° قال الله ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُور﴾، "إنا" "نا" معروف أنها للجماعة أي: ضمير جمع، لكنها إذا أضيفت إلى الله فالمراد بها: التعظيم قطعًا؛ لأن الله ﷾ إله واحد كما قال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨].
وقوله: ﴿أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ﴾ أي: من أعلى؛ يعني أن الله تعالى أنزلها على موسى لكنه جلَّ وعلا كتبها بيده في ألواح، نزلت من السماء على موسى ﵊ وجاء بها مكتوبة في الألواح.
قوله: ﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ الهدى: العلم، والنور: آثار هذا العلم، وذلك أن الإنسان كلما ازداد علمًا ازداد نورًا وبصيرة في دين الله ﷿.
قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا﴾ أي: بالتوراة وما فيها من الهدى والنور، ﴿النَّبِيُّونَ﴾ وفي قراءة "النبيئون" فعلى قراءة "النبيئون": يكون مفردها نبيئًا، وتكون مشتقة من النبأ بمعنى: الخبر، وعلى قراءة حذف الهمزة، قيل: إنها مشتقة من النَبْوَة، وهو الشيء المرتفع وذلك لارتفاع منزلة النبيين، وقيل: إنها من النبأ لكن
[ ١ / ٤٢٤ ]
سهلت الهمزة ياء، فصارت النبي والجمع النبيون، والكل متفقون على أن الرسل عليهم الصلاة والسلام في أعلى مراتب الخلق، وعلى أنهم أتوا بالأنباء والأخبار، فيكون القولان متفقين في المعنى، وإنما قلنا: إن الرسل وكذلك الأنبياء أعلى مراتب الخلق، لقول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩].
قوله: ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ يعني: الإسلام التام، الذي هو إسلام القلب وإسلام اللسان وإسلام الجوارح، يعني: الاستسلام لله ظاهرًا وباطنًا.
ولا تعجب أن يوصف الأنبياء بالإسلام؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أقوى الناس استسلامًا لله ﷿، قال الله ﵎ عن يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، وقال الله تعالى عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ [البقرة: ١٣١]، فإسلام الأنبياء متضمن للإيمان؛ وذلك لأنه إسلام القلب واللسان والجوارح.
قوله: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ متعلقة بـ "يحكم"، يعني: يحكم بها هؤلاء الرسل لليهود.
وقوله: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ بمعنى: رجعوا، وذلك بعد توبتهم من عبادة العجل، فإن هذا رجوع إلى الله ﷿.
قوله: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ قيل: إن الربانيين والأحبار العطف فيهما من باب عطف الصفات، وأن الربانيين هم الأحبار، وقيل: بينهما فرق، فالرباني: هو الذي أتم العبودية لله، وربى الناس عليها حتى وإن لم يصل إلى درجة الحبر بالنسبة
[ ١ / ٤٢٥ ]
للعلم، والأحبار: هم الذين وصلوا إلى غاية كبيرة من العلم، فالحبر: واسع العلم، قالوا: لأنه يتفق في الاشتقاق، مع البحر لكنه ليس بالاشتقاق التام الذي يتساوى فيه المشتق والمشتق منه في الحروف والترتيب، بل يتساوى فيه المشتق والمشتق منه في الحروف دون الترتيب؛ فحبر وبحر كل كلمة حروفها ثلاثة متفقة، وعلى هذا فيكون الحبر: هو واسع العلم أي: الذي عنده علم واسع.
والرباني: من دونه لكنه يربي الناس على عبادة الله ﷿، ويربيهم أيضًا على العلم، وقد قيل في غير هذه الآية: إن الرباني هو العالم الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره؛ لأن هذا لا شك أنه من الحكمة، وأقرب وسيلة إلى حصول العلم أن يربى الطالب بصغار العلم قبل كباره.
قوله: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ يعني: يحكمون بما استحفظوا من كتاب الله، أي: بما جُعِلوا حفَّاظًا عليه؛ لأن أول من يحفظ الدين ويقوم بحفظه والذود عنه هم العلماء الأحبار والربانيون، ولهذا قال: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ أي: بسبب ما استحفظوا من كتاب الله.
قوله: ﴿مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ والمراد بها: التوراة، لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ وأضيفت التوراة إلى الله؛ لأنه ﷾ كتبها بيده، هذا هو المشهور عند العلماء سلفًا وخلفًا.
قوله: ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ﴾ أي: على الذين استحفظوا شهداء؛ لأن العلماء يشهدون بأن هذه شريعة الله، وينشرونها بين عباد الله، فكانوا شهداء على الخلق ببلوغ الشريعة إليهم.
[ ١ / ٤٢٦ ]
قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ لا تخشوا الناس؛ أي: لا تخافوهم وتخضعوا لهم واخشوا الله، وهذا كالإشارة إلى كونهم إذا زنا فيهم الشريف تركوه وإذا زنا فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، واعلم أن الخشية والخوف بينهما فروق:
الفرق الأول: أن الخشية تكون عن علم، والخوف قد يكون عن علم وقد يكون بدون علم.
الفرق الثاني: أن الخشية تكون لعظمة المخشي، وأما الخوف فيكون لضعف الخائف، وإن لم يكن المخوف قويًّا.
الفرق الثالث: أن الخشية أكمل من الخوف، ولهذا كانت ألفاظها الخاء والشين والياء، وكلها مشتقة من الشيء القوي.
قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني: لا تستبدلوا آيات الله بالثمن القليل، فما هو الثمن القليل؟ الثمن القليل إما الجاه وإما الرتبة والشرف، وإما الرشوة فهم يحكمون بغير شريعة الله، طلبًا لبقاء شرفهم وجاههم وسيادتهم أو من أجل مال يبذل إليهم رشوة، ووصفه الله بأنه قليل لأن جميع ما في الدنيا مهما بلغ فهو قليل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء: ٧٧].
قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] أي: أيُّ إنسان لم يحكم بما أنزل الله من يهود ونصارى وغيرهم ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ "أولاء": مبتدأ، وهم: ضمير فصل، وجاء ضمير الفصل لإفادة الحصر والتوكيد؛ وقد تقدم أن ضمير الفصل له ثلاث فوائد، الأولى: إفادة الحصر، والثانية: التوكيد، والثالثة: التمييز بين الخبر والصفة، ولهذا سمي ضمير فصل،
[ ١ / ٤٢٧ ]
ويظهر ذلك بالمثال: إذا قلت: زيد الفاضل، وعبرت تعبيرًا آخر: زيد هو الفاضل، أيهما أبلغ في إثبات الفضل لزيد؟ الثاني، فقولنا: زيد هو الفاضل يعني: لا غير فيفيد الحصر والتوكيد أيضًا، ويفيد التمييز بين الخبر والصفة؛ لأنك إذا قلت: زيد الفاضل، يحتمل أن تكون الفاضل صفة لزيد، ويترقب المخاطب الخبر، زيد الفاضل ما شأنه؟ يتوقع الإنسان الخبر، فإذا قلت زيد هو الفاضل لم يحتمل أن تكون الفاضل صفة، بل تتعين أن تكون خبرًا، وهل ضمير الفصل له محل من الإعراب؟ هو حرف في صورة ضمير وليس له محل من الإعراب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ [الشعراء: ٤٠]، فقال: ﴿الْغَالِبِينَ﴾، مما يدل على أنه ليس له محل من الإعراب، لو كان له محل من الإعراب لكان الضمير مبتدأ، والغالبون: خبر، ولهذا نقول في إعراب: ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾: "الواو" اسم كان، و"الغالبين" خبرها.