الفائدة الخامسة: أن الفسق يراد به الكفر وهذا واضح، حتى في القرآن في غير هذه الآية ما يدل على أن الفسق يراد به الكفر، ويراد به الخروج عن الطاعة فيما دون الكفر، فقوله ﵎ في سورة السجدة: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨] فالمراد بالفسق هنا: الكفر، لقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ٢٠] والذي يكذب بالنار فسقه كفر لتكذيبه خبر الله ﷿، والفسق الذي لا يخرج من الملة مثل قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].
إذًا المراد بقوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ المراد: فسق الكفر لأنهم كذبوا محمدًا - ﷺ -.
* * *
° قال الله ﷿: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾ [المائدة: ٦٠].
قوله: ﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمَّد، ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ يا أهل الكتاب أي: أخبركم بالأمر العظيم؛ لأن النبأ إنما يراد به الشيء الهام العظيم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧)﴾ [ص: ٦٧] وقال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾ [النبأ: ١ - ٢]، بخلاف الخبر، الخبر: قد يكون في أمور تافهة، لكن النبأ لا يكون إلا في أمور هامة، ولعل ذلك والله أعلم؛ لأن أحد اشتقاقاته من النَّبْوَة، والنبوة: بمعنى الارتفاع.
[ ٢ / ٨٠ ]
قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ المشار إليه صلاة المسلمين التي اتخذها هؤلاء هزوًا ولعبًا، وقالوا: ما هذا العمل، ما هذا اللعب؟ يستهزئون، ومعلوم أن الاستهزاء بالعمل يستلزم الاستهزاء بالعامل، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ ﴿مَثُوبَةً﴾ أي: عاقبة وهي منصوبة على التمييز؛ لأنها مفسرة لما انبهم من التفضيل في قوله: ﴿بِشَرٍّ﴾؛ لأن أصل شر: أشر فهو اسم تفضيل، والاسم المنصوب بعد اسم التفضيل المفسر يسمى عندهم، تمييزًا، مثل أن تقول: محمَّد أكثر منك علمًا، فـ (علمًا) هنا تمييز؛ لأنه مفسر للمبهم من اسم التفضيل.
إذًا: مثوبة: نعربها على أنها تمييز، والمثوبة بمعني: العاقبة؛ لأنها من ثاب يثوب إذا رجع، فهي بمعنى: العاقبة والمآل عند الله، وهذا هو المهم، المهم المنزلة عند الله ﷿ لا عند الخلق، إذا كانت منزلتك عالية عند الله وخير فهذا هو المهم وهذا هو المطلوب، واعلم أنه متى كنت في منزلة عالية عند الله؛ فسوف تكون في منزلة عالية عند الخلق، والعكس بالعكس، ولهذا جاء في الحديث: "من التمس رضي الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله؛ سخط الله عليه وأسخط عليه الناس" (^١).
قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ "من" هذه اسم موصول وهي خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: هو من لعنه الله، هذا شر المثوبة عند الله من حصلت عليه هذه النكبات العظيمة، ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: طرده وأبعده
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب الزهد، باب حفظ اللسان، حديث رقم (٢٤١٤)، وابن حبان (١/ ٥١٠) (٢٧٦) عن عائشة.
[ ٢ / ٨١ ]
عن رحمته، وهم: اليهود والنصارى، ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨] وقال النبي - ﷺ -: "لعنة الله على اليهود والنصارى" (^١)، فهم ملعونون مطرودون من رحمة الله كما لعن إبليس، لكن هم يرجى أن يؤمنوا، أما إبليس فلن يؤمن، هذا هو الفرق وإلا فهم ملعونون مطرودون من رحمة الله ﷿.
الثاني: ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ غضب الرب ﷿ أشد من لعنته؛ لأن الطرد والإبعاد عن الرحمة قد يصحبه غضب وقد لا يصحبه، فقد يكون المقصود حرمان هذا الإنسان من الجنة وإن لم يكن غضبًا، فالغضب أشد، ويدل على أن الغضب أشد قوله ﵎ في آيات اللعان، واللعان سببه: أن الرجل يرمي زوجته بالزنا، ومن المعلوم أنه لا يمكن لأحد أن يرمي زوجته بالزنا إلا وهو صادق؛ لأن هذا يدنس فراشه، ومن ثم صارت الشهادات قائمة مقام الشهود، لكن غير الزوج لو رمى امرأة بالزنا، قلنا: إما أن تقيم أربعة شهود وإلا حد في ظهرك، أما الزوج فلا يحتاج أن نقول له هذا، نقول له: إذا لم تقر الزوجة فلاعن، فيؤتى بالرجل ويقول: أشهد أربع مرات أن الزوجة هذه قد زنت؛ فيقول: أشهد، وفي الخامسة يقول: وأن لعنة الله عليه، والضمير هنا يجب أن يكون ضمير متكلم عندما يتكلم به الزوج،
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، حديث رقم (١٣٢٦٧)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها ، حديث رقم (٥٣١) عن ابن عباس وعائشة.
[ ٢ / ٨٢ ]
لكن هذا من باب تحاشي الإضافة إلى ضمير المتكلم؛ لأن اللعنة ليست على المتكلم، اللعنة على الزوج.
ولهذا يقول هو: عليَّ، فيشهد خمس مرات أن زوجته زنت، وفي الخامسة يقول: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وهي تشهد في رد كلام الزوج أربع مرات أنه كاذب، وفي الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ومعلوم أن كذبها -أي: الزوجة- أشد من كذب الزوج؛ لأن الزوج أقرب منها إلى الصدق، وهي ربما تفعل هذا يعني: تشهد على أنه كاذب لدرء السمعة السيئة عنها وعن قومها، لكن الزوج لا يمكن أن يراعي هذا، ولهذا كان الغضب في جانبها، واللعنة في جانب الزوج، وبه عرفنا أن الغضب أشد من اللعنة.
قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ إذًا اليهود: مغضوب عليهم؛ لأنهم علموا الحق ولم يعملوا به، وأما النصارى: فالآية هذه تدل على أن النصارى مغضوب عليهم؛ لأن الخطاب مع أهل الكتاب، ولا شك أن النصارى بعد تكذيبهم لرسول الله - ﷺ - مغضوب عليهم، ولا فرق بينهم وبين اليهود، بل هم أخبث من اليهود بالنسبة للمسلمين، والحروب الصليبية إذا قرأها الإنسان عرف شدة عداوة النصارى للمسلمين، وهم الآن ردء لليهود في وقتنا الحاضر، يناصرون اليهود ويدافعون عنهم ولا تفتيش على أسحلتهم ولا إنكار على فعائلهم، وهذا شيء لا يخفى على العميان فضلًا عن المبصرين.
إذَا قوله: ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ ينطبق في هذه الآية على اليهود والنصارى؛ لأن اليهود بعد بعثة الرسول - ﷺ - علموا الحق،
[ ٢ / ٨٣ ]
والنصارى بعد بعثة الرسول علموا الحق وأنكروه؛ فيكونون جميعًا تحت هذه المظلة، مظلة الغضب.
قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ وسبب جعلهم قردة: هو أنهم تحيلوا على صيد الحيتان المحرم عليهم صيدها في يوم السبت، ليلتقطوها يوم الأحد.
يقول العلماء: يضعون شُبَّاكًا في يوم الجمعة، ويوم السبت سبحان الله ابتلاهم الله ﷿ بأن تأتي الحيتان شرعًا على الماء طافح من كثرتها لكن لا يجوز لهم أن يصطادوا؛ لأنه محرم عليهم، فكأنهم عجزوا عن تحمل هذا الحكم، فتحيلوا، فوضعوا الشِّبَاك يوم الجمعة، فتأتي الحيتان يوم السبت وفيها الشبك، فإذا كان يوم الأحد أخذوها، فالفعل ظاهره الإباحة؛ لأنهم لم يصطادوا يوم السبت، اصطادوا يوم الأحد، فلما كانت هذه الفعلة المحرمة شبيهةً بالحلال، مسخهم الله ﷿ قردة لأن القرد شبيه بالإنسان، انظر الجزاء من جنس العمل؛ صاروا قردة، هل هم صاروا قردة معنى أو حسًّا؟ صاروا قردة حسًّا، هذا الذي عليه جمهور المفسرين، وهو ظاهر القرآن، وإن كان بعض المعاصرين ذهب إلى أنهم كانوا قردة معنىً، أي: صاروا مثل القرود ليس عندهم أفكار بني آدم ولا عقول بني آدم، لكن يقال: الأصل هو الحقيقة. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: ٤١] الذي خلق الإنسان على هذا الوصف؛ قادر على أن يقلبه على وصف آخر، ولهذا قال: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] فصاروا قردة، لكن هل بقوا؟
الجواب: لا؛ لأن المقصود من كونهم قردة أن يكونوا عبرة ونكالًا، ولا يلزم من هذا أن تتسلسل الذرية، ولذلك قال أهل
[ ٢ / ٨٤ ]
العلم: إنه لا نسل لمن مسخوا حيوانًا من أجل العقوبة، فمن مات منهم لا يخلف أحدًا.
لو قال قائل: هل في القرآن أن بني إسرائيل صاروا خنازير؟
الجواب: نعم، نقول هذه الآية قال الله تعالى فيها: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾، أما أن نعلم كيف كانوا أو بأي سبب، هذا ليس بلازم، فإذا حكى الله عنهم أنهم صاروا خنازير فقد صاروا خنازير، ولعلها والله أعلم، ولا نقول على الله ما لا نعلم: لعل هؤلاء الذي قلبوا خنازير لعل حيلهم كانت على الزنا؛ لأن المعروف أن الخنازير ليس عندها غيرة إطلاقًا، الحيوان غير الخنزير يغار فلا أحد يأتي أنثاه إلا إذا كان غائبًا، لكن الخنزير ينزل من أنثاه ويقول لصاحبه: اصعد، يقولون: ليس عنده غيرة، ولذلك من حكمة الله ﷿ أن حرم الخنزير؛ لأنه ليس عنده غيرة، فعلى كل حال إن صح هذا فالله أعلم، ولا ندري.
المهم على أن نؤمن بأن الله جعل من أهل الكتاب قردة وخنازير.
قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ الآية فيها إشكال من جهة التركيب، في قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ﴾ فقوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ﴾ جاء بضمير الجمع ﴿مِنْهُمُ﴾ مع أنه قال في أول الآية: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ بالإفراد.
الجواب: (مَنْ) اسم موصول يجوز في ضميرها أن يرد على اللفظ وعلى المعنى.
قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾: فيها قراءتان:
[ ٢ / ٨٥ ]
الأولى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾، على أن (عَبَدَ): فعل ماض، فيها ضمير مستتر يعود على (مَنْ) في قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ والطاغوتَ: مفعول به يعني عبد عبادة الطاغوت، وعلى هذا فتكون معطوفة على صلة الموصول، وهو قوله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾.
والقراءة الثانية: ﴿وعَبُدَ الطاغوتِ﴾، لكن يكون على هذه القراءة الطاغوت بالجر، على أن عَبُدَ: اسم مفرد، كما يقال: السبَع والسبُع، فيقال: العَبْدُ، والعَبُدُ فهما لغتان، وعلى هذه القراءة نقول: عبُد الطاغوتِ، وتكون معطوفة على القردة، يعني: وجعل منهم عبد الطاغوت، وأهل الكتاب عبدوا الطاغوت باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، فإن الله قال عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: ٣١] قال عدي بن حاتم ﵁ للنبي - ﷺ -: يا رسول الله لسنا تعبدهم؛ فَبَيَّنَ أن طاعتهم في معصية الله هي عبادتهم (^١).
وقوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ أي: عبده عبادة بركوع وسجود وطاعة فيما يأمر، والمراد بالطاغوت ما ذكره ابن القيم ﵀ بتعريف من أجمع التعاريف قال: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فكل إنسان يتجاوز الحد في عبادة أحد غير الله فهذا المعبود طاغوت، وكل إنسان يتجاوز الحد في اتباع
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة، حديث رقم (٣٠٩٥) عن عدي بن حاتم.
[ ٢ / ٨٦ ]
غير شريعة الله فقد اتخذه طاغوتًا، وكل إنسان يتجاوز حده في طاعة سلطان أو أمير فقد اتخذه طاغوتًا، وقلنا في التعريف: ما تجاوز به العبد حده؛ لأن أصل الطاغوت من الطغيان.
فإن قال قائل: هذا المعبود كيف نسميه طاغوتًا، هذا المتبوع كيف نسميه طاغوتًا، هذا المطاع كيف نسميه طاغوتًا؟
قلنا: الطاغوت هنا بمعنى: الطغيان، والطغيان ليس وصفًا للمفعول؛ ولكنه وصف للفاعل العابد الذي عبد غير الله أو أطاع غير الله في معصية الله ﷿، أو اتبع غير رسول الله - ﷺ - في معصية الله ﷿.
قوله: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ الجملة هذه من أحسن ما يكون في تقرير أن هؤلاء شر من المسلمين في المكان، ولهذا لم تأتِ جوابًا من الرسول بل جاءت جوابًا من الله ﷿، أول الآية ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ يقول القائل: نعم نبئنا، فذكر الأوصاف، لكن هنا قال: أولئك أي: الموصوفون بهذه الصفات: اللعنة والغضب والمسخ والرابع: عبادة الطاغوت، هؤلاء شر مكانًا.
وقوله: ﴿مَكَانًا﴾ تمييز لما انبهم من اسم التفضيل، والقاعدة: أن كل اسم منصوب يأتي بعد اسم التفضيل فهو مميز له، مثل: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤] لكن هم شر مكانًا من المؤمنين بالله، الذين آمنوا بالله وما أنزل إليهم من قبل، وذلك لأن هؤلاء مكانهم النار والعياذ بالله، فمأواهم النار، وأولئك المؤمنون مأواهم الجنة.
[ ٢ / ٨٧ ]
فإن قال قائل: المعروف أن اسم التفضيل يشترك فيه المفضل والمفضل عليه في أصل المعنى، فهل في الجنة شر؟
الجواب: لا، ليس فيها شر، لكن هذا يقول الرسول ﵊: "خير صفوف النساء؛ آخرها وشرها أولها" (^١) شرها يعني: الآخر ليس فيه شر، "وخير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها" (^٢) وعكسه مثل قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤]، مع أن أصحاب النار ليس عندهم خير ولا حسن المقيل، فمثل هذا التفضيل، يقول علماء البلاغة: هو تفضيل ليس في الطرف الآخر منه شيء سواء كان في خير أو في شر.
لو قال قائل: في قوله ﵎: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ قلنا: المشار إليه استهزاؤهم بالصلاة، أين الفعل الآخر الذي حصل بينه وبين الاستهزاء المفاضلة؛ لأن الله حكم عليهم باللعن لأنهم استهزؤوا، فهل تكون المفاضلة بين الاستهزاء والاستهزاء أم ماذا؟
الجواب: لا، المفاضلة بين حال الصحابة ﵃ وحال هؤلاء أيهما أشر، فقوله: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ أي: مما رميتمونا به من الاستهزاء والسخرية، فيكون المعنى: عمل من لعنه الله.
لو قال قائل: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ﴾ ألا
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها، حديث رقم (٤٤٠) عن أبي هريرة.
(٢) تكملة الحديث السابق.
[ ٢ / ٨٨ ]
تحتمل الآية أن المراد المقارنة بين أهل الكتاب وغيرهم ممن ليس عندهم كتاب؟
الجواب: لا؛ لأن المناظرة بينهم وبين المسلمين، ولا شك أن غيرهم أضل منهم، ولهذا أباح الله لنا من اليهود والنصارى ما لم يبح من غيرهم، أباح لنا نكاح نسائهم وأباح لنا ذبائحهم، مما يدل على أنهم أرفع مرتبة من المشركين والمجوس.
لو قال قائل: وقوله: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ هل المراد بالمكان ما يقابل الزمان، أو المراد بالمكان المكانة والمنزلة، أو الأمران؟
الجواب: الأمران، فهم مكانهم شر لأنه النار، ومكانتهم شر لأنهم الأرذلون.
قوله: ﴿وَأَضَلُّ﴾ "أضل" هذه معطوفة على "شر"، يعني: وأولئك أضل عن سواء السبيل، وأضل اسم تفضيل من الضلال، يعني: أشد ضلالًا عن سواء السبيل، أي: عن الطريقة المستوية المستقيمة، فهو يشبه إضافة الصفة إلى موصوفها، يعني: عن السبيل السواء، هؤلاء شر مكانًا وأضل عن سواء السبيل.
لو قال قائل: وهل في المؤمنين ضلال؟
الجواب: لا، لكن نقول فيها مثل ما قلنا في ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾، فلا ضلال في المؤمنين، وقد يقول قائل: لعل هذا من باب التنزل مع الخصم؛ لأن الخصم يدعي أن المؤمنين شرّ مكانًا، وأضل عن سواء السبيل، فيقال: أنتم شرّ مكانًا، وأنتم أضل عن سواء السبيل، لكن ما قررناه أولًا واضح وليس فيه إشكال، وهو أنه قد يأتي التفضيل بين شيئين؛ ليس في أحدهما شيء من المعنى.
[ ٢ / ٨٩ ]
وقد قيل: إن أهل الطاعة عندهم استقرار وعندهم طمأنينة، ولو كان الواحد منهم فقيرًا فإن الله يعطيه سعة بال وقناعة، وأما صاحب المعصية لو أن ماله كثير فإنه في قلق وحيرة؟
ويشهد لصدق هذا القول قول الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] وما جاء عن السلف الصالح حيث قالوا: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف.
لو قال قائِل: ذكر بعض أهل العلم أن قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] أن النبي - ﷺ - فسرها باليهود والنصارى (^١)، هل هذا صحيح؟
الجواب: هذا الحديث ضعيف، ثم لو صح لحمل على النصارى قبل بعثة الرسول ﵊.