الفائدة السابعة والعشرون: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: الغفور والرحيم، وإثبات ما تضمناه من صفة وما تضمناه من أثر؛ لأن الغفور يتعدى وكذلك الرحيم.
* * *
° قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ [المائدة: ٤].
قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ الفاعل هم الصحابة، والصحابة لا يسألون الرسول ﵊ إلا عن شيء ينفعهم، إما في الدين وإما في الدنيا، وأيضًا لا يسألون إلا عما هو مشكل عليهم، وقد ذكر الله تعالى في القرآن حوالي اثني عشر موضعًا من سؤال الصحابة له، فهل أجابهم الرسول؟ الآية تدل على أنه لم يجبهم، بدليل أن الله قال له: ﴿قُلْ﴾ يعني: فيه جوابهم، ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ إلى آخره.
واعلم أن السؤال تارةً يُراد به سؤال المال، وتارةً يراد به الاستفهام، فإذا أريد به سؤال المال نصب مفعولين، وإذا أريد به الاستفهام نصب مفعولًا واحدًا، ثم عُدي إلى الثاني بـ "عن"، فإذا أردت أن تسأل رجلًا درهمًا تقول: أسألك درهمًا، ومنه قول الله تعالى: "من يسألني فأعطيه" (^١) أي: من يسألني شيئًا، فالمفعول
_________________
(١) هذا اللفظ للبخاري في حديث النزول، كتاب الكسوف، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، حديث رقم (١٠٩٤).
[ ١ / ٥٥ ]
الثاني محذوف لدلالة السياق عليه، وإذا أردت أن تسأل عن ضالة ضاعت منك تقول: أسألك عن ضالتي، وتقول: سألني فلان عن المسألة الفلانية، فيتعدى كما تقدم إلى المفعول الثاني بـ "عن".
فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ [المعارج: ١]؟
الجواب: عن ذلك مختلف فيه بين العلماء:
فمن قال: إن الفعل إذا تعدى إلى مفعوله بحرف جرت العادة أنه يتعدى به، فالأمر واضح، وإن تعدى الفعل إلى مفعوله بحرف لم تجرِ العادة أنه يتعدى به فهنا اختلف النحويون: هل يُفَسَّر الحرف بما يناسب الفعل، أو يفسر الفعل بما يناسب الحرف، أي يُضمن معنى يناسب الحرف، قال الله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] يشرب بها عباد الله، والذي يناسب (يشرب) "منها"، كما قال تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩] لكن جاءت الآية يشرب بها.
فعلى القول بأن الحرف يكون بمعنى الحرف المنالسب للفعل نقول: الباء في قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾ بمعنى "من".
وعلى القول الثاني: نلتمس معنى يناسب الباء، والفعل الذي يناسب الباء هو "يروى"، فنضمن الفعل يشرب معنى يروى، وحينئذٍ يكون التقدير عينًا يروى بها عباد الله، والثاني أبلغ؛ لأن الري يستلزم الشرب ولا عكس، وحينئذٍ يكون التجوز بالفعل أقوى؛ لأنه يتضمن الفعل الذي يتعدى إلى هذا الحرف وزيادة، وهذا مذهب نحاة البصرة وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ﵀ في مقدمة التفسير.
[ ١ / ٥٦ ]
نرجع إلى الآية ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ [المعارج: ١] من قال: إن التجوز بالحرف يقول: "الباء" هنا بمعنى "عن"، ومن قال: التجوز بالفعل قال: سأل هنا ضُمنت بمعنى الجواب، أي: سأل سائل فأجيب بعذاب واقع، وهذا أصح كما تقدم.
قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ هذا سؤال علم، ﴿مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ "ذا" هنا بمعنى "الذي"، قال ابن مالك ﵀:
ومثل ماذا بعد ما استفهامِ
أي: مثل صيغ العموم الموصولة "ذا" بعد ما استفهام، أي: بعد "ما" الاستفهامية، أي: ما الذي أحل لهم، ونائب الفاعل يعود على "ما" والمحلل هو الله جلَّ وعلا.
قوله: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ أي: أحل لكم الأطعمة الطيبات، قال الله تعالى في وصف النبي - ﷺ -: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ومعنى الآيتين -والله أعلم-: أن كل ما أحله الله فهو طيب، وكل ما حرمه فهو خبيث، وليس كل خبيث يكون حرامًا بدليل أن النبي - ﷺ - وصف الثوم بأنها شجرة خبيثة ولم يحرمها (^١).
قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ يعني: وأحل لكم ما صاده ما علمتم من الجوارح، والجوارح جمع جارحة وهي الكاسرة.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأذان، باب ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث، حديث رقم (٨١٥) عن ابن عمر، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب نهي من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو نحوها، حديث رقم (٥٦٥) عن أبي سعيد.
[ ١ / ٥٧ ]
قوله: ﴿مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: معلمين لهن تعلمونهن مما علمكم الله، ويحتمل أن يكون ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ أي: جارحين، يعني: أن هذه الكواسر تجرح ما أمسكت، ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ أي: الجوارح، ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: في كيفية الصيد.
قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ كلوا، يعني: على وجه الإباحة، والأمر هنا للإباحة ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ و"أمن" هنا بيانية، والبيانية مثل أن تقول: خاتم من حديد، وليست "من" هنا تبعيضية، ومن قال بذلك قال وجه كونها تبعيضية: لأن الصيد لا يؤكل كله، فالآية خصت ما يؤكل منه، وأما ما لا يؤكل فإن شئت فقل الجلد وإن شئت فقل الريش.
وقوله: ﴿أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: "لكم"، ونقول في قوله تعالى: ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ما تقدم، أي: مما أمسكن مضمومًا إليكم، أو ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: محملًا عليكم أو ما أشبه ذلك، هذا على القول بتضمين الفعل، وأما على القول بأن المجاز بالحرف تكون "على" بمعنى "اللام"، أي: مما أمسكن لكم.
قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ اذكروا اسم الله عليه عند الأكل أو عند إرسال الجارحة، والسنة دلت على أنه يسمي إذا أرسل الجارحة (^١)، والقرآن دل على أنه يسمي إذا أمسكه وكذلك إذا أراد أن يأكل فإنه يسمي، فتكون التسمية على الأكل، والتسمية على الإرسال.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب ما جاء في التصيد، حديث رقم (٥١٦٩)، ومسلم، كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، باب الصيد بالكلاب المعلمة، حديث رقم (١٩٢٩) عن عدي بن حاتم.
[ ١ / ٥٨ ]
قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ "اتقوا" أي: اتخذوا وقاية من عذابه؛ وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ هذه جملة خبرية مؤكدة بـ ﴿إِنَّ﴾ والغرض منها التخويف من اجتناب التقوى، وأن من لم يتقِ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: إن الله تعالى سيحاسبكم على أعمالكم، وقوله: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يتضمن سرعة التنفيذ من وجه، وسرعة الوقت من وجه آخر، أما سرعة الوقت فما أسرع الدنيا تمضي سريعًا وإذا بالإنسان قد انتهى، وأما سرعة التنفيذ فإن الله تعالى يحاسب الخلائق يوم القيامة على كثرتهم يحاسبهم في نصف يوم (^١)، لقول الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤].
فوائد الآية الكريمة:
الفائدة الأولى: حرص الصحابة ﵃ على العلم لقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾، ومن هنا نعرف أن ما لم يسأل الصحابة عنه مما يرد السؤال عنه في عصرنا من أمور الغيب فالسؤال عنه بدعة؛ لأننا نعلم أنه لو كان هناك خير في العلم به لألهم الله الصحابة أن يسألوا عنه حتى يتبين الأمر.
الفائدة الثانية: أن الإحلال والتحريم ليس إلى العباد، بل هو إلى الله ﷿، وقد حذرنا الله ﷿ من أن نحلل أو نحرم بأهوائنا فقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦].
_________________
(١) رواه ابن المبارك في الزهد (ص ٤٦٣)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٣٢)، والطبري في تفسيره (١٩/ ٥) عن الأعمش عن إبراهيم النخعي.
[ ١ / ٥٩ ]
الفائدة الثالثة: أن رسول الله - ﷺ - لا يستقل بالتحليل أو التحريم، وجه ذلك: أن الرسول لم يجبهم ولكن الله تعالى أجابهم، وقد صرح النبي - ﷺ - بذلك حيث قال للصحابة: "من كل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مساجدنا، فذهب الصحابة يقولون: حرمت حرمت، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فقال لهم: إنه ليس لي تحريم ما أحل الله، ولكنني كره ريحها" (^١).
الفائدة الرابعة والخامسة: أن كل ما أحله الله تعالى فهو طيب، نافع للبدن ونافع للقلب ونافع للفرد ونافع للمجتمع، لقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ وأيضًا نأخذ من المفهوم أن كل ما حرمه الله فهو خبيث.
الفائدة السادسة: إحلال ما اقتنصته الجوارح، فما هي الجوارح، وهل كل جارح يمكن أن يؤكل ما صاده؟ نقول: نعم، كل جارح، لكن بشرط أن يكون معلمًا، وأكثر ما يقبل التعليم الكلاب، وهي للزواحف، ثم الصقور وهي للطائر، فإذا كان من الكلاب فلا بد أن يسترسل إذا أرسل، وينزجر إذا زجر، وإذا أمسك لم يأكل، هذه ثلاثة شروط: يسترسل إذا أرسل، يعني إذا رأيت الصيد وأرسلته استرسل، وكذلك ينزجر إذا زجر، يعني: إذا زجرته ليقف وقف؛ لأنه لو تجاوز وأنت أمرته أن يقف فمعناه أنه صاد لنفسه. الثالث: إذا أمسك لم يأكل، فإن أكل فهو دليل على أنه إنما أمسك على نفسه، والله أعلم.
الفائدة السابعة: أن من الحيوان ما يقبل التعليم، لقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾.
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب نهي من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو نحوها، حديث رقم (٥٦٥) عن أبي سعيد.
[ ١ / ٦٠ ]
الفائدة الثامنة: فضيلة العلم؛ لأن الله تعالى فرق بين صيد ما ليس بمعلم وما كان معلمًا، فأحل الثاني ولم يحل الأول، وهذا يدل على فضل التعليم حتى في الحيوانات.
الفائدة التاسعة: وجوب ذكر اسم الله تعالى عند إرسال الجارحة، لقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وهذا على أحد الاحتمالات في الآية؛ لأن هناك احتمالًا آخر، وهو: أن المعنى ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ عند أكله، ومعنى ثالث: وهو اذكروا اسم الله عليه إذا أدركتموه حيًّا قبل أن يقتله الجارح، وكل هذه محتملة في الآية فتحمل عليها جميعًا.
الفائدة العاشرة: بركة ذكر اسم الله، وشواهد هذا كثيرة منها: حل الذبيحة، وحل الصيد، وتمام الطهارة في الوضوء، وأن البركة تنزل في الطعام، وأن الحمل يوقى إساءة الجن والشياطين، المهم أن بركة اسم الله تعالى كثيرة ولها شمواهد كثيرة.
الفائدة الحادية عشرة: أن ظاهر الآية إباحة ما صاده الجارح سواء جرح أم لم يجرح، وهذا مبني على أن المراد بالجوارح الكواسر، أما إذا قلنا: إن الجوارح جمع جارح وهو الذي يجرح الشيء فحينئذٍ لا بد من أن يُنهِر الدم، ويتبين ذلك بالمثال:
فلو جاء الكلب بالصيد مخنوقًا ليس فيه أي جرح ولم يخرج منه أي دم فهل يباح أو لا؟
الجواب: إن قلنا: إن المراد بالجوارح الكواسر فهو مباح، وإذا قلنا: إن المراد بالجوارح الجارحات اللاتي يجرحن الجلد
[ ١ / ٦١ ]
ويخرج منه الدم فإنه لا يباح، والمسألة فيها خلاف بين العلماء:
منهم من يقول: إنه يشترط أن يجرح الكلب فإن لم يجرح فلا يحل، واستدل هؤلاء بعموم قوله - ﷺ -: "مما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل" (^١).
ومنهم من قال: إن الجوارح هن الكواسر، وأن كل ما أمسكته على صاحبهن فإنه حلال سواء جرح أم لم يجرح، ولا شك أن الاحتياط تركه، لكن التحريم فيه نظر، يعني: الاحتياط إذا جاء لك الكلب بصيد لم يُجرح أن تتركه، ولكن كوننا نجزم بالتحريم لا نجزم به لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾.
الفائدة الثانية عشرة: قطع ما يوجب الإعجاب بالنفس؛ لأن قوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ فيه إسناد التعليم إلى البشر، فقد يزهى الإنسان بنفسه ويغتر ويعجب فلهذا قال الله ﷿: ﴿مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ إشارة إلى أن علمك الذي تعلمه إياهن مصدره من عند الله ﷿.
الفائدة الثالثة عشرة: أن العلم لا يختص بالعلوم الشرعية، بل علم كل شيء بحسبه، فالعلم هنا ليس هو العلم بالأحكام الشرعية وأن هذا واجب وهذا حرام وما أشبه ذلك، لكنه علم يختص بتعليم الجوارح كيف يصدن، فيكون في هذا دليل على أن العلم يختص بما يقتضيه السياق، وكل شيء بحسبه.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب التسمية على الذبيحة ومن ترك متعمدًا، حديث رقم (٥١٧٩)، ومسلم، كتاب الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن والظفر وسائر العظام، حديث رقم (١٩٦٨) عن رافع بن خديج.
[ ١ / ٦٢ ]
الفائدة الرابعة عشرة: سعة رحمة الله ﷿، حيث أباح لنا ما ذكيناه بأيدينا وما ذكيناه بواسطة، أي: واسطة الجوارح، وهذا لا شك أنه من توسيع الله لنا في الرزق.
الفائدة الخامسة عشرة: أن المشقة تجلب التيسير؛ لأنه لما كان يشق على الإنسان أن يصطاد الصيد بنفسه في كل وقت وحين لأن المصيد ربما يكون مثلًا في جبال أو في سهول أو في أودية ولا يستطيع أن يصيده بنفسه رخص له أن يصيد بجارحة، وهذا من توسعة الله ﷿ على عباده في أسباب الرزق.
الفائدة السادسة عشرة: وجوب ذكر اسم الله تعالى، ومنه ذكر اسم الله عند إرسال الصيد، فإن نسي فإنها لا تحل، لعموم قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]؛ ولأن النبي - ﷺ - جعل ذكر اسم الله شرطًا، والشرط لا يسقط بالسهو، وهذا هو القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو مقتضى الأدلة.
وقال بعض العلماء: إنها -أي: التسمية- تسقط بالسهو، لعموم قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فقال الله ﷿: قد فعلت (^١)، لكننا نقول: إن هذا الذي لم يذكر اسم الله على الذبيحة أو على الصيد إذا نسي فهو معذور ولا يؤاخذ، ولو تعمد ترك التسمية وذبح أو صاد كان بذلك آثمًا؛ لأن فيه إضاعة مال، وفيه نوع من الاستهزاء بآيات الله، لكن النظر الآن ليس في الذابح أو الصائد، النظر
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه ﷾ لم يكلف إلا ما يطاق، حديث رقم (١٢٦) عن ابن عباس ﵄.
[ ١ / ٦٣ ]
الآن في الآكل، نقول: لمن أراد أن يأكل من هذا الصيد الذي لم يذكر اسم الله عليه: هذا الصيد لم يذكر اسم الله عليه، وقد نهيت أن تأكل منه فإن أكل ناسيًا فلا شيء عليه؛ لأن المسألة هنا لها جهتان، جهة الصائد أو الذابح وجهة الآكل، وكلاهما لا يؤاخذ بالنسيان، لكن إذا كان الذابح أو الصائد ناسيًا فإنه لا يؤاخذ ثم يتوجه المنع إلى الآكل، ويقال له: لا تأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، وزعم من زعم أن المراد بما لم يذكر اسم الله عليه الميتة زعم خاطئ؛ لأن الله تعالى ذكر تحريم الميتة صريحًا، فقال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ولو أراد الله تعالى ذلك لقال: ولا تأكلوا الميتة، وعلى هذا فما اختاره شيخ الإسلام ﵀ هو الحق.
لكن ذكر ابن جرير في تفسيره أن الإجماع منعقد على أن متروك التسمية نسيانًا حلال، وتعقبه ابن كثير ﵀، وقال: إن ابن جرير ممن لا يعتد بقول الواحد والاثنين في نقض الإجماع، وهو خلاف ما عليه العلماء، والصواب أن الإجماع لا بد أن لا يوجد له مخالف حتى ينعقد، فان وجد مخالف ولو واحدًا من الفقهاء المجتهدين فلا إجماع.
الفائدة السابعة عشرة: وجوب تقوى الله ﷿ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
الفائدة الثامنة عشرة: الإشارة إلى أن من أكل ما لم يحلله الله فهو غير متقي لله.
الفائدة التاسعة عشرة والعشرون: أن الله تعالى سريع الحساب، ومن ذلك ما ذكرناه في التفسير أن المراد بذلك سرعة
[ ١ / ٦٤ ]