لأن القتل بغير الصيد الشرعي منهي عنه سواء كان الإنسان مُحْرِمًا أم غير محرم، لكن لما كان صيد الصيد في حال الإحرام حرامًا صار هذا الصيد بمنزلة القتل، فيكون المصيد حرامًا.
الفائدة الثانية عشرة: تعظيم الإحرام وأنه يحرم على المحرم الصيد لئلا ينساب وراء الصيد فينسى الإحرام، إذ من المعلوم الآن عند أهل الصيد أنهم شغوفون به وأنه يأخذ بلبهم وعقولهم، حتى إنك ترى الصائد يلحق الصيد والحصى يُدمي قدمه والشوك يخرقها ومع ذلك لا يبالي، فلو أحل الصيد للمحرم لتلهى به عن إحرامه وغفل.
الفائدة الثالثة عشرة: إثبات الحكم لله، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾.
الفائدة الرابعة عشرة: إثبات الإرادة لله جل وعلا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾.
الفائدة الخامسة عشرة: الإشارة إلى أنه لا يحل للإنسان أن يعترض على الأحكام الشرعية، وجه ذلك: لأن الله ختمها بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ وذلك بعد أن ذكر أنواعًا من الأحكام.
° قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
[ ١ / ١٧ ]
نقول في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ما قلناه في الآية الأولى.
قوله: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ أي: لا تنتهكوا حرماتها، و"الشعائر" جمع شعيرة، وهي العبادات الكبار، كالحج والعمرة ونحو ذلك، وذلك لأن الأحكام الشرعية شعائر وغير شعائر، الأحكام الكبيرة تسمى شعائر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨].
قوله: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ الشهر هنا المراد به الجنس، وليس المراد به الواحد، فالشهر الحرام شهور أربعة بينها الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] وبيَّن النبي - ﷺ - أعيان هذه الأشهر بأنها: ذو القَعدة بفتح القاف وهو الأفصح ويجوز الكسر، وذو الحِجة والأفصح كسر الحاء، والمحرم والرابع رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان (^١)، هذه الأشهر الحرم، يقول الله تعالى: لا تحلوها بالمعاصي وأيضًا لا تحلوها بالقتال؛ لأن القتال في الأشهر الحرم حرام، حتى الكفار لا يحل أن نبدأهم بالقتال في الأشهر الحرم، إلا دفاعًا عن النفس أو إذا كان امتدادًا لقتال سابق، وهذه المسألة يأتي إن شاء الله بيان حكمها واختلاف العلماء فيها.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾، حديث رقم (٤٣٨٥)، ومسلم، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، حديث رقم (١٦٧٩) عن أبي بكرة.
[ ١ / ١٨ ]
قوله: ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾ أي: لا تحلوا الهدي، والمراد بالهدي ما يهدى إلى الحرم، من إبل أو بقر أو غنم، وكيفية إحلاله أن يذبحه قبل أن يبلغ محله، فلو أن الإنسان ساق الهدي من الميقات: من ذي الحليفة مثلًا ثم أراد أن يذبحه أو ينحره قبل الوصول إلى مكة كان هذا حرامًا لا يحل، ولهذا قال: ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾ والعطف هنا لا يدل على المغايرة، فليس المعنى أن الهدي ليس من شعائر الله بل هذا كقول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فالعطف هنا لا يدل على أن الصلاة الوسطى ليست من الصلوات، لكن قد يعطف الخاص على العام للعناية به.
قوله: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ جمع قلادة، والمراد بالقلائد: ما تقلد به أعناق الهدي، وكان من عادتهم أن يجعلوا في عنق كل واحدة قلادة، إشارة إلى أنها هدي، ويعلق في هذه القلادة النعال البالية وأطراف الأسقية أي: أطراف القرب وما أشبه ذلك، إشارة إلى أن هذه للفقراء، فمن حين أن يرى الإنسان هذا البعير أو هذه الشاة وعليها هذه القلادة يعرف أنها هدي فيحترمها ولا يضيرها بشيء، ويحتمل أن يقال: إن القلائد أعم من ذلك، وأن المراد: ولا ما تقلدتموه، أي: ما تقلدتموه من عهود ووعود وغيرها، ولكن السياق يدل على المعنى الأول، القلائد يعني: قلائد الهدي.
قوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ يعني: ولا تحلوا أيضًا.
قوله: ﴿آمِّينَ﴾ بمعنى قاصدين، ﴿الْبَيْتَ﴾ مفعول به لآمين
[ ١ / ١٩ ]
و﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ هو الكعبة وسماه الله بيتًا لأنه بيت في الواقع، إذ إنه حجرة ذات أركان وسقف، ووصفها الله بالحرام لما لها من الحرمة والتعظيم، ولهذا كان ما حولها محترمًا، حتى الأشجار محترمة في الحرم، مع أن الأشجار جماد، أما الحصى والتراب فغير محترم، ولهذا لك أن تكسر الحصاة، ولك أن تنقل التراب إلى خارج الحرم، بخلاف الأشجار، لكن الأشجار التي لا تنمو كالتي قد يبست وكأغصان انكسرت فهذه ليست حرامًا.
قوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ جملة يبتغون في موضع نصب على الحال من "آمّين".
وقوله: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أي: يطلبون.
وقولة: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الفضل هنا يشمل الفضل الدنيوي والفضل الأخروي، دليل ذلك قوله ﵎ لما ذكر أحكام الحج قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وهذا فضل الدنيا يشير به إلى من أتى إلى الحج يبيع ويشتري أو يكاري إبله أو سيارته أو ما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿وَرِضْوَانًا﴾ أي: رضًا من الله ﷿ وفيها قراءتان ضم الراء وكسرها (رُضوانًا) و(رِضوانًا).
وقوله: ﴿وَرِضْوَانًا﴾ أي: من ربهم، فالرضوان هنا عام فهم يريدون رضوانًا من الله ﷿ ومن أنبيائه وأوليائه وأصفيائه، لكن الأصل الأصيل أنهم يريدون الفضل من الله ﷿.
قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ إذا حللتم أي: من الإحرام، لقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١].
[ ١ / ٢٠ ]
وقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾ أي: من إحرامكم ﴿فَاصْطَادُوا﴾ والمراد بالإحلال هنا الإحلال الأول الذي يحصل برمي جمرة العقبة يوم العيد والحلق أو التقصير، كما جاءت بذلك السنة أن من رمى وحلق حل له كل شيء إلا النساء (^١)، هذا هو المراد بقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾ وليس المراد إذا حللتم من كل الإحرام.
وقوله: ﴿فَاصْطَادُوا﴾ أصلها فاصتادوا لكن لعلة تصريفية قلبت (التاء) (طاء)، والمعنى: صيدوا الصيد، ولم يقل: فصيدوا؛ لأن الصيد يحتاج إلى عمل وحركة وافتعال، وإن شئت فقل: وانفعال أيضًا، وسيأتينا إن شاء الله تعالى هل الأمر هنا للإباحة أو لرفع النهي، وينظر في حكم الاصطياد الأصلي.
قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ ﴿شَنَآنُ﴾ فيها قراءتان بسكون النون وفتحها، وكذلك "أنْ" في قوله تعالى: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ فيها قراءتان بفتح الهمزة وكسرها، فالشنآن هو البغض.
قوله: ﴿قَوْمٍ﴾ المراد بالقوم هنا وإن كان نكرة أهل مكة، فالنكرة هنا معلومة.
والمعنى على قراءة الكسر أي: لا يحملنكم بغضهم إن
_________________
(١) رواه بهذا اللفظ الدارقطني (٢/ ٢٧٦) (١٨٥)، ورواه بدون ذكر الحلق: أبو داود، كتاب المناسك، باب في رمي الجمار، حديث رقم (١٩٧٨) عن عائشة، والنسائي، كتاب مناسك الحج، باب ما يحل للمحرم بعد رمي الجمار، حديث رقم (٣٠٨٤)، وابن ماجه، كتاب المناسك، باب ما يحل للرجل إذا رمى جمرة العقبة، حديث رقم (٣٠٤١) عن ابن عباس.
[ ١ / ٢١ ]
صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، وهذا إشارة إلى أنهم سوف يصدونكم عن المسجد الحرام، لكن إن صدوكم فلا تعتدوا.
أما على قراءة الفتح "أَن صدوكم" فتكون الجملة تعليلًا، أي: لا يحملنكم بغضهم من أجل صدهم إياكم أن تعتدوا.
إذًا: يختلف المعنى باختلاف القراءتين، فعلى قراءة كسر الهمزة إخبار عما يتوقع، وعلى قراءة فتح الهمزة إخبار عما وقع، فيكون المعنى الأول: ولا يحملكم بغض هؤلاء إن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، وعلى الثانية: ولا يحملكم بغض قوم لكونهم صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا.
وقوله: ﴿صَدُّوكُمْ﴾ أي: صرفوكم، وهذا ينطبق تمامًا على ما فعلته قريش في غزوة الحديبية، فإنها صدت النبي - ﷺ -، وأحلت شعائر الله، وأحلت الشهر الحرام، والهدي، والقلائد، فكل ما نهى الله عنه في هذه الآية انتهكته قريش، وصدوا أولى الناس بالبيت عن بيت الله ﷿.
وقوله: ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: ذي الحرمة والتعظيم، ولا شك أن هذا المسجد له حرمة وعظمة، فإن أول بيت وضع للناس ليتعبدوا الله فيه هو المسجد الحرام، وهو الذي يجب على كل مسلم وجوبًا عينيًّا لا يتم إسلامه إلا به أن يؤمه بحج بالإجماع، أو بحج وعمرة على خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى في وجوب العمرة، فهو مسجد حرام.
ووصف بالمسجد إما لأن جميع الأرض مسجد، وأولى أرض تتصف بذلك هي هذه البقعة، أو يقال: إن المراد بالمسجد
[ ١ / ٢٢ ]
الحرام هو مسجد الكعبة الذي اتُّخذ مسجدًا؛ لأنهم صدوهم عن الوصول إليه، وما حول المسجد تابع له، والأصل هو المسجد، ولهذا أجمع العلماء ﵏ على ركنية الطواف في العمرة والحج، فطواف الإفاضة وطواف العمرة مجمع على ركنيتهما وعلى أنه لا يصح الحج والعمرة إلا بهما.
وقوله: ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ هذه متعلقة بقوله: لا يجرمنكم، يعني: لا يحملنكم على العدوان، و"أَنْ" في تاويل مصدر منصوب بنزع الخافض وتقديره: على أن تعتدوا، يعني: لا يحملكم هذا على العدوان.
قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ تعاونوا على وزن (تفاعلوا)، ولا تكون هذه الصيغة إلا من جانبين، فإنك إذا قلت: أعن صاحبك، فطلب الإعانة من جانب واحد، لكن قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا﴾ أي: ليعن كل واحد أخاه، ﴿عَلَى الْبِرِّ﴾: وهو فعل الطاعات: ﴿وَالتَّقْوَى﴾: وهي ترك المحرمات، فإذا استعانك أخوك على عبادة من العبادات فأعنه لتشاركه في الأجر، فإذا قال لك: قَرِّب لي ماء الوضوء؛ فقربه له، وإذا قال لك: اشترِ لي ثوبًا أستر به عورتي في الصلاة؛ اشترِ له، وإذا قال لك: دلني على اتجاه القبلة دله عليها، بل وإن لم يستعنك فأعنه أيضًا.
كذلك تعاونوا على التقوى، أي: على ترك المحرمات، فإذا استعانك إنسان على تكسير المزمار فأعنه، أو استعانك على إراقة خمر فأعنه أيضًا، أو على إتلاف كتب بدع فأعنه، وهلمَّ جرَّا.
قوله: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ "الإثم" هو المعاصي المتعلقة بحق الله ﷿، و"العدوان": المعاصي المتعلقة بحق
[ ١ / ٢٣ ]
العباد، وإذا أفردت إحداهما عن الأخرى صارت شاملة لمعنى الأخرى، يعني: إذا أطلق الإثم صار شاملًا للعدوان على الناس، ولو أطلق العدوان صار شاملًا للإثم؛ لأن العدوان على حق الله ﷿ إثم.
قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ لما ذكر هذه الأوامر والنواهي أمر بتقوى الله ﷿، يعني: اتقوا الله أن تخالفوا أمره أو أن تقعوا في نهيه، والتقوى فسرت بعدة تفاسير وأحسنها أن يقال: إن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وينقص من التقوى بقدر ما نقص من ذلك، فالإنسان الذي عنده معاصي ومآثم لكنها لا تخرجه من الإسلام نقول: إن تقواه ناقصة.
وقد كان بعض السلف إذا قيل له: اتقِ الله؛ ارتعد وربما سقط من مخافة الله ﷿، وأدركنا من الناس من هذه حاله، أي: أنك إذا قلت له: اتقِ الله؛ اضطرب واحمر وجهه وخشع، والآن بالعكس، إذا قلت له: اتقِ الله، قال: ماذا فعلت؟ مع أنه منتهك لحرمات الله ﷿، فالواجب على العبد تقوى الله ﷿ امتثالًا لأمره تعالى.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ الجملة صلتها بما قبلها أنها وعيد لمن لم يتقِ الله، والمعاقبة هي المؤاخذة على الذنب.