لقاء الله ﷿ وذلك بالموت، وسرعة فصل الله بين العباد وذلك يوم القيامة، فإن الله يفصل بين الناس ويحاسبهم في نصف يوم، بدليل قوله الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤].
فإن قال قائل: سرعة الحساب من صفات الله الذاتية أو الفعلية؟
قلنا: هي من الفعلية؛ لأن المحاسبة فعل يتعلق بمشيئته، وعلى هذا فيكون فيه إثبات الصفات الفعلية لله ﷿.
الفائدة الحادية والعشرون: إثبات الحساب، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
* * *
° قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥].
قوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ﴿الْيَوْمَ﴾، يحتمل المراد بذلك ما قبل اليوم ما سوى الزمن الماضي، أو اليوم الحاضر الذي هو اليوم المعين.
وقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ من أحلها؟ أحلها الله ﷿، فحذف الفاعل للعلم به، كما في قوله: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] فالخالق هو الله ﷿ وهو معلوم، والمحلل والمحرم هو الله وهو معلوم، ولذلك حذف الفاعل في الخلق وهو
[ ١ / ٦٥ ]
أمر كوني، وفي الشرع وهو في الحلال والحرام، وعلى هذا فمن كان معلومًا بالتحليل أو التحريم أو الإيجاد أو الإعدام فلا حرج أن يحذف ويبنى الفعل لما لم يسمَّ فاعله.
قوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ﴾ أي: أحل الله الطَّيِّبَاتِ، والطيبات هي ضد الخبائث، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ [المائدة: ١٠٠] فما هو ميزان الطيب، أهو في ذوق كل إنسان أم في عادات الناس، أما ماذا؟ نقول: المرجع في ذلك إلى ما جاءت به الشريعة، فما أحلته الشريعة فهو طيب، وما حرمته فهو خبيث.
فإن قال قائل: ما هو الأصل في الأطعمة؟
الجواب: الحل، والدليل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] إذًا الأصل الحل، فإذا ادعى مدعٍ أن هذا الشيء حرام من طير أو زاحف أو غيرهما قلنا له: ما الدليل على ذلك؟ فما أحله الله فهو طيب بلا شك.
قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ طعام الذين أوتوا الكتاب يعني: اليهود والنصارى، وليس المراد كل ما يطعموه من حب وثمر، بل المراد كل ما يطعمون من لحم، ثم أيضًا: ليس المراد كل ما يطعمون من لحم إذا كان لا تشترط له الذكاة؛ لأن ما لا تشترط له الذكاة حلال بدون فعلهم، والحبوب والثمار حلال بدون فعلهم، فليس من طعامهم الخاص، ولا يمكن أن يقول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ والمراد به هذا الطعام الذي لكل أحد.
فلو كان أهل الكتاب لا يأكلون إلا الشعير، فهل حِل الشعير لنا مأخوذ من هذه الآية؟
[ ١ / ٦٦ ]
الجواب: لا؛ لأن هذا ليس من خصائصهم ولم يكن إحلاله متوقفًا على فعلهم، بل الذي يتوقف إحلاله على فعلهم هي الذبائح، ولهذا فسر ابن عباس ﵄ طعامهم بذبائحهم، وعليه فيكون المراد بطعام الذين أوتوا الكتاب هي ذبائحهم، أي: ذبائح اليهود والنصارى.
وظاهر الآية الكريمة: أنه لا فرق بين أن يكونوا قد بدلوا وحرفوا أم التزموا بشرائعهم للعموم، ولأن هذه الآية في نفس السورة التي حكى الله عنهم أنهم يقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣].
وقوله: ﴿وَطَعَامُكُمْ﴾ أي: ما ذبحتموه، ﴿حِلٌّ لَهُمْ﴾ الأطعمة قسمان: طعام لا يتوقف حله على فعل آدمي، فهذا حل للجميع، كمن وجد سمكة ميتة على شاطئ البحر فهي حلال وليأكلها، وهي حلال سواء كانت طعام أهل كتاب أم طعام غيرهم.
وطعام يشترط لحله فعل فاعل، وهذا حرام من غير أهل الكتاب وهو الحيوان الذي يحتاج إلى ذكاة أي: يتوقف على ذبح الإنسان، فإن ذبحناه فهو حلال لهم، وإن ذبحوه فهو حلال لنا.
قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ المحصنات فيها قراءتان: "المحصِنات" بكسر الصاد على أنها اسم فاعل، وبفتحها على أنها اسم مفعول، يعني: وأحل لكم المحصنات، فعليه تكون معطوفة على قوله: ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾.
قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ المحصنات من المؤمنات هن الحرائر، حلال لنا، ويحتمل أن يراد بذلك العفيفات، فأما الأول فيؤيده قول الله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ
[ ١ / ٦٧ ]
يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] فإن المراد بالمحصنات هنا الحرائر بلا إشكال، وأما الثاني وهو أن المراد بذلك العفائف أو العفيفات فيؤيده قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤] فالمراد بهن هنا العفيفات عن الزنا.
ولكن الذي يبدو أن المراد بالمحصنات هنا الحرائر، والآية محتملة، ليس فيها ما يدل على هذا ولا على ذاك، قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ يعني: الحرائر، وأما المملوكات فلا يحل للإنسان أن يتزوجهن إلا بشروط سبقت في سورة النساء.
وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ المحصنات الحرائر، أو العفيفات على الخلاف ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ لكن بشرط ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ اشترط الله تعالى لحل المحصنات من المؤمنات ومن الذين أوتوا الكتاب إيتاء الأجور، وهي المهور التي تبذل عوضًا عن الاستمتاع بالمرأة، ولهذا سماه الله تعالى أجرًا؛ لأن الأجر ما يؤخذ في مقابلة عوض.
قوله: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أي: أعطيتموهن، ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ أي: أجور هؤلاء المحصنات وهي المهور.
قوله: ﴿مُحْصِنِينَ﴾ حال من الواو في قوله: ﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ يعني: حال كونكم محصنين، أي: طالبين الإحصان، أي: إحصان فرج المرأة وفرج الرجل؛ لأن الزواج يحصل به إحصان فرج الزوج والزوجة.
[ ١ / ٦٨ ]
قوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: غير معلنين بالزنا.
قوله: ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ أي: مختفين بالزنا، وعلى هذا فيكون الوطء ثلاثة أقسام:
الأول: ما كان حلالًا بالصداق.
والئاني: ما كان علنًا بالعهر والفجور.
والئاك: ما كان خفيًّا بالعهر والفجور.
والذي يحل الأول وهو الذي يتزوجها محصنًا غير مسافح ولا متخذ أخدان.
وقوله: ﴿أَخْدَانٍ﴾ أي: أصدقاء، والخدن يطلق على الصديق من رجل أو امرأة، ولهذا قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَا مُتَّخِذِات أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥] وفي هذه الآية قال: ﴿وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ فدل ذلك على أن الخدن يكون في الرجال ويكون في النساء.
قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ هل الإيمان شيء يكفر به ولا يكفر به، أو الإيمان ضد الكفر؟ الإيمان ضد الكفر، لكن المراد بالإيمان هنا أي: بمقتضيات الإيمان من التزام الشريعة؛ لأن الله تعالى ذكر هنا محللات ومحرمات، فمن أخذ بها وقام بها فهو مؤمن، ومن لم يأخذ بها فليس بمؤمن.
إذًا: قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾ أي: بما يقتضيه الإيمان من الالتزام بأحكام الإسلام ﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ أي: بطل، وتلف، وذهب.
و"عمل": مفرد مضاف فيشمل كل الأعمال؛ لأن الردة تحبط الأعمال، إلا أنه يشترط أن يموت الإنسان على ردته -والعياذ بالله- لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ
[ ١ / ٦٩ ]
فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧].
قوله: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ذكر الله تعالى أنه خاسر في الآخرة؛ لأن ظهور خسرانه في ذلك الوقت، وإلا فهو في الحقيقة خاسر في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ١٥] وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٦٩].