الفائدة الخامسة: تعظيم الصلاة حيث ينادى لها، وحتى يعلم الناس دخول وقتها؛ فيصلوا ويحضروا إن كانوا ممن يجب عليهم الحضور للجماعة.
الفائدة السادسة: أن القيام بالصلاة دليل على كمال العقل وأن من لم يهتم بها فإن ذلك دليل على نقص عقله، لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فتكون إقامة الصلاة من تمام العقول والتهاون بها من نقص العقول، كما أنه نقص في الدين.
* * *
° قال الله ﷿: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾ [المائدة: ٥٩].
قوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ الخطاب هنا للرسول ﵊، يعني: قل لهم، ناظرهم، جادلهم، ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ المراد بهم: اليهود والنصارى هَل تَنقِمُونَ هل هنا: استفهامية، والمراد بها: النفي؛ لأننا ذكرنا أنه إذا جاء الاستثناء بعد الاستفهام فهو دليل على أن الاستفهام للنفي، ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ﴾ أي: ما تنقمون منا إلا كذا، وهو نظير قوله تعالى في أصحاب الأخدود: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ [البروج: ٨].
قوله: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ بماذا تعيبونا، بأي شيء إلا بهذا، وهل هذا عيب، الإيمان بالله وبما أنزل إلينا وما أنزل من قبل هل هو عيب أم ليس بعيب؟ الجواب: ليس بعيب.
[ ٢ / ٧٦ ]
فكأنه قال: أنتم لا تعيبون علينا شيئًا، هو عيب بل تعيبون علينا شيئًا هو كمال وهو الإيمان بالله وبما أنزل إلينا، ومثل هذا الأسلوب يسميه علماء البلاغة: تأكيد المدح بما يشبه الذم، وله صورتان:
الصورة الأولى: نفي وإثبات، تنفى صفة الذم ويؤتى بعدها بصفة مدح مثبتة، أولًا: تنفى صفة العيب، ثم يؤتى بعدها بصفة كمال فهذا يسمى تأكيد المدح بما يشبه الذم، قال الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أن نزيلهم يعاب بنسيان الأحبة والوطن
لا عيب فيهم غير أن نزيلهم الذي ينزل عليهم، يعاب بنسيان الأحبة والوطن، فإذا نزل عليهم ضيف فإنَّه ينسى كل شيء لإكرامهم الضيف واحتفائهم به، يعني: أن فيهم تسلية عن الأحبة والوطن هذا مدح، لكن أول ما تسمع "ولا عيب فيهم غير أن"، تترقب الذم، وكذلك قول الشاعر:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
الأول: يمدحهم بالكرم، والثاني: يمدحهم بالشجاعة، فيقول: لا عيب فيهم غير أن سيوفهم، يعني: ليس فيهم أي جبن، وليس فيهم عيب إلا أن سيوفهم قد تثلمت من قرع الكتائب لشجاعتهم، هذا نوع وصورة من صور تأكيد المدح بما يشبه الذم.
الصورة الثانية: أن يؤتى بصفة مدح، ويستثنى بعدها صفة ذم، بأداة استثناء تقول: هذا الرجل عالم إلا أنه شجاع، هذا مدح عالم، إلا أنه ماذا يتوقع؟ صفة ذم، فهذا به يقال: إلا أنه شجاع، تقول: فلان طالب علم غير أنه مجتهد، هذا أيضًا من تأكيد المدح بما يشبه الذم، ومثاله أيضًا: الآية التي معنا.
[ ٢ / ٧٧ ]
لننظر الآية: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ هذا مدح.
إذًاا لخطاب لهؤلاء نقول لهم: إنكم لا تنقمون منا شيئًا إلا هذا، وهذا ليس مما يقتضي أن تنقموا منا.
قوله: ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ "ما أنزل إلينا" هو: القرآن ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ هو: التوراة والإنجيل وصحف إبراهيم والزبور وغير ذلك، نحن نؤمن بكل كتاب أنزله الله على كل رسول، هل هذا يُنْقم من الإنسان؟ لا، لا يمكن أن يُنْقم، لكن هؤلاء ننقم منهم أنهم لم يؤمنوا بما أنزل إلينا، بل نقول: لم يؤمنوا بما أنزل إليهم أيضًا؛ لأن أهل الكتاب الآن لا يؤمنون بما أنزل إلينا، وحقيقةً أنهم لا يؤمنون بما أنزل إليهم؛ لأنهم لو آمنوا بما أنزل إليهم لآمنوا بما أنزل إلينا، إذ إن ما أنزل ألينا مصدق لما أنزل إليهم، لكن هم يكذبون هذا وهذا.
قوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ هذه الجملة هل هي معطوفة على قوله: ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا﴾، أو معطوفة على لفظ الجلالة؟ فيها وجهان: لكن الصواب الذي قد يكون متعينًا أنها معطوفة على قوله: "بالله"، يعني: إلا أن آمنا بأن أكثركم فاسقون، أي: خارجون عن طاعة الله بالكفر.
قد يقول قائل: إذا حملتها على هذا المعنى فهم ينقمون؛ لأنهم لا يريدون أن أكثرهم فاسقون، فينقمون منا أن نؤمن بأن أكثرهم فاسقون، فيقال: هذا لا نستحق أن ينقموا منا به؛ لأننا لم نقل: وأنكم فاسقون، بل نقول: وأن أكثركم فاسقون وهذا هو العدل؛ لأن منهم من كان مؤمنًا وآمن فعلًا، مثل: النجاشي من النصارى وعبد الله بن سلام من اليهود، لكن أكثرهم فاسقون، فهذا
[ ٢ / ٧٨ ]
عدل، كأنه قال: ما تنقمون منا إلا أن قمنا بما يجب لله وما يجب لعباد الله، الذي يجب لله الإيمان به وبما أنزل، وما يجب لعباد الله العدل، أن نعطي كل إنسان ما يستحق، فمعظم هؤلاء فاسقون بلا شك، ونحن نؤمن بهذا ونؤمن بأن من اليهود من آمن وحسن إيمانه، ومن النصارى من آمن وحسن إيمانه، وهذا هو العدل، لم نحكم على الأمة بفعل أكثرهم بل أعطينا كل إنسان ما يستحق.