قال النبي - ﷺ -: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" (^١) نسأل الله أن يصلح قلوبنا جميعًا.
الفائدة الثامنة: عموم علم الله وأنه شامل لما ظهر وبطن، ووجه الدلالة من الآية: أنه أخبرنا بأنه عليم بذات الصدور، فيقتضي أنه كان عالمًا بالظاهر والباطن.
* * *
° قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [المائدة: ٨].
في الآية قراءتان: قراءة بالسكون: ﴿شَنَآنُ﴾، وقراءة بالفتح: ﴿شَنْآنُ﴾ والظاهر والله أعلم أن سبب القراءة بالسكون هو التخفيف؛ لأن ﴿شَنَآنُ﴾ فيها شيء من الثقل، لتوالي الحركتين، فإذا قيل: ﴿شَنْآنُ﴾ صار ذلك أخف، على كل حال التعليل هذا تعليل لما وقع لا لما سيقع. بمعني أنه ليس لنا أن نتصرف ونختار اللفظ الأسهل على اللسان لكن نعلل ما وقع من القراءات؛ لأن القراءة توقيفية.
قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ سبق مرارًا مثل هذه الصيغة وبيان ما يترتب عليها.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، حديث رقم (٥٢)، ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، حديث رقم (١٥٩٩) عن النعمان بن بشير.
[ ١ / ١٤٣ ]
قوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ﴾ ﴿كُونُوا﴾: أَمْرٌ بأن نكون، والأمر هنا شرعي.
وقوله: ﴿قَوَّامِينَ﴾: أي: ذوي قيام، وإنما قلت ذلك؛ لئلا يقال: إن الأمر في كثرة القيام وليس في القيام أصله، فنقول: "قوامين" التشديد فيها للنسبة وليس للكثرة، ويحتمل أن نجعلها للكثرة باعتبار كثرة المخاطبين، فإذا كانوا أمة فقام واحدٌ بهذا وقام واحد بهذا، وواحد بهذا صار المجموع كثيرًا، فصاروا قوامين.
على كل حال: إن جعلت "فعَّالًا" للكثرة فهي باعتبار المجموع، إذا كان كل واحدٍ قائمًا بالقسط وهم أمة صح أن يقال: قوامون، وإن جعلتها غير مبالغة فهي للنسبة، أي: كونوا ذوي قيام، فتشمل القليل والكثير.
والحاصل: أننا إذا قلنا إنه موجه للكثرة صار الذي يأتي بمرة واحدة ليس داخلًا في الأمر وليس ممتثلًا له، وإنما نأخذ ذلك من أدلة أخرى؛ لأن الذي قام بالقسط مرة واحدة قد امتثل، وإذا كان مأمورًا به في واحدة فمن باب أولى يكون مأمورًا به في كل مرة، وضابط التفريق بين المعنيين القرينة والسياق، فقول الله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] لو قال قائل: إن هذه للكثرة ما استقام؛ لأن المنفي على هذا المعني هو كثرة الظلم فقط، فإذا قلنا للنسبة صح ذلك؛ لأن الله جلَّ وعلا نفى عن نفسه نسبة الظلم إليه ولو مرة واحدة، وأيضًا إذا قلت: "لا تكن أكَّالًا" فالمعنى لا تكثر الأكل، وليس المعنى لا تأكل أبدًا،
[ ١ / ١٤٤ ]
وأما قوله - ﷺ -: "لعن الله زوارات القبور" (^١) فلا تدخل نهائيًّا؛ لأنه صح الحديث عن النبي - ﷺ - لعن زائرات القبور (^٢).
وقوله: ﴿قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ "اللام" هنا: إشارة إلي الإخلاص، أي: اجعلوا قيامكم بالقسط أي: بالعدل لله ﷿، لا تخشوا في ذلك أحدًا ولا تحابوا بذلك أحدًا.
قوله: ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ شُهَدَاءَ: نقول في إعرابها: يجوز أن تكون حالًا من فاعل قوامين، يعني: قوامين حال كونكم شهداء، ويجوز أن تكون خبرًا ثانيًا لـ "كان"؛ لأن تعدد الخبر جائز، قال الله ﷿: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ [البروج: ١٤، ١٥]، أربعة أخبار: الغفور، الودود، ذو العرش، المجيد.
قوله: ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ "شهداء": جمع شهيد أو جمع شاهد، المعني: أنكم إذا شهدتم فاشهدوا بالعدل.
قوله: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي: العدل، وقد جاء في الحديث: "المقسطون على مثابر من نور على يمين الله ﷿" (^٣).
قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾: ﴿وَلَا
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء، حديث رقم (١٠٥٦) عن أبي هريرة ﵁، وابن ماجه، كتاب ما جاء في الجنائز، باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء للقبور، حديث رقم (١٥٧٤) عن حسان بن ثابت ﵁.
(٢) تقدم.
(٣) رواه أحمد (٢/ ١٦٠) (٦٤٩٢)، وابن حبان (١٠/ ٣٣٦) (٤٤٨٤) عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
[ ١ / ١٤٥ ]
يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: أي: لا يحملنكم، ﴿شَنَآنُ﴾: أي بغض، ﴿قَوْمٍ﴾: هم الجماعة من الناس، فإذا قيل: "قوم" وذكر معه نساء، فالقوم هم الرجال، والنساء للإناث، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١]، وإذا ذكر "قوم" وحده صار شاملًا للرجال والنساء، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩]، يعني الذكور والإناث.
وقوله: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ "على": حرف جر، "أن": مصدرية، "لا": نافية، "تعدلوا": فعل مضارع منصوب بـ "أن" وعلامة نصبه حذف النون، و"أن" وما دخلت عليه في محل جر، والتقدير: لا يحملكم بغضهم على عدم العدل وهو الجور.
وقوله: ﴿اعْدِلُوا﴾ حتى فيمن تبغضون، "اعْدِلُوا": أي: قولوا بالعدل. والعدل: هو إعطاء كل ذي حقٍ حقه.
قوله: ﴿هُوَ﴾ أي: العدل، وقلنا ذلك مع أنه لم يسبق ذكر العدل؛ لأن العدل مفهوم من الفعل الذي هو: اعدلوا؛ لأن مرجع الضمير قد يكون منصوصًا عليه بلفظه، وقد يكون بلفظ دال عليه، فهنا قوله ﴿اعْدِلُوا﴾: دالٌ على أن الفعل مشتق من العدل، فيكون قوله: ﴿هُوَ﴾ أي: العدل الذي أمرتم به أقرب للتقوي ولم يقل: هو التقوى، بل قال: أقرب للتقوي؛ وذلك لأن العدل قد يحمل عليه مخافة الله فيكون تقوي، وقد يحمل عليه محبة الثناء عند الناس فلا يكون تقوي، ولهذا جاءت الآية الكريمة: ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بعد أن أمر بأن نكون قوامين، ونهي
[ ١ / ١٤٦ ]
أن يحملنا البغض على ترك العدل ثم أمر بالعدل، قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ وهذه كالطابع على ما سبق.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ هذه الجملة نقول فيها مثل قولنا فيما سبق في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [المائدة: ٧] يعني أنها جملة تتضمن التهديد بمخالفة التقوى.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ﴾ قالوا: إن الخبير أدق من العليم؛ لأن الخبير من الخُبْر وهو العلم ببواطن الأمر، ولذلك سميت المزارعة مخابرة؛ وسمي الزارع خبيرًا؛ لأنه يدس الحب في الأرض فيختفي، فالخبير هو العليم بخفايا الأمور.
قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: بالذي تعملونه من قول أو فعل، وذكر الله جلَّ وعلا هذا لكي نستقيم على أمره؛ لأننا لو خالفنا أمره لكان عالمًا بنا ﷾.