° قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)﴾ [المائدة: ٩].
قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ "وعد": يقال: "وعد" ويقال: "أوعد"، قالوا: "أوعد" في الشر "ووعد" في الخير، وبنوا عليه قول الشاعر:
وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلفُ إيعادي ومنجزُ موعدي
فالإيعاد في الشر، والوعد في الخير.
قال: "وعد الله"، ولم يقل: أوعد؛ لأن الوعد للذين آمنوا وعملوا الصالحات، لكن هذا الذي قاله بعض أهل العلم قد ينازع فيه؛ لأن الله تعالى ذكر الوعد في العقوبة فقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [التوبة: ٦٨]، وهذا مما يدل على أن الوعد يأتي في الخير ويأتي في الشر.
وهذا مطرد في القرآن، ولو كان غير مطرد لقلنا: إن إيعاد الله جلَّ وعلا الكفار بالنار على وجه السخرية كقوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ [النساء: ١٣٨] لكن لم يأتِ في القرآن ولو مرة واحدة (أوعد) في حق الكفار والمنافقين فهو غير مطرد.
قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿آمَنُوا﴾: أي: بما يجب الإيمان به، وقد بَيَّن النبي ﵊ أن الإيمان: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره" (^١).
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ..، حديث رقم (٨) عن عمر بن الخطاب.
[ ١ / ١٥٢ ]
وقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: يعني عملوا الأعمال الصالحات، فالصالحات: صفة لموصوف محذوف، والتقدير: الأعمال الصالحات، فمتى يكون العمل صالحًا؟ يكون العمل صالحًا إذا تضمن أمرين: الأول: الإخلاص لله، والثاني: المتابعة لشريعة الله، سواء كان من أمة محمد أو من الأمم السابقة.
فلا بد من أمرين: الأول: الإخلاص لله ﷿؛ لأن العبادة حق لله وحده فلا يجوز أن تشرك بها معه غيره، وللأدلة الكثيرة الدالة على وجوب الإخلاص لله تعالى في العبادة كما في قوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢]، وأيضًا قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وقوله - ﷺ -: "من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" (^١) والنصوص في هذا كثيرة.
أما المتابعة: فلأن النبي - ﷺ - قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (^٢) فأيُّ عمل ليس عليه أمر الله ورسوله من عبادات أو معاملات فإنه مردود على صاحبه، إذًا: لا بد أن يكون العمل عليه أمر الله ورسوله.
ولا تتحقق المتابعة إلا إذا وافق العملُ الشريعة في أمور ستة؛ الأول: السبب، والثاني: الجنس، والثالث: النوع، أو الكيفية والتعبير بالكيفية أوضح، والرابع: القَدْر، والخامس: المكان، والسادس: الزمان، فلا بد أن تكون الموافقة للشريعة في هذه الأمور الستة.
_________________
(١) تقدم ص ١١٧ في حديث: "إنما الأعمال بالنيات .. ".
(٢) تقدم ص ١١٠.
[ ١ / ١٥٣ ]
فمن تعبد لله عبادةً علقها بسبب لم يجعله الله ورسوله سببًا فالعبادة باطلة لأنها بدعة مردودة، مثال ذلك: أن يقول المرء كلما لبس ثوبًا: اللهم صلِّ على محمد، فقيل له: لماذا؟ قال: أتذكر لبس النبي - ﷺ - للثوب فأصلي عليه، فنقول له: هذه العبادة بدعة؛ لأنها لم ترد عن النبي - ﷺ - ولا عن أصحابه أنهم كانوا يصلون على النبي إذا أرادوا اللباس.
ولا بد أيضًا أن يكون موافقًا للشرع في جنس العبادة، فإن تعبد لله بما لم يشرع جنسه فالعبادة مردودة عليه، ومثال ذلك: أن يضحي بفرس بدلًا عن البقرة فنقول: هذه الأضحية غير مقبولة؛ لأنها ليست من جنس ما شرع الله ورسوله فلا تقبل.
وأيضًا لا بد أن يكون موافقًا في النوع أو الكيفية وهو أخص من الجنس، فمن تعبد لله ﷿ بعبادة لم يشرع نوعها، فإنها لا تقبل، كما لو أحدث أذكارًا مشروعة من حيث الجنس، لكنها لنوع آخر فإنها لا تقبل لقول الرسول - ﷺ -: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (^١)، وكما لو سجد قبل الركوع فإنها لا تقبل لمخالفة الشريعة في الكيفية، وتقدم أننا أحيانًا نعبر بالنوع وأحيانًا بالكيفية، فالنوع هو الكيفية.
كذلك أيضًا لا بد أن يكون العمل موافقًا للشرع في قدر العبادة، فلو تعبد لله تعالى بعبادة زائدة أو ناقصة لم تقبل منه، كما لو صلى الظهر خمسًا أو صلاها ثلاثًا لم تقبل لمخالفة الشريعة في العدد.
ولا بد من أن يكون العمل موافقًا للشرع في مكان العبادة
_________________
(١) تقدم ص ١١٠.
[ ١ / ١٥٤ ]
كما لو اعتكف الإنسان في بيته بدلًا عن المسجد وانقطع للعبادة في البيت، فإنها لا تقبل، لأنها غير موافقة للشرع في المكان. ولا بد من موافقة العمل للشرع في زمان العبادة كما لو صام الإنسان في غير رمضان عن رمضان لم تقبل؛ لأنه في غير الزمن المشروع، وكذلك لو وقف بعرفة في غير يوم عرفة، أو رمى الجمرات في غير موسم الحج أو ما أشبه ذلك.
إذًا العمل الصالح هو ما وافق الشريعة في هذه الأمور الستة.
يقول الله ﷿ في الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ وهذا في مقابل الذنوب ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ في مقابل الحسنات فالسيئات تغفر والحسنات يثابون عليها هذا الثواب العظيم.
لو قال قائل: ما حكم الأيام التي تقام في بعض البلدان من الاحتفال بأيام المناسبات والذكرى كيوم كذا ويوم كذا مما لا يتقرب به إلى الله، لأن بعض أهل العلم يقولون: هذه بدعة، وبعضهم يقول: ليست بدعة، لأننا لا نتقرب بها إلى الله، إنما هي مناسبات للتنشيط والذكرى، مع أنكم ذكرتم أن البدعة ما خالفت الشرع في الست المتقدمة؟
الجواب: بالنسبة لهذه الأيام بعض العلماء قال: إنها ليست بدعة، يعني يوم الشجرة ويوم كذا ويوم كذا، يقولون هذه الأيام المقصود بها تذكير الناس، أما إذا كانت المناسبة مناسبة تولي أمير على إمرة، أو رئيس على رئاسة، أو ملك على ملك، فهذا إنما يفعل للتعظيم ولا يجوز؛ لأن الأعياد لا يجوز أن تكون إلا
[ ١ / ١٥٥ ]
بمناسبات شرعية، وأما المناسبات غير الشرعية لا تشرع، لكن ما يذكر عن أيام الشجرة وأشباهها، يقولون: إننا لا نتخذها على سبيل أنها عيد، ولذلك لا نخصها بيوم معين إنما هي تذكير وتنشيط وكأنها ابتداء عمل، ولكن عندي لو أن الناس تنزهوا عنها لكان أحسن.
لكن لو قال قائل: قلتم: إن هذه الأيام ليست أعيادًا بل لشحذ الهمة لكن ألا يشكل على هذا أنها تشبه بالكفار كأسبوع كذا ويوم كذا؟
الجواب: علة التشبه بالكفار تشتبه على كثير من الناس مع أن الأئمة نصوا على أنه: إذا كان مصدر الشيء من غير المسلمين ثم انتشر وصار المسلمون يفعلونه زال التشبه؛ لأن التشبه حقيقته: أن يقوم الإنسان بما يختص بالغير، وما دام أن هذه المسألة شاعت بين المسلمين فلا تعد تشبهًا، مثال ذلك: لبس البنطلون أتى من الكفار لكن تبعهم المسلمون وصار الآن يلبسه المسلم والكافر.
لو قال قائل: ما حكم تحري الإنسان لأوقات كاجتماع الناس في حفل أو فرح، فيتحرى هذا الوقت ويذهب ويخطب ويعظهم بخير، وكذلك إذا رآهم مجتمعين في عزائم في بيت أو غيره، وهل يعتبر هذا بدعة لأنه خصص هذا بالزمان أو المكان؟
الجواب: أما من جهة الموعظة فإذا وجد سبب لها فإنها تفعل في أي مكان، لكن إذا اتخذ هذا راتبًا وكأنه هو السبب، قلنا: هذا خطأ، فمثلًا: الاجتماع في العرس أو في وليمة كبيرة، إذا رأى الإنسان من المناسب أن يتكلم، وذلك بأن رآهم متشوفين
[ ١ / ١٥٦ ]
لكلامه، والناس يختلفون في هذه الناحية، فمن الناس رجالٌ يتشوف الناس إلى كلامهم ويتمنون أن يتكلموا، فهنا نقول: الكلام جيد، وكذلك لو طلب منه أن يتكلم، فهنا أيضًا نقول: تكلم؛ لأنك سئلت العلم، فإذا سئلت العلم فبيِّنه، أما إنسان ليس ذا أهمية عند الناس ولا الناس يترقبون كلامه يفرض نفسه عليهم ثم يتكلم في مثل هذه المناسبات، لا شك أن هذا فيه تضييق على الناس، وكثير من الناس يأتون إلى هذه الحفلات فيجتمع بعضهم ببعض مع طول الزمان ويتساءلون عن أحوالهم وعن قراباتهم، فيقطع هذا عليهم ما يريدون أو ما يتكلمون فيكون شهرة بين الناس، هذه واحدة، وكذلك العزاء أشد وأشد، لأن كون الإنسان يأتي ويخطب في الحاضرين تكون بدعة على بدعة؛ لأن أصل الاجتماع على عزاء غير مشروع كما نص على ذلك أهل العلم، منهم من كرهه وصرح بالكراهة، ومنهم من قال: إنه بدعة، وكتب الفقهاء بين أيدينا.
كذلك أيضًا ما أحدثه بعض الناس عند الدفن وذلك بأن يقوم أحدهم خطيبًا ويخطب ويعظ الناس هذا أيضًا من البدع؛ لأن الرسول - ﷺ - لم يفعل هذا، وغاية ما ورد عن الرسول ﵊ أنه انتهى إلى القبر مع أصحابه ولمَّا يلحد، يعني: ما تم تلحيد القبر، فجلسوا وجلس النبي ﵊ معهم وجعل ينكت بمخصرة معه -ينكت بها الأرض- ويحدثهم عن حال الإنسان عند الموت وبعد الدفن، وهذه ليست خطبة، هذه موعظة وليست راتبة، لم يفعلها الرسول كلما دفن أحدًا، بل فعلها لأنه ينتظر التلحيد، فبدلًا من أن يسكت أو
[ ١ / ١٥٧ ]
يتكلموا في شيء غير مناسب تكلم ﵊ (^١).