وقيل: إن الكبيرة ما فيه عقوبة خاصة؛ أي: ما ذكر له عقوبة خاصة؛ وذلك لأن المحرمات نوعان: نوع ليس فيها إلا النهي، ونوع آخر يذكر فيها عقوبة خاصة: إما دنيوية، وإما دينية، وإما أخروية، فالدنيوية كالحد، مثل الزنا والسرقة، والدينية كالبراءة منه، كقوله ﵊: "ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" (^١)، والأخروية هي العقوبة، كما في هذه الآية.
٤ - إثبات الجزاء، لقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾.
٥ - أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنه قابل أكلهم بالنار التي يعذبون بها.
٦ - الوعيد الشديد على من أكل مال اليتيم بأنه سيصلى سعيرًا، وهذا أعظم من قوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، فتكون الحرارة في أجوافهم، وفي ظاهر أجسامهم، لقوله: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب ليس منا من شق الجيوب، حديث رقم (١٢٣٢)؛ ومسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب والدعاء بدعوى الجاهلية، حديث رقم (١٠٣) عن ابن مسعود.
[ ١ / ٦٣ ]
أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ [النساء: ١١].
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الوصية: هي العهد بأمر هام عهد به إليك، وتكون بعد الموت، وأما ما قبل الموت فهي وكالة، وينبغي أن يُعلم أن المتصرف في غير ماله له أوصاف بحسب الوظيفة التي هو قائم بها، فتارة نسميه "وكيلًا"، وتارة نسميه "وليًا"، وتارة نسميه "ناظرًا"، وتارة نسميه "وصيًا"، فإذا كان يتولى مال الغير بغير إذن منه، بل بإذن من الشرع؛ فإنه يسمى "وليًا" كولي اليتيم، وإذا كان يتولى مال الغير بعد موته؛ فإنه يسمى "وصيًا"، وإذا كان يتولى الوقف؛ فإنه يسمى "ناظرًا"، وإذا كان يتولى لحي؛ فإنه يسمى "وكيلًا".
وقوله: ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ﴾؛ أي: أن الوصية في الأولاد أنفسهم، والأولاد: جمع ولد، ويشمل الذكور والإناث، بدليل قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، فإذا اجتمع في الأولاد ذكور وإناث، فإننا نعطي الذكر مثل حظ الأنثيين، وتأمل كيف قال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ دون أن يقول: للأنثى نصف الذكر؛ لأن الحظ والنصيب فضل وزيادة، والنصف نقص، فلهذا قال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، ولم يقل: للأنثى نصف ما للذكر؛ لما في كلمة "نصف" من النقص، بخلاف حظ الأنثيين؛ فإن فيه زيادة، فهو أحسن تعبيرًا مما لو قال: للأنثى نصف ما للذكر.
فإذا هلك الميت عن خمسة أبناء وبنت، فللبنت واحد من أحد عشر؛ لأن الخمسة عن عشرة، وإذا هلك عن سبعة أبناء
[ ١ / ٦٤ ]
وثلاث بنات، فلكل بنت واحد من سبعة عشر؛ لأن السبعة عن أربعة عشر سهمًا، والثلاث عن ثلاثة أسهم، فالجميع سبعة عشر سهمًا .. وهكذا.
وقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾، ولم يقل: فإن كانوا نساءً؛ أي: الأولاد، وهذا جائز، فيجوز في الضمير إذا اكتنفه مذكر ومؤنث أن تذكره باعتبار ما سبقه، إذا كان السابق مذكرًا، وتؤنثه باعتبار ما لحقه، فهنا قال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ فأنث الضمير باعتبار ما لحقه، ولو كان في غير القرآن وقيل: "فإن كانوا نساءً" جاز باعتبار ما سبقه، فالضمير في مثل هذا التركيب يجوز أن يعود على ما سبق، ويجوز أن يعود على ما لحق.
وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ فقيل: إنها زائدة، وأن المعنى: فإن كن نساء اثنتين؛ وذلك لأن الثلثين تستحقه الثنتان فما فوق، وظاهر الآية الكريمة أن الثنتين لا تستحقان الثلثين؛ لأنه قال: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾، والحكم خلاف ذلك، فلهذا قال بعض العلماء: إنها زائدة، ولكن الصحيح أنها ليست بزائدة، بل هي مفيدة وأصلية؛ ليتبين أن ما فوق الثنتين لا ينحصر، فلو كن عشرًا أو عشرين فإن الفرض لا يزيد بزيادتهن.
ولنا في تقرير الثلثين للثنتين عدة أوجه:
الوجه الأول: أنه قال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ ومفهومه: أن ما زاد عن الواحدة فليس لها النصف، ولا نعلم فرضًا للبنات سوى النصف أو الثلثين، فإذا لم يكن لها النصف بقي لها الثلثان؛ لأنه ليس هناك فرض بين النصف والثلثين.
[ ١ / ٦٥ ]
الوجه الثاني: أن الله جعل للأختين الثلثين في آخر السورة، فقال الله ﵎: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، وصلة البنتين بأبيهما أقوى من صلة الأختين بأخيهما، وعلى هذا فيكون للبنتين الثلثان، كما أن للأختين الثلثين.
الوجه الثالث - وإن كان خارجًا عن نطاق القرآن -: أن النبي - ﷺ - أعطى ابنتي سعد بن الربيع الثلثين وهما اثنتان (^١). وعلى هذا فنقول: لقد بيَّن الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن الأولاد إما أن يكونوا ذكورًا وإناثًا، وإما أن يكونوا إناثًا فقط، وبقي قسم ثالث: وهو أن يكونوا ذكورًا فقط.
فأما إذا كانوا ذكورًا وإناثًا فقد بيَّن الله الحكم؛ وهو أن للذكر مثل حظ الأنثيين، وإذا كانوا نساءً فقط فقد بيَّن الله الحكم؛ وهو أن للواحدة النصف ولما زاد الثلثين، وسكت عن الأولاد الذكور فقط، فدل هذا على أنهم يرثون بلا تقدير؛ لأنه لو كان لهم مقدر لبينه كما بين المقدر للإناث، ولو كانوا يختلفون لبين ذلك، كما بين اختلاف الواحدة من البنات مع الثنتين فأكثر.
وعلى هذا: فإذا كانوا ذكورًا فقط فلهم المال، وتكون مسألتهم من عدد الرؤوس؛ لأن الورثة إذا كانوا عصبة فلا تؤصل لهم مسألة، بل أصل مسألتهم من عدد رؤوسهم، فإذا كانوا مئة بني عم فالمسألة من مئة.
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث البنات (٢٠٩٢)؛ ورواه ابن ماجه، كتاب الفرائض، باب فرائض الصلب (٢٧٢٠)؛ ورواه أحمد في مسنده (١٤٣٨٤).
[ ١ / ٦٦ ]
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ فيها قراءتان، ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾ .. "وإن كانت واحدةٌ" وعلى هذه القراءة فإن "كان" تامة، و"كان" التامة هي التي يكتفى بمرفوعها عن خبرها؛ لأنها لا تتطلب سواه، فهي تامة به، والناقصة هي التي تحتاج إلى خبر؛ لأنها لا تتم إلا به، ولهذا سميت "كان" إذا اكتفت بمرفوعها تامة، لا تحتاج إلى تكميل.
وقوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ أي: أبوي الميت، ولم يسبق له ذكر، لكن المقام يقتضيه، لقوله: ﴿مَا تَرَكَ﴾؛ لأن الإنسان لا يترك ماله إلا بعد موته.
وقوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ يعني: الأب والأم، من باب التغليب، وهو هنا ملحق بالمثنى.
وقوله: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾، بدل من قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ بإعادة العامل، والبدل معروف أن له حكم المبدل في الإعراب، لكن هنا نستغني عن التبعية في الإعراب؛ لأنه أعيد العامل.
أي: فلكل واحد من الأبوين السدس مما ترك ابنهما أو بنتهما أيضًا، ﴿إِنْ كَانَ لَهُ﴾ أي: للميت "ولد"، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ يشمل الذكر والأنثى، فإذا كان للميت أبوان، وله أولاد، فلكل واحد من الأبوين السدس، فإن كان الولد ذكرًا؛ فللأم السدس وللأب السدس، والباقي للابن، وإن كان أنثى فرض لها فرضها وهو النصف إن كانت واحدة، أو الثلثان إن كانت زائدة، والباقي للأب تعصيبًا؛ لقوله - ﷺ -: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" (^١).
_________________
(١) تقدم ص ٤٩.
[ ١ / ٦٧ ]
وميراث الأبوين مع الولد: أما الأم ففرض وليس لها تعصيب إطلاقًا، وفرضها السدس مع وجود الولد: ذكرًا كان أم أنثى، وأما الأب فإن كان في الأولاد ذكور، فليس له إلا السدس، وإن كان الورثة إناثًا؛ فله السدس فرضًا، والباقي إن بقي تعصيبًا.
وحينئذ نقول: إما أن يكون الولد الذي مع الأبوين ذكورًا فقط، أو إناثًا فقط، أو ذكورًا وإناثًا، فإن كانوا ذكورًا فقط؛ فليس للأب ولا للأم إلا السدس، وإن كانوا إناثًا فقط؛ فليس للأم إلا السدس، وكذلك الأب يفرض له السدس، وإن بقي شيء أخذه تعصيبًا، وإن كانوا ذكورًا وإناثًا فليس للأب إلا السدس كالأم؛ لأنه لا تعصيب للأب مع وجود أحد من الأبناء أو أبنائهم؛ لأن الأبناء أو أبناءهم أولى بالتعصيب من الأب.
وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَد﴾ أي: إن لم يكن له فرع وارث، لا ابن، ولا ابن ابن، ولا بنت ابن، ولا بنت، وهذا الشرط الأول، والشرط الثاني في قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾، والجواب: ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ وللأب الباقي؛ لأنه إذا كان المال بين شخصين، وفرض لأحدهما، فالباقي كله للآخر.
فقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ هنا انحصر الإرث في الأبوين، ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، والباقي للأب؛ لأن الله قال: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ وأعطى أمه الثلث، فيكون الباقي للأب بالضرورة، فإذا هلك هالك عن أم وأب، وليس معهما ولد ولا غيره؛ لا إخوة، ولا زوج، ولا زوجة؛ فللأم الثلث، والباقي للأب.
[ ١ / ٦٨ ]
وهذا مطرد على قاعدة الفرائض؛ لأن قاعدة الفرائض: "إذا كان الوارثان ذكرًا وأنثى من جنس، وفي مرتبة واحدة، فإن للذكر مثل حظ الأنثيين" فمثلًا: ابن وبنت، أخ شقيق وأخت شقيقة، أخ لأب وأخت لأب، للذكر مثل حظ الأنثيين.
مسألة: إذا كان مع الأبوين زوج أو زوجة، فهل ترث الأم الثلث؟
الجواب: نقول: إن الآية الكريمة تدل على أنه ليس لها الثلث:
فإذا هلكت امرأة عن زوجها وأمها وأبيها مثلًا، وليس في المسألة ولد، فانحصر الإرث في ثلاثة أشخاص، فللزوج النصف، وللأم ثلث الباقي، وللأب الباقي.
وصار للأم ثلث الباقي لماذا؟ لأن الأم والأب ورثا ما بقي بعد الزوج، وقد قال الله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، فكأن الأبوين ورثا نصف المال الذي هو الباقي بعد الزوج، فنجعل الباقي بعد فرض الزوج كأنه المال كله، فإذا جعلناه كأنه المال كله فإن للأم الثلث، وهذا واضح جدًا، ومعلوم بنص القرآن أن الأم والأب إذا ورثا المال كله فللأم الثلث، فيكون لها ثلث الباقي.
وهذه القسمة ليست مخالفة للنص، بل هي موافقة للنص.
مثال آخر: هلك رجل عن زوجة، وأم، وأب، فللزوجة الربع، وبقي ثلاثة أرباع: للأم ثلث الباقي، وللأب الباقي؛ لأن الزوجة لما أخذت نصيبها صار الباقي بعد فرضها كأنه المال كله، والأم والأب إذا ورثا المال كله صار للأم الثلث، وعلى هذا:
[ ١ / ٦٩ ]
فللأم ثلث الباقي بعد فرض الزوجة، والباقي للأب، وهذا مقتضى النص القرآني الذي معنا.
وهاتان المسألتان - وهما: زوج وأم وأب، وزوجة وأم وأب - تسميان: العمريتين، والغراوين؛ لأن أول من قضى بهما عمر بن الخطاب - ﵁ -، إذ لم توجد هذه الصورة لا في عهد النبي - ﷺ -، ولا في عهد أبي بكر - ﵁ -، ووجدت هاتان الصورتان في عهد عمر - ﵁ -، فقضى بهما على هذا النحو قضاء موافقًا للصواب بلا شك، وسميتا بالغراوين لأنهما في الفرائض كالغرة في وجه الفرس، لظهورهما وبيانهما واشتهارهما.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ هذا معطوف على قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ يعني: حين إرث أبويه له ﴿فَإِنْ كَانَ﴾ والفاء هنا عاطفة للترتيب، وهي تدل على ترتب ما بعدها على ما قبلها، فإذا ورث الرجل أبواه وكان له إخوة، ﴿فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ سواء كانوا إخوة ذكورًا أو إناثًا، أشقاء، أو لأب، أو لأم.
مثاله: هلك هالك عن أم وأب وأخوين شقيقين؛ فللأم السدس، والباقي للأب.
وقد فرضنا للأم السدس؛ لوجود جمع من الإخوة، ولم نفرض للأب السدس؛ لعدم الفرع الوارث، فنقول: للأم السدس، والباقي للأب، والإخوة يسقطون بإسقاط النبي - ﷺ - لهم حيث قال: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" (^١).
_________________
(١) تقدم ص ٤٩.
[ ١ / ٧٠ ]
وصاحب الفرض في هذه المسألة هي الأم، وقد أعطيناها نصيبها، ثم بحثنا وقارنا بين الأب والإخوة فوجدنا أن الأب أولى؛ لأن الميت بضعة منه، فقلنا: الباقي للأب.
فإن قال قائل: كيف يحجب الإخوة وهم محجوبون؟
فنقول: نعم، يحجبون غيرهم وهم محجوبون؛ لأن حجبهم هنا لوجود المانع، فإن الذي منعهم من الإرث هو الأب لا لفوات الشرط، فهم من أهل الإرث، فليس فيهم مانع من موانع الإرث حتى نقول: إن هؤلاء ليسوا مستحقين بالأصل من الميراث، بل نقول: إنهم مستحقون لولا وجود المانع؛ فلهذا حجبوا وهم محجوبون.
والغريب في هذه المسألة: أنه لو كان الإخوة إخوة من أم؛ فإنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، وهذه غريبة من غرائب العلم أن يكون المدلي حاجبًا لمن أدلى به، والعادة أن الذي يَحجب هو المدلى به، فالإبن يحجب ابن الإبن؛ لأن الإبن مدلي بالإبن، ومن أدلى بواسطة حجبته تلك الواسطة، وهنا الإخوة من الأم مدلون بالأم، ولم تحجبهم الأم، بل هم الذين حجبوا الأم، فهي على العكس، ولكن مسائل الفرائض كثير منها لا مجال للرأي فيها، ولا مدخل للإجتهاد فيها كما قال تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾.
فيكون ميراث الأبوين على أحوال:
الحالة الأولى: إذا كان معهم ولد؛ فلكل واحد منهما السدس، فإن كان الولد ذكرًا فليس سوى السدس، وإن كان أنثى فللأب ما بقي بعد الفروض تعصيبًا.
[ ١ / ٧١ ]
الحالة الثانية: إذا ورث الميت أبواه فقط؛ أي: لم يوجد وارث سوى الأبوين، لا إخوة، ولا فرع وارث، فميراث الأم الثلث بالنص، والباقي للأب؛ لأن المال الذي بين شخصين إذا قدر لأحدهما نصيبه صار الباقي للثاني.
فمثلًا: لو أعطاك شخص مالًا مضاربة تشتغل فيه، وقال: لك ربع الربح، فإنه يكون لصاحب المال ثلاثة أرباع؛ لأن المال بين اثنين، إذا قدر لأحدهما نصيب فالباقي للآخر.
الحالة الثالثة: إذا ورث الأبوان ولدهما وله إخوة، فللأم السدس، وإن كان الإخوة غير وارثين، والباقي للأب، والإخوة يسقطون، لقول النبي - ﷺ -: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر" (^١).
وهذه الآية الكريمة قد اشتملت على حكم ميراث الفروع والأصول، وقد بدأت بذكر الفروع قبل الأصول، وكان المتوقع أن تبدأ بالأصول؛ لأنهم أحق بالبر من الفروع، لكن بدأت بالفروع لأنهم بضعة من الميت وجزء منه، والأصول بالعكس، فإن الميت بضعة منهم، فكان الذي هو بضعة منه أولى، وهذه من الحكم العظيمة؛ لأنه قد يقول قائل: لماذا لم يبدأ الله ﷿ بذكر الوالدين قبل ذكر الأولاد؟ والجواب هو هذا.
أما الأزواج والحواشي، فقد ذُكروا بعد هذه الآية مباشرة؛ لأن الآية الثانية الآتية خالصة لذوي الفروض، وليس فيها عصبة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] .. الآية، وقد ذكر فيها الزوجان، والإخوة من الأم، وكلهم
_________________
(١) تقدم ص ٤٩.
[ ١ / ٧٢ ]
أصحاب فروض، ولهذا قال الله تعالى فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٣] الآية، وهنا لم يقل: تلك حدود الله؛ لأن هذه الآية فيها تعصيب غير محدد، والآية التي بعدها كلها أصحاب فروض، والآية الثالثة في آخر السورة فيها فروض وفيها تعصيب، ولهذا قال الله تعالى فيها: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦].
مسألة: هلك هالك عن جد وأخ وأم، فنقول: للأم الثلث؛ لأنه ليس هناك فرع وارث، ولا جمع من الإخوة، وهذا مما يُضعف القول بأن الجد أخ؛ لأنه هنا ليس بأخ، ولا يحجب الأم، كما أنه لو كان عندنا جدان لم يحجبا الأم إلى السدس، وقد ذكر العلماء صورتها فيما لو وطئ رجلان امرأة بشبهة، وأتت بولد، وعرض على القافة الذين يعرفون الأنساب بالشبه، فقالوا: هذا الولد لهذين الرجلين جميعًا، فصار له أبوان، ولكل أب أب، فيكون له جدان، فلو كان له جدان لم يحجبا الأم إلى السدس، والأدلة على ضعف إلحاق الجد بالإخوة أدلة كثيرة.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ أي: أن هذا الميراث الذي قسمه الله ﷿ إنما يكون ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾، وفي قراءة "يُوصَى بها" بالبناء للمجهول، ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾، والوصية في الأصل هي العهد بالشيء المهم، وهي اصطلاحًا: التبرع بالمال بعد الموت، أو الأمر بالتصرف بعد الموت، فهي إما بمال وإما بتصرف، فإذا أوصى رجل إلى شخص بالنظر على أولاده الصغار، فهذه وصية بتصرف، وإذا أوصى شخص بمائة درهم لفلان، فهذا تبرع بالمال بعد الموت، وهذا هو المراد بهذه الآية، وهو التبرع بالمال بعد الموت.
[ ١ / ٧٣ ]
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ مطلق لم يقيد، لكن دلت السنة على أنه لا تزيد الوصية على الثلث، فعن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - حين عاده النبي - ﷺ - في مكة فقال له سعد: إني ذو مال - يعني: ذو مال كثير - ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا". قال: فالشطر؟ قال: "لا". قال: فالثلث؟ قال: "الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" (^١)، قال ابن عباس ﵄: "لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع"، يعني: لكان أحسن؛ لأن النبي - ﷺ - قال: "والثلث كثير" (^٢)، ولم يرخص في الثلث إلا في المراجعة الثالثة من سعد - ﵁ -.
ويُذكر أن أبا بكر الصديق - ﵁ - قال: "أرضى بما رضيه الله لنفسه" (^٣)، فأوصى بالخمس، واعتمد ذلك الفقهاء، فقالوا: ينبغي أن تكون الوصية بالخمس، ولكن لشُح الناس اليوم صاروا لا يعرفون في الوصية إلا الثلث، فيندر جدًا أن ترى شخصًا أوصى بخمس ماله، وينبغي لطلبة العلم أن يبينوا للناس، وأن يقولوا لهم: إن الوصية بالثلث رخصة جاءت بعد مراجعة، وما دون الثلث أفضل منه.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب رثي النبي - ﷺ - خزامة بن سعد، حديث رقم (١٢٣٣)؛ ومسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، حديث رقم (١٦٢٨) عن سعد بن أبي وقاص.
(٢) قول ابن عباس عند مسلم، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، حديث رقم (١٦٢٩).
(٣) رواه عبد الرزاق في المصنف (٩/ ٦٦)؛ وابن جرير في التفسير (٦/ ٢٤٨)؛ والبيهقي (٦/ ٢٧٠) من طريق قتادة عن أبي بكر.
[ ١ / ٧٤ ]
وقد دل القرآن على أن الوصية لا تكون لوارث، وهذا هو الشرط الثاني في الوصية، فالشرط الأول: أن لا تزيد على الثلث.
والشرط الثاني: أن لا تكون لوارث، ووجه الدلالة قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾، فجعل الوصية مستقلة عن الميراث، وقال في الآية التي تلي هذه لما ذكر الإرث: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]، ولا شك أن من أوصى لأمه بالخمس وقد أعطاها الله السدس، فقد تعدى حدود الله، فإن فرض الله لها هو السدس، وهو زاد على ذلك الخمس، فصار ميراثها أكثر من الثلث، وهذا تعدٍ لحدود الله.
فالوصية التي تقدم على الميراث هي الوصية الشرعية التي جمعت شرطين، وهما: ألا تزيد على الثلث، وألا تكون لوارث.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ في قوله ﴿يُوصِي بِهَا﴾ دليل على أنه لا بد من ثبوت الوصية، وأن يكون الموصي أوصى بها عن طمأنينة وعن معرفة، فلو أوصى وهو في غمرات المرض، ولم يكن يتصور ما يقول، فإن الوصية لا تقبل، ولا عبرة بها؛ لأنه حقيقة لم يوص بها، وكذلك لو لم تثبت الوصية ببينة، فإنها لا عبرة بها، إلا إذا صدّق الورثة - وهم راشدون - بذلك، فالحق لهم.
وقوله: ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ الدين: كل ما ثبت في الذمة فهو دين،
[ ١ / ٧٥ ]
فالأجرة دين، والقرض دين، وثمن المبيع دين، والصداق على الزوج دين، وعوض الخلع على الزوج دين، وأرش الجراحات دين، فكل ما ثبت في الذمة فهو دين، فيقدم الدين على الميراث، فلو قدر أن الدين يستغرق جميع المال فلا شيء للورثة؛ لأن الله قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وإذا قدر أنه يستغرق نصف المال صار الميراث نصف المال.
وأيهما يقدم: الدين أم الوصية؟
الجواب: يقدم الدين قبل الوصية، كما جاء عن علي بن أبي طالب - ﵁ -: "أن النبي - ﷺ - قضى بالدين قبل الوصية" (^١)، والمعنى يقتضيه؛ لأن الدين قضاؤه من باب الواجب، والوصية من باب التبرع، بمعنى: أن المدين يجب عليه أن يقضي دينه، والوصية مستحبة وليست بواجبة، والنظر الصحيح يقتضي تقديم الواجب.
فإن قال قائل: إذا كان الأمر كذلك، فما الحكمة من تقديم الوصية على الدين في الآية؟
فنقول: الحكمة هي:
أولًا: العناية بالوصية، والإشارة إلى أن الدين ينبغي للعاقل أن لا يحمله نفسه.
_________________
(١) علقه البخاري (٣/ ١٠١٠)، باب تأويل قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾، وهو عند أحمد (١/ ١٣١، ١٤٤)؛ والترمذي، كتاب الفرائض، باب ميراث الأخوة من الأب والأم، حديث رقم (٢٠٩٤)؛ وابن ماجه، كتاب الوصايا، باب الدين قبل الوصية، حديث رقم (٢٧١٥).
[ ١ / ٧٦ ]
ثانيًا: أن الدين له من يطالب به، فلو فرض أن الورثة سكتوا وقسموا التركة، فإن صاحب الدين لن يسكت، بل لا بد أن يطالب، لكن الوصية لو كتموها، ولم يعلم بها الموصى له، فليس هناك من يطالب بها، فلهذا قدمها ليهتم الورثة بها، لا ليقدموها على الدين، فالدين مقدم، ثم الوصية، ثم الميراث.
فإذا هلك هالك عن ورثة، وكان عليه دين يستغرق نصف ماله، وأوصى بالثلث، فالمسألة من ستة، للدين ثلاثة، وللوصية ثلث واحد، فالمأخوذ في الدين كالمفقود، وعلى هذا فتكون التركة الموروثة هي الباقية بعد الدين، وهي ثلاثة من ستة، فيعطى صاحب الوصية ثلث الباقي وهو واحد، ويبقى اثنان هما نصيب الورثة، فقدمنا الدين على الوصية، وجعلنا النقص على الوصية، ولولا الدين لأخذ الموصى له اثنين من ستة، لكنه الآن لم يأخذ إلا واحدًا من ستة؛ لأن الدين مقدم على الوصية.
مسألة: هل يجوز للأب أن يوصي لابنه الكافر؟
الجواب: نقول: الكافر لا يرث من المسلم، فما دام أنه لا يرث فيوصي له، ولكن في بره تفصيل بيّنه الله في سورة الممتحنة، فقال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ وهذا إحسان ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨] وهذه المعاملة بالعدل، فما نُهي الإنسان أن يعامل الكافر بالعدل، أو بالفضل، بشرط ألا يكون ممن يقاتلوننا في الدين.
مسألة: إنسان له دين مؤجل، فهل تقسم تركته أو يقضى الدين المؤجل؟
[ ١ / ٧٧ ]
نقول: إن وَثَّق الورثة برهن مُحرز، أو كفيل مليء، فالدين باقٍ على ما هو عليه لا يَحِل، وإن لم يوثقوه حل الدين ووجب البيع.
ثم قال تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ فلما قسم سبحانه القسمة على ما اقتضته حكمته؛ قطع خط الإعتراض على هذه القسمة بقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾.
فلو قال قائل: إن الآباء أحق من الأبناء؛ لأن برهم واجب، وقال الآخر: إن الأبناء أحق من الآباء؛ لأنهم قصر يحتاجون إلى رعاية في الغالب، فنقول: وراء ذلك كله حكمة الله ﷿، فنحن لا ندري: آباؤنا أو أبناؤنا أيهم أقرب لنا نفعًا.
والآية تعم التفصيل بين الجنس والجنس، وبين الأبناء، فهي تعم المعنيين، فلا تدرون هل الآباء أنفع لكم أو الأبناء؟ ولا تدرون هل الأكبر من الأبناء أنفع أم الأصغر؟ وهل الأقرب من الآباء أنفع أم الأعلى؟
وكثيرًا ما يكون الجد أرأف وأرحم من الأب بأحفاده، وكثيرًا ما يكون الإبن الأصغر أرحم من الإبن الأكبر، فنحن في الحقيقة لا ندري هل الآباء أبر وأنفع لنا أو الأبناء، وهل الأبر من الأبناء فيما بينهم الكبير أو الصغير أو المتوسط، وكذلك بالنسبة للآباء لا ندري، فلما كنا لا نعلم؛ وجب أن نكل الأمر إلى عالمه وهو الله ﷿.
ثم قال تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ قوله: ﴿فَرِيضَةً﴾
[ ١ / ٧٨ ]
مصدر عاملها محذوف، وقد يقال: إنها مصدر نابت عن عاملها، والتقدير على الأول: فرضنا ذلك فريضة، وعلى الثاني نجعل ﴿فَرِيضَةً﴾ هي نفسها العامل، ولا تحتاج إلى عامل ينصبها، فتكون تأكيدًا لما سبق، ويسمى هذا: المصدر المؤكد للجملة التي قبله، ولا يحتاج إلى عامل، قال ابن مالك: كأنت ابني حقًا.
فكلمة "حقًا" ليس لها عامل، لكنها تؤكد الجملة التي سبقتها.
وهذه أيضًا ليس لها عامل، لكن لما قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾ وقسم وقدر، صار هذا المصدر مؤكدًا للجملة التي قبله.
وقوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ الفرض في اللغة: الحز والقطع، يقال مثلًا: فرض اللحم؛ أي: حزه، وفرض العصا: قطعها، وفي الشرع: ما ألزم به الشارع، ولا فرق على القول الصحيح بين ما ثبت بدليل ظني، وبين ما ثبت بدليل قطعي، وقد قال بعض العلماء: ما ثبت بدليل قطعي فهو فرض، وما ثبت بدليل ظني فهو واجب، والصحيح أنه لا فرق، فما دام أنه قد ثبت الإلزام به، فسمه فرضًا أو سمه واجبًا.
وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أي: صادرة منه لا من غيره، فلم يقم بفرضها ملك مقرب ولا نبي مرسل، بل الله وحده هو الذي تولى فرضها.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: كان عليمًا بمن يستحق، وبمقدار ما يستحق، وحكيمًا في وضع الحق في أهله، كمًا وكيفًا، فهو ﷿ له العلم التام، وله الحكمة
[ ١ / ٧٩ ]
التامة، وبالعلم والحكمة تتم الأمور؛ لأن تخلف الأمور سببه أحد أمرين: إما الجهل، وإما السفه، فإذا وجد العلم ارتفع الجهل، وإذا وجدت الحكمة ارتفع السفه، فلما اجتمع في حقه سبحانه العلم والحكمة، انتفى أيّ اعتراض يمكن أن يعترض به على الحكم، ولهذا نجد الجاهل يتخبط في الأحكام؛ لأنه جاهل، ولو كان عنده حسن قصد وحسن إرادة، لكنه جاهل، وتجد العالم السفيه الذي ليس عنده حكمة ترشده إلى ما فيه الخير يتخبط ويتعسف، أما من لديه علم وحكمة فإنه كامل الحُكم، وأحكامه تامة؛ والله سبحانه هو العليم الحكيم.
والعليم والحكيم من أسماء الله ﷿، والعلم إدراك المعلوم على ما هو عليه، فخرج بقولنا: "إدراك المعلوم" من لم يدرك، فهذا جاهل جهلًا بسيطًا، وخرج بقولنا: "على ما هو عليه" من أدرك الشيء على غير ما هو عليه، وهذا جاهل لكن جهله مركب.
والجهل البسيط أهون من الجهل المركب، ونضرب لذلك ثلاثة أمثلة: فلو سأل سائل عن غزوة بدر، فقيل له: وقعت في رمضان في السنة الثانية، فهذا المجيب عالم، ولو أجيب بأنها في السنة الثالثة، فهذا جاهل جهلًا مركبًا، ولو أجيب بـ "لا أدري" فهذا جاهل جهلًا بسيطًا، وهو خير من الجهل المركب. ويقال: إن رجلًا يسمى توما يدعي الحكمة، فقال فيه القائل:
قال حمار الحكيم توما لو أنصف الدهر كنت أركب
لأنني جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركب
فالحمار جاهل لكن جهله بسيط، وتوما صاحبه جاهل مركب، وعلى هذا يقول الشاعر الآخر:
[ ١ / ٨٠ ]
ومن رام العلوم بغير شيخ يضل عن الصراط المستقيم
وتلتبس العلوم عليه حتى يكون أضل من توما الحكيم
تصدق بالبنات على رجال يريد بذاك جنات النعيم
أي: أن توما تصدق على الناس بالنساء بدون عقد نكاح؛ ويظن أن ذلك تقرب إلى الله وصدقة، فهذا هو الجهل المركب.
و"الحكيم" مشتق من الحُكم والحِكمة، فهو ﷿ حاكم، وهو محكم، فعليه تكون "حكيم" بمعنى "فاعل" إذا كانت من الحكم، وبمعنى "محكم" إذا كانت من الحكمة، و"حكيم" يأتي بمعنى محكم، ومنه قول الشاعر:
أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع
فقوله: "السميع" أي: المسمع.
وحكم الله ينقسم إلى قسمين: حكم كوني، وحكم شرعي. فقول أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف: ٨٠] هذا حكم كوني، ولهذا لم يقل: "علي" بل قال: "لي"؛ أي: يُقدر لي ذلك، وقوله تعالى في سورة الممتحنة عندما ذكر أحكام النساء: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] هذا حكم شرعي.
والفرق بينهما يقارب الفرق بين الإرادتين الكونية والشرعية: فما تعلق بما يحبه فأمر به، أو يكرهه فنهى عنه، فهذا شرعي، وما تعلق بتقديره، سواء أحبه أم لم يحبه، فهو كوني، والحكم الكوني لا بد من وقوعه، والحكم الشرعي قد يُمتثل وقد لا يمتثل.
أما على الوجه الثاني في "الحكيم" وهو المحكم، فنقول:
[ ١ / ٨١ ]
الحكمة وضع الشيء في موضعه، وتتعلق بالحكم الكوني والحكم الشرعي، ثم هي إما حكمة باعتبار الصورة المعينة، وإما حكمة باعتبار الغاية، فإذا ضربت اثنين في اثنين صارت أربعة، فالحكمة تتعلق بالحكم الكوني على صورته المعينة وعلى غايته الحميدة، فمثلًا: الحكم الكوني إذا حكم الله ﷿ على أناس بالفقر والمرض والزلازل وما أشبه ذلك، فهذا حكم لا شك أنه متضمن لحكمة، كونه وقع على هذا الوجه حكمة، والغاية منه حميدة، وهذه حكمة ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١].
وقد خلق الإنسان على هذه الصفة لحكمة، خلق قائمًا منتصبًا وغيره على العكس؛ لأن الإنسان له وظائف من قيام وركوع وسجود لا تتم إلا على خلقه على هذا الوجه، فلذلك خلقه الله تعالى قائمًا منتصبًا دون غيره من الحيوانات، فكونه على هذا الوجه حكمة، وكون الغاية من ذلك أداء الوظائف التي كلفه الله بها هذه حكمة أخرى، وهكذا في الشمس والقمر والجبال والأنهار وما أشبه ذلك.
وفي الشرع أيضًا حكمة على الصورة المعينة وحكمة في الغاية، فكون الشرع جاء على هذا الوجه: الصلوات الخمس، وأوقاتها متفرقة، وعددها كذا وكذا، هذا لا شك أنه مطابق للحكمة؛ ولهذا فإن الصلوات كلها مقرونة بتغير الشمس في الأفق، فالفجر عند إقبالها، والمغرب والعشاء عند إدبارها، والظهر والعصر عند توسطها وميلها، فلا بد أن يكون هناك سبب، فهذه حكمة، والغاية من الصلاة حكمة أيضًا.
[ ١ / ٨٢ ]
إذًا: فالحكمة تتعلق بالحكم الكوني والشرعي على الصورة التي هو عليها، وعلى الغاية المقصودة منه، فتكون أربعًا: حكمة في الحكم الكوني باعتبار الصورة التي هو عليها، وحكمة في الحكم الكوني باعتبار غايته، وحكمة في الحكم الشرعي باعتبار الصورة التي هو عليها، وحكمة في الحكم الشرعي باعتبار الغاية المقصودة منه، وكل هذه المعاني الجليلة العظيمة يتضمنها قوله: "حكيمًا"، فأسماء الله في الحقيقة مملوءة من المعاني، وهي حسنى كما وصفها الله ﷿.