المقاتل رياءً -والعياذ بالله- هذا أخسرهم، يقاتل لأجل أن يقال: فلان جريء وشجاع، أو يقاتل لأجل أن يقال: فلان يجاهد في سبيل الله، وكلاهما باطل، والذي يقاتل ليقال: فلان جريء، هو من أول من تسعر بهم النار (^١) -أعاذنا الله منها- نسأل الله العافية.
إذًا: لا بد أن تكون النية خالصة؛ لأن الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا يمكن أن يفرط فيما أوجب الله عليه؛ لأنه يريد هذا، يريد من غيره أن يقوم بطاعة الله فلا يمكن أن يفرط بطاعته.
* * *
° قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦].
لما أمر الله ﵎ عباده المؤمنين أن يتقوا الله ويبتغوا إليه الوسيلة ويجاهدوا في سبيله وبَيَّن عاقبة هذا بأنه الفلاح؛ بَيَّن عاقبة من لم يقم بذلك من الكفار، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الإعراب: "إنَّ": هذه تحتاج إلى خبر، وجملة الشرط ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ﴾ تحتاج إلى جواب،
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، حديث رقم (١٩٠٥) عن أبي هريرة.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وجوابها قوله: ﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ والجملة من الشرط وجوابه هي خبر "إن" في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ﴾ "لو": هذه شرطية، ولو الشرطية لا تدخل إلا على جملة فعلية، فأين الجملة الفعلية والتي بعدها "أن" المفتوحة وهي نائبة مناب مصدر؟ يقال في الجواب: إن فعل الشرط محذوف والتقدير: لو ثبت أن لهم ما في الأرض.
وقوله: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ "ما": اسم موصول يفيد العموم، أي: جميع ما في الأرض من معالم وأشجار وبحار وأنهار وحيوان وآدمي وكل شيء في الأرض ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ إضافة مبذولة، ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
وقولنا: "مبذولة" إشارة إلى أن "اللام" في قوله: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ متعلقة بهذا المحذوف.
وقوله: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ أي: ليبذلوه فداءً عما لهم من العذاب.
قوله: ﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾، أي: ما تقبل الله منهم ذلك؛ لأنهم قد حقت عليهم كلمة الله وحق عليهم العذاب، ولهذا قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿أَلِيمٌ﴾: هنا بمعنى مؤلم، ففي هذه الآية يذكر الله ﷿ أن الكفار لن ينجوا من عذاب الله فمهما بذلوا من الفداء، فإنهم لن ينجوا منه، وأن عذابه أليم، أي: مؤلم، واقرأ قول الله ﵎: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]، تعرف كيف كان هذا الإيلام.
[ ١ / ٣٣٨ ]