفًا من أجل المد ﴿يَاوَيْلَتَا﴾ تمد عند الصياح، وهنا نادى الويل؛ كأنه يقول: يا ويلتا احضري فإني نادم.
وقوله: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ، يعني: كيف أعجز أن أكون مثل هذا الغراب؛ لأن بني آدم أكرم من الحيوانات، فصرَّح بأنه عجز أن يساوي أو يماثل الغراب، ﴿فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾.
وقوله: ﴿فَأُوَارِيَ﴾ منصوبة هنا لأنها جواب الاستفهام، في قوله: ﴿أَعَجَزْتُ﴾.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب الكفن في ثوبين، حديث رقم (١٢٠٦)، ومسلم، كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات، حديث رقم (١٢٠٦) عن ابن عباس.
[ ١ / ٢٩٠ ]
فوائد الآيات الكريمات [٢٧ - ٣١]:
الفائدة الأولى: أهمية هذه القصة، وجه ذلك أن الله أمر نبيه - ﷺ - أن يتلوها على الأمة أمرًا خاصًّا، لقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾.
الفائدة الثانية: أنه ينبغي لنا أن نعرف أخبار من سبق، لا سيما فيما فيه مصلحة؛ لأن الله إنما أمر بأن يتلوها علينا رسول الله - ﷺ - من أجل أن نعلم بها ونأخذ منها العبر، وكلما كان الشيء أشد، كان الاهتمام به أقوى، فمثلًا ينبغي لنا بل يتأكد أو يجب علينا أن نعرف سيرة النبي - ﷺ - منذ ولد إلى أن توفي، ولا سيما سيرته بعد أن أكرمه الله تعالى بالرسالة، حتى نعرف أحواله وأخلاقه وعباداته ودعوته وأعماله حتى يتم لنا التأسي به، ولا شك أن معرفة سيرة النبي - ﷺ - مما تزيد الإنسان إيمانًا ومحبة له، وتقوي التأسي به ﵊.
الفائدة الثالثة: أن كل ما أخبر الله به فهو حق، لقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ ولا يقال إن هذا قيد، وإنه قد يكون ما يتلوه النبي ﵊ غير حق، بل هذا بيان للواقع، فإن جميع ما أخبر الله به فهو حق.
الفائدة الرابعة: أنه قد يشترك الرجلان في عمل، ويكون بينهما من الفرق كما بين السماء والأرض. إما في رد عمل الثاني، وإما في زيادة ثواب الأول، وإن لم يحرم الثاني من الثواب، وفي هذه القصة أن الثاني حرم من الثواب، فقد يعمل الرجلان عملًا واحدًا فيما يظهر، ولكن يكون بينهما في الثواب والقبول والرد كما بين السماء والأرض.
[ ١ / ٢٩١ ]
الفائدة الخامسة: أن الله ﷾ - له الحكم في القبول والرد، يتقبل أو لا يتقبل، ولكن من المعلوم أن الله جعل للقبول ميزانًا وجعل للرد ميزانًا، فمتى كانت العبادة خالصة لله موافقة لشريعته فهي مقبولة، متى عَمِلْتَ على الوجه الشرعي فإن عبادتك مقبولة، كما قال الله ﷿: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، فمن وفق للدعاء فليبشر بالإجابة، ومن وفق للعمل فليبشر بالثواب، ولولا هذا الرَّجاء من الإنسان لله ﷿ ما نشط على العمل ولا قام به.
الفائدة السادسة: أن التقوى هي سبب قبول الأعمال، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ وهل المراد هو تقبل الأعمال فقط أو تقبل الأعمال والدعاء؟ الظاهر العموم، ولهذا من كان أتقى لله كان أقرب لإجابة دعائه وقبول عمله.
الفائدة السابعة: أن غير المتقي لا يقبل منه، فهل المراد أنه لا يقبل منه في نفس العبادة التي وقعت فيها المخالفة أو العموم؟ نقول: أما في نفس العبادة التي وقعت فيها المخالفة فلا شك أنه لا يقبل، فإن الله لا يقبل عملًا مبنيًّا على معصية؛ لأن الله لا يرضى ذلك، فلا يقبله، فلو تصدق الإنسان بمغصوب، أي: غصب شيئًا وتصدق به، فإنه لا يقبل منه؛ لأن المعصية وقعت في نفس العمل الذي عمله الإنسان لربه ﷿، ولو صلى الإنسان صلاة لا تجوز في وقت النهي، فصلاها في وقت النهي، فإنها لا تقبل؛ لأن صلاته إياها في هذا الوقت معصية، فكيف يتقرب إلى الله بمعصيته؟ أما إذا كانت التقوى مختلة في غير هذا العمل، فقد يحرم الإنسان الإجابة بسبب عمله السيئ وقد يجاب ويتقبل
[ ١ / ٢٩٢ ]
منه العمل الصالح، ثم تكون الموازنة في الآخرة، أيهما يرجح الحسنات أم السيئات.
الفائدة الثامنة: أن الله ﷾ موصوف بصفات الأفعال، لقوله: ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾ ولقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة، أن الله تعالى موصوف بصفات الأفعال، كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين عباده يوم القيامة، والكلام، وغير ذلك.
لكن اعلم أن أصل صفة الفعل صفة أزلية، والذي يحدث هو المفعولات والفعل المقارن للمفعول، وأما أصل الفعل فهو صفة أزلية؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعالًا لكن مفعولاته غير معلومة لنا، يعني هناك أشياء قبل السموات والأرض نعلم أن الله تعالى خلقها، لكن لا ندري ما هي، ولا نعلم إلا ما علمنا الله ﷾.
الفائدة التاسعة: الترغيب في التقوى، لقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
الفائدة العاشرة: أنه لا حرج على الإنسان أن يخبر بوصف محمود إذا لم يقصد الفخر وإنما قصد مصلحة الغير، لقول هذا الذي تقبل منه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾؛ لأن هذه الجملة تصلح لأن يكون القائل مفتخرًا بنفسه، وتصلح أن يكون القائل يريد أن يحث هذا على التقوى، وأيهما أقرب احتمالًا بالنسبة لهذا؟ الثاني أقرب؛ لأن الرجل من المتقين.
الفائدة الحادية عشرة: أن هذا الرجل الذي هدد بالقتل
[ ١ / ٢٩٣ ]
امتنع عن قتل صاحبه، فهل يؤخذ منه أنه ينبغي لمن أراد إنسان أن يقتله أن يستسلم؟ يحتمل هذا وهذا، فيحتمل أنه قال: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ وأما المدافعة فسأدافع، ولكن مدافعة لا تصل إلى القتل، وعلى كل حال سواء كان هذا الاحتمال هو المراد أو الأول، فإن شريعتنا وردت بخلاف ذلك، فإن النبي - ﷺ - أمر من أراده أحد على نفسه أن يقاتله، ومن أراده على ماله أن يقاتله، ومن أراده على أهله أن يقاتله (^١)، وبيَّن أن المدافع إذا قتل فهو شهيد، وأن الآخر الصائل إذا قتل فهو في النار؛ لأنه أراد قتل صاحبه (^٢).
ولكن العلماء ﵏ قالوا: إن هذا بالنسبة للشريعة الإِسلامية يختلف باختلاف المصلحة، ففي حال الفتنة ينبغي الاستسلام، وفي حال الأمن تجب المدافعة، وهذا هو الصحيح؛ لأنه في حال الفتنة ربما يترتب على القتل بالمدافعة، إراقة دماء كثيرة، ولهذا استسلم عثمان ﵁ للقتلة، وطلب منه الصحابة أن يدافعوا عنه فأبى؛ لأنهم لو دافعوا لاشتبكوا بهؤلاء الخوارج ثم حصل إراقة دماء كثيرة، وهذا هو الأصح، أن يقال:
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب السنة، باب في قتال اللصوص، حديث رقم (٤٧٧٢)، والترمذي، كتاب الديات، باب ما جاء فيمن قتل دون ماله فهو شهيد، حديث رقم (١٤٢١)، والنسائي، كتاب تحريم الدم، باب من قاتل دون دينه، حديث رقم (٤٠٩٥) عن سعيد بن زيد.
(٢) رواه أحمد (٣/ ٤٢٣) (١٥٥٢٥)، والطبراني في الكبير (١٩/ ٣٩) عن قهيد بن مطرف، ولفظ أحمد: (أن رسول الله - ﷺ - مسألة سائل: إن عدا عليَّ عاد، فأمره أن ينهاه ثلاث مرار، قال: فإن أبي، فأمره بقتاله، قال: فكيف بنا؟ قال: إن قتلك فأنت في الجنة، وإن قتلته فهو في النار).
[ ١ / ٢٩٤ ]
إن الإنسان يجب عليه أن يدافع بقدر ما يستطيع، ولو أدى إلى قتل صاحبه، إذا لم يندفع إلا بقتله، إلا في حال الفتنة التي يترتب عليها المدافعة بالقتل ما هو أكثر ضررًا، فهنا يجب الاستسلام درءًا للمفسدة.
الفائدة الثانية عشرة: أن الإنسان ينبغي له إذا امتنع من شيء
محرم، أن يبين لصاحبه أنه إنما امتنع لا عجزًا ولا خوفًا، ولكن للمعنى الذي من أجله امتنع، وذلك لقوله: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ونظير هذا أن النبي - ﷺ - قال في الصائم: "وإن امرئ قاتله أو شاتمه فليقل: اني صائم" (^١)، ليبين أنه لم يقاتله عجزًا ولا ضعفًا ولكن لأجل الصيام الذي ينهى فيه الإنسان عن المقاتلة والمسابة.
الفائدة الثالثة عشرة: أن الخوف من الله هو أقوى الأسباب الرادعة عن معصيته، لقوله: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ولا شك في هذا أن الخوف من الله هو أقوى الأسباب الرادعة عن المخالفة، كما أن الرَّجاء هو أقوى الأسباب الموجبة للطاعة والرغبة فيما عند الله.
الفائدة الرابعة عشرة: إثبات عموم ربوبية الله ﷿، لقوله: ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.
الفائدة الخامسة عشرة: إثبات الإرادة للعبد، وأن هذا معلوم منذ خلق البشر أن للعبد إرادة، فيكون في ذلك رد على الجبرية
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الصوم، باب فضل الصوم، حديث رقم (١٧٩٥)، ومسلم، كتاب الصيام، باب حفظ اللسان للصائم، حديث رقم (١١٥١) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٢٩٥ ]
الذين يقولون: إن الإنسان ليس له إرادة، وإنما يفعل الشيء قهرًا وجبرًا، لقوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ﴾.
الفائدة السادسة عشرة: أن من أريد قتله ولم يدافع خوفًا من الإثم، فإنه لا حرج عليه، ولكن كيف يكون خوفًا من الإثم؛ لأنه ربما يقتل الصائل فيتعجل؛ لأن الواجب في دفع الصائل أن يدافع بالأسهل فالأسهل، فإن رجع عن صوله بالتهديد لم يضرب، وإن رجع بالضرب اليسير لم يضرب كثيرًا، وإن رجع بالضرب الكثير لم يقتل، وإن لم يندفع إلا بالقتل فالحكم أنه يقتل، إلا أن العلماء ﵏ استثنوا من ذلك مسألة وقالوا: ما لم يخف أن يبادره بالقتل، فإن خاف أن يبادره بالقتل فلا بأس أن يقتله لأول وهلة، كما لو كان هذا الصائل معه سلاح أشهره على صاحبه، وصاحبه يخاف أن يطلقه عليه فيقتله، فحينئذٍ لا حرج أن تبادره بالقتل؛ لأن هذا الصائل ربما لا يعطيك فرصة أن تدفعه بيدك مثلًا، أو تصيح به أو ما أشبه ذلك، وحينئذٍ لا بأس أن تبدره بالقتل.
الفائدة السابعة عشرة: أن القتل سبب لدخول النار، لقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ وقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]. وهل هو مخلد فيها أبدًا؟ نقول: اختلفت الأمة في ذلك؛ فمنهم من قال: إنه مخلدٌ فيها أبدًا وهم الخوارج والمعتزلة، لكن الفرق بينهم أن الخوارج كفروه، وأما المعتزلة فلم يكفروه، بل قالوا: في منزلة بين منزلتين، والذي عليه أهل السنة والجماعة أنه
[ ١ / ٢٩٦ ]
يدخل النار ولكن لا يخلد فيها، ولكن هل يدخل النار قطعًا أو هو داخل في قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] المشهور في مذهب أهل السنة: أنه داخل تحت المشيئة، ولكن يبقى حق المقتول، هل يدخل تحت المشيئة؟
الجواب: إن تاب القاتل توبة نصوحًا، فإنه يدخل في ذلك، بمعنى: أن الله لا يعاقبه على حق المقتول لعموم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].
فظاهر الآية أنه إذا تاب توبة نصوحًا فإن الله ﷾ يتحمل عنه ولا يعذبه، وهذا في غير الحق المالي، يعني: نقول: لو تاب هذا القاتل، هل تسقط الدية عنه؟
الجواب: لا؛ لأنه حق للآدمي، ولهذا صرح الفقهاء ﵏: بأن قاطع الطريق إذا تاب قبل القدرة عليه قبلت توبته ورفع عنه الحد، لكن لا يسقط عنه ما كان حقًّا للآدمي في أمور الدنيا.
وأما إذا مات غير تائب فحق المقتول لا بد أن يؤخذ منه، وحق الله داخل تحت المشيئة، فالقاتل غير مضمون له أن ينجو من النار بل هو تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له وإن شاء لم يغفر له، وهذا في الجزاء الأخروي. أما الدنيوي وهو الدية فلا بد من استيفائها لورثة المقتول سواء تاب أم لم يتب.
[ ١ / ٢٩٧ ]
الفائدة الثامنة عشرة: أن الظلم من أسباب دخول النار، سواء كان الظلم في حق الله أو في حق المخلوق، لقوله: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ ويحتمل أن يقال: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ هنا عام أريد به الخاص، وهو من ظلم مثل هذا الظلم إلا أن يعفو الله عنه كما في غير الشرك.
الفائدة التاسعة عشرة: الحذر من النفس الأمارة بالسوء؛ لأنها قد تطوع للإنسان أكبر المعاصي، فيجب على الإنسان أن يكون حازمًا بالنسبة لنفسه، ويقظًا فلا يتبعها فيما تطوعه له من معاصي الله. الفائدة العشرون: أن قتل النفس لا يخرج من الإيمان؛ لقوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ والله تعالى وصفه بالأخوة بعد أن بيَّن أنه قتله، وإلا فقد يقول قائل: إنه قبل أن يقتله لا يترتب عليه إثم القاتل، وإن سهلته نفسه له، فتبقى الأخوة ولكن الله تعالى ذكر الأخوة بعد ما تم القتل، ويدل لهذا قول الله ﵎ قولًا صريحًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
وقتال المؤمن لا يوجب الكفر ولا يخرج من الإيمان وتبقى الأخوة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]، وبهذا
[ ١ / ٢٩٨ ]
التقرير نعرف أن الكفر في الكتاب والسنة قد يراد به الكفر الأصغر، ودليل ذلك قول النبي - ﷺ -: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (^١).
الفائدة الحادية والعشرون: أن القتال لم يخرج الطائفتين المقتتلتين من أخوة الإيمان، وهذا دليل على أن القاتل لا يكفر، وبه يعرف الرد على قول بعض الناس: إن كل كفر أطلقه الله فالأصل فيه الكفر المخرج عن الملة إلا بدليل، والحقيقة أن الأمر بالعكس، أن كل كفر أطلقه الله فهو كفر دون كفر إلا بدليل يدل على أنه كفر أكبر.
الفائدة الثانية والعشرون: أن هذا الرجل الذي قتل أخاه وظن أنه ربح الميدان، بحيث لم يكن له منافس، صار من الخاسرين، قيستفاد منه: أن كل إنسان حسد أخاه وحاول أن يحول بينه وبين التوفيق، فإن الخسارة ستعود على هذا الحاسد.
الفائدة الثالثة والعشرون: أن أفعال الحيوان غير الإنسان مخلوقة لله وبإرادته، لقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ فهل أفعال البشر مخلوقة لله وبإرادته؟
الجواب: نعم، أفعالنا مخلوقه لله وبإرادة الله ﷿. هذا ما عليه أهل السنة والجماعة خلافًا للقدرية المعتزلة الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، ولكن مع ذلك نقول: إن فعل الإنسان يقع باختياره وإرادته، فللإنسان اختيار وإرادة خلافًا
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى من السباب واللعن، حديث رقم (٥٦٩٧)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي - ﷺ -: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"، حديث رقم (٦٤) عن ابن مسعود.
[ ١ / ٢٩٩ ]
للجبرية الذين قالوا: إن الإنسان ليس له إرادة ولا اختيار، فأهل السنة والجماعة وفقهم الله ﷿ للأخذ بالنصوص من جميع الجوانب، والمعتزلة أخذوا بنصوص، والجبرية الجهمية أخذوا بنصوص، فصاروا ينظرون إلى النصوص نظر الأعور الذي ينظر بعين واحدة.
أما أهل السنة - والحمد لله جعلنا الله منهم - فإنهم ينظرون إلى النصوص بالعينين جميعًا.
الفائدة الرابعة والعشرون: أن الحيوانات قد تكون مرشدة للبشر كما في هذه القصة، الغراب أرشد ابن آدم إلى أن يحفر لأخيه ويدفنه، وصارت سنة البشر إلى يومنا هذا، إلا من ضل عن الصراط المستقيم كالذين يحرقون موتاهم ويضعونهم في اليم وما أشبه ذلك، وهل الميزة في شيء معين يقتضي التفضيل المطلق؟
الجواب: لا، وهذه قاعدة ينبغي أن نعرفها، أنه إذا امتاز أحد بشيء فإن هذا لا يقتضي التمييز المطلق، ومن ذلك ما ثبت عن النبي ﵊: "أنه يكون في آخر الزمان أيام الصبر، للعامل فيهن أجر خمسين من الصحابة" (^١) فهل يقال: إن هؤلاء الذين يكونون في تلك الأيام أفضل من الصحابة على سبيل الإطلاق؟
الجواب: لا، لكن يتميزون بميزة، كذلك نجد أن الرسول
_________________
(١) رواه أبو داود، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، حديث رقم (٤٣٤١)، والترمذي، كتاب التفسير، باب سورة المائدة، حديث رقم (٣٠٥٨)، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُم﴾ [المائدة: ١٠٥]، حديث رقم (٤٠١٤) عن أبي ثعلبة الخشني.
[ ١ / ٣٠٠ ]
﵊، أحيانًا يفضل بعض الصحابة على بعض في قضية معينة، فلا يلزم من ذلك التفضيل المطلق، كما في قوله: "لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" (^١) فأعطاها عليَّ بن أبي طالب، وهذا لا يقتضي أن يكون أفضل من أبي بكر وعمر، وأمثال هذا كثير، فيجب أن نعرف الفرق بين الفضل المطلق والفضل المعين، فهل نقول: إن الغربان أفضل من بني آدم؟ الجواب لا وإن كان للغربان فضل في كيفية مواراة الأموات؟ لكن هذا لا يقتضي التفضيل.
لو قال قائل: ما الفرق بين مطلق الشيء والشيء المطلق؟
الجواب: الفرق بينهما أن مطلق الشيء الجزء منه والشيء منه، فمطلق الشيء هو الذي يسمى شيئًا، والشيء المطلق: يعني الشيء الكامل، المطلق من غير قيد، فلا يقال: إنه قليل، ولا يقال: إنه ضعيف، فالشيء المطلق الكامل من الشيء، ومطلق الشيء هو الذي يصدق عليه أنه شيء وإن لم يكن كاملًا، لكن فرق بين أن تضيف الإطلاق إلى النوع أو إلى الجنس وأن تصف النوع بالإطلاق.
الفائدة الخامسة والعشرون: أن الله سبحانه تعالى ييسر للإنسان إذا ضاقت به الأرض ما لم يطرأ له على بال، فإن هذا الرجل ضاقت عليه الأرض ماذا يصنع بأخيه الذي قتله؟ ففرج الله عنه ببعث هذا الغراب.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل من أسلم على يديه رجل، حديث رقم (٢٨٤٧)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب، حديث رقم (٢٤٠٦) عن سهل بن سعد.
[ ١ / ٣٠١ ]
الفائدة السادسة والعشرون: أن الواجب في الدفن ما توارى به السوأة، أي: ما يغطى به الجسم، لكن العلماء ﵏ زادوا على ذلك شرطًا لا بد منه وهو أن يكون الدفن مواريًا للسوأة، ومانعًا للسباع وللرائحة، يعني: لا بد أن يمنع السباع أن لا تحفر القبر، وأن يمنع الرائحة أن لا تخرج من القبر، فلو أن إنسانًا حفر حفرة يسيرة ثم وارى عليها التراب، لكن يسهل على السباع أن تحفره وتخرج رائحته، فإن هذا لا يجزئ، ولا بد من تعميق القبر على وجه يمنع السباع والرائحة، وكلما كان أعمق في الأرض فهو أحسن.
الفائدة السابعة والعشرون: أن بدن الميت كله عورة؛ لأن القبر يواري البدن كله، ولهذا قال العلماء ﵏: إن بدن الميت كله عورة، لكن هذا بالنسبة إلى وجوب تعميم الكفن لا بالنسبة للنظر، ولهذا قَبَّل أبو بكر ﵁ النبي - ﷺ - بعد موته، مع أنه لا حاجة لذلك، إنما هو شوق إليه، وأما المغسل فجاز له النظر إلى الميت للحاجة، ولذلك نقول: إن الأفضل ألا يمس سائره إلا بخرقة، لكن في العورة المغلظة لا بد أن تكون مستورة.
الفائدة الثامنة والعشرون: أن قتل العمد لا يخرج من الإيمان، لقوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ ولقوله في هذه الآية: ﴿كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ، وهذا هو الحق أن قتل العمد لا يخرج من الإيمان خلافًا لطائفتين مبتدعتين زائغتين، وهما: الخوارج والمعتزلة، فالمعتزلة قالوا: إن قاتل النفس عمدًا يخرج من الإيمان، لكن لا يدخل في الكفر، بل هو في منزلة بين منزلتين هذا حكمه في الدنيا، أما في الآخرة فإنه مخلد في النار.
[ ١ / ٣٠٢ ]
أما الخوارج فقالوا: إنه يكفر؛ لأنه ليس هناك إلا كافر ومؤمن، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وإحداث منزلة بين المنزلتين هذه بدعة، والخوارج أشجع من المعتزلة؛ لأنهم صرحوا بما يقتضيه الدليل على زعمهم، فصرحوا بأنه كافر، وأما المعتزلة فلاذوا بهذه الحيلة وهي قولهم إنه لا يكفر ولكنه في منزلة بين المنزلتين، وكلا القولين خطأ.
لكن لو قال قائل: الخوارج يكفرون من ارتكب كبيرة، فماذا يقولون في الحدود الشرعية الثابتة في الكتاب والسنة، كقطع اليد والجَلْدِ؟
الجواب: مقتضى قاعدتهم أنهم كفار سواء جلدوا أم لا، حتى لو أقيم عليه الحد، لكن على كل حال: مذهبهم في هذا لا نستطيع معرفته إلا إذا قرأنا كتبهم، لكن على العموم كل كبيرة عندهم تخرج الإنسان من الإيمان إلى الكفر.
الفائدة التاسعة والعشرون والثلاثون: إظهار الندم الشديد من هذا الذي قتل أخاه، لقوله: ﴿يَاوَيْلَتَى﴾ وأصلها يا ويلي، ويا ويلتي، وهي كلمة تحسر وتحزن، وينبني على هذه الفائدة: أن فاعل المعصية إذا لم يتب فإنه يجازى بالخسران والندم وضيق النفس.
الفائدة الحادية والثلاثون: إقرار هذا الإنسان القاتل بما اقتضته الحال، مع ما في ذلك من لومه والقدح فيه، لقوله: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾.
[ ١ / ٣٠٣ ]