* قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾ [النساء: ١٣].
يقول الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ وهذه الجملة مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ اسم الإشارة ﴿تِلْكَ﴾، والخبر ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾، والمشار إليه ما سبق من المواريث في الآية، ويحتمل أن يكون المشار إليه كل ما سبق من الأحكام قبل هذه الجملة، وذلك أن القرآن - وإن كانت آياته مفصلات -، لكنه في الحقيقة كلام واحد من حيث المعنى والسياق، ومعنى قولنا: "كلام واحد": أن بعضه ينبني على بعض، ولهذا اعتنى بعض المفسرين ببيان تناسب الآيات، كما اعتنى بعضهم ببيان تناسب السور، وهذا بحث جيد.
ولو قيل: إن الإشارة تعود إلى أقرب مذكور على حسب القاعدة أن الضمير يعود على أقرب مذكور، وكذلك الإشارة تعود إلى أقرب مذكور، كان المراد بالمشار إليه هنا ما ذكر في هذه الآية: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢].
وقوله: ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ حدود جمع حد: والحد هو الشيء الفاصل بين شيئين، ومنه حدود الأرض يفصل بعضها عن بعض.
وحدود الله ﷿ تنقسم إلى قسمين: حدود واجبات، وحدود محرمات، أما الحدود الواجبات فهي ما أوجبه الله على عباده بشروطها وأركانها وواجباتها، وأما حدود النواهي فهي ما حرمه الله على عباده؛ كالزنى، واللواط، وشرب الخمر، وقتل النفس، وغير هذا، قال أهل العلم: وإذا قال الله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] فهي من حدود الأوامر، وإذا قال:
[ ١ / ١٠٨ ]
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] فهي من حدود النواهي، فالزنى مثلًا نقول: هو حد من حدود الله، فلا تقربه، والصلاة حد من حدود الله، فلا تتعده؛ أي: لا تتجاوزه.
والآية هنا من حدود الأوامر.
ثم قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ هذه الجملة شرطية، واسم الشرط فيها ﴿وَمَنْ﴾، وفعل الشرط ﴿يُطِعِ﴾، وهو مجزوم بالسكون كما هو ظاهر، وأصل ﴿يُطِعِ﴾: يطيع، لكنها حذفت الياء لالتقاء الساكنين؛ لأن العين استحقت السكون بالشرط، والياء ساكنة، وقد قال ابن مالك في الكافية:
إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق وإن يك لينًا فحذفه استحق
وقوله: "لينًا" أي: حرف من حروف اللين الثلاثة، وتنطبق الآية على الثاني، إلا في قوله: ﴿يُطِعِ اللَّهَ﴾ بكسر العين، فتكون على الأول.
إذًا: الآية جمعت بين الوجهين.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قال العلماء: إن الطاعة هي موافقة الأمر، وتكون بفعل الأوامر، واجتناب النواهي، فتارك شرب الخمر امتثالًا لنهي الله ﷿ يقال: إنه مطيع، والمصلي يقال: إنه مطيع، وهذا إذا أفردت الطاعة، فإنها تشمل فعل الأوامر وترك النواهي، وأما إذا قرنت بالمعصية فقيل مثلًا: من أطاع الله، ومن عصى الله؛ كانت الطاعة في الأوامر خاصة، والمعصية في النواهي، والآية التي معنا من النوع الثاني، إذًا: المراد بها القيام بالأوامر.
[ ١ / ١٠٩ ]
وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ عطف اسم الرسول ﵊ أو وصفه على اسمه تعالى؛ لأن طاعة الرسول من طاعة الله، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
وقوله: ﴿وَرَسُولَهُ﴾ المراد به حين نزول القرآن رسول معين، وهو محمد - ﷺ -، وأما حين قيام الشرائع السابقة فالمراد بالرسول من كانت شريعته قائمة، ففي عهد المسيح يكون المراد بالرسول عيسى، وفي عهد موسى يكون المراد بالرسول موسى وهكذا، لكن بعد بعثة الرسول - ﷺ - يكون المراد بالرسول محمدًا - ﷺ -.
وقوله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿يُدْخِلْهُ﴾ جواب الشرط، وهو مجزوم بالسكون، والقاعدة ومقتضى الدلالة العقلية: أن الشرط يترتب على المشروط، فالشرط الطاعة، والمشروط الجزاء والثواب، فالمشروط يترتب على الشرط ترتبًا عقليًا، فهنا يكون قوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ هو المشروط الذي اشترطه الله ﷿ لمن أطاعه، فتكون نتيجة حتمية ضرورة لصدق المخبر به؛ لأن المخبر به هو الله، وهو أصدق القائلين، والمخبر به قادر على فعله، ولهذا فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد: ٣١]؛ لأنه كامل الصدق، كامل القدرة، وإخلاف الوعد يأتي من أحد أمرين: إما الكذب؛ أي: كذب الواعد، وإما العجز وعدم القدرة، والله ﷿ لا يخلف الميعاد.
وقوله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ جنات: جمع جنة، وهي في الأصل: البستان الكثير الأشجار،
[ ١ / ١١٠ ]
وسمي بذلك لأنه يستر من كان فيه لكثرة أشجاره، وهذه المادة "الجيم والنون" تدل على الستر، ومنها: "الجَنَان" وهو القلب؛ لأنه مستتر، و"الأجنة" وهي الأحمال في بطون الأمهات؛ لأنها مستترة، و"الجن"؛ لأنهم مستترون، و"الجُنة" ما يستتر به المقاتل؛ لأنها تستره، فهذه المادة كلها تدور على هذا المعنى، فالجنات: هي البساتين الكثيرة الأشجار، ولكنه لا يحسن أن نفسرها في هذا الموضع بهذا المعنى؛ لأنها إذا فسرت بهذا المعنى فكأنما حصر مدلولها بما يعرفه الناس، وسوف يقلل من أهمية الجنة الموعود بها.
ولهذا ينبغي أن تفسر بأنها الدار التي أعدها الله لأوليائه، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فإذا فسرت بهذا التفسير بقيت هيبتها في النفوس، لكن لو فسرت بالمعنى الأول؛ لتوهم الإنسان وقال: هذا كبستان فلان ابن فلان، كثير الأشجار، وكثير النخيل، وما أشبه ذلك.
والجنة أعظم مما في الدنيا بأضعاف مضاعفة، لا يعلمها إلا الله، قال ابن عباس ﵄: "ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء" (^١)، وإلا فالحقائق تختلف، كما قال الله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]، وفي الحديث القدسي: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا
_________________
(١) رواه البيهقي في البعث والنشور، باب ما جاء في طعام أهل الجنة وشرابهم وفاكهتهم (٣٢١)؛ ورواه أبو نعيم الأصبهاني في باب ذكر اتفاق ما فيها من النعيم (١١٩).
[ ١ / ١١١ ]
أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" (^١).
وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الجريان معروف، وهو سير الماء على الأرض، وقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت هذه الجنات، فهي أشجار وارفة الظل، والأنهار تجري من تحتها، ولو تخيل الإنسان هذا النعيم، لوجده أكبر نعيم، وهذه الأنهار قد فسرها الله ﷿ في سورة القتال بقوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]، فليس هو عسل نحل، إنما عسل مصفى، خلقه الله هكذا، ولبن ليس كلبن البقر أو الغنم، بل خلقه الله ﷿ أنهار، وكذلك الماء لا يأسن أبدًا مهما طالت مدته، بخلاف ماء الأرض فإنه يأسن وتتغير رائحته بطول المكث، والخمر لذة، ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ [الصافات: ٤٧].
وقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قال العلماء: إنها تجري من تحتها، ولا تحتاج إلى بناء يمنع تسرب الماء، ولا إلى حفر أخدود، بل تسير هكذا حيثما أردت، قال ابن القيم في النونية:
أنهارها في غير أخدود جرت سبحان ممسكها عن الفيضان
فهي أنهار لا تحتاج إلى حفر سواقي، ولا إلى إقامة أخدود، بل تجري هكذا على الأرض، وقال أهل العلم أيضًا: إنها تجري حيثما أراد الإنسان، من دون أن يحتاج إلى مواد البناء ونحوها، بل يريدها بقلبه أو يأمرها بلسانه .. اللهم اجعلنا من أهلها.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، حديث رقم (٣٠٧٢)؛ ومسلم أول، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، حديث رقم (٢٨٢٤) عن أبي هريرة.
[ ١ / ١١٢ ]
وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ خالدين: حال من الضمير في قوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾، لكن يشكل عليه أن الحال كالنعت، والنعت يتبع المنعوت في إفراده وتثنيته وجمعه، وهنا صاحب الحال مفرد والحال جمع، فما هو الجواب عن ذلك؟
الجواب عن ذلك: أن نقول: إن صاحب الحال عائد على "من" الشرطية، و"من" الشرطية يجوز فيها مراعاة لفظها ومراعاة معناها، فإن راعيت اللفظ أعدت الضمير إليها مفردًا، وإن راعيت المعنى أعدت الضمير إليها جمعًا، وكذلك ما يشبه الضمير من الحال والصفة وما أشبهه، فيجوز مراعاة المعنى ومراعاة اللفظ، فهنا يقول الله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ فراعى اللفظ في قوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾ والمعنى في قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾، ويجوز أن تراعي اللفظ والمعنى وتعود مرة ثانية لمراعاة اللفظ، قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]، فراعى في الأول اللفظ، ثم راعى المعنى، ثم راعى اللفظ، وهذا جائز في اللغة العربية.
وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ قال العلماء: الخلود هو المكث الدائم، إلا أن يدل دليل على أنه مؤقت، فيراد به المكث الطويل، وإلا فالأصل أن الخلود هو الدوام، لكن إن وجد دليل يدل على أن المراد به طول المكث؛ عمل به.
وقوله: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ المشار إليه ما ذكر من هذا الثواب الذي أعده الله لمن أطاعه.
[ ١ / ١١٣ ]
﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الفوز معناه: الربح، يقال: فاز فلان، بمعني: ربح، والعظيم: معناه: ذو العظمة، والعظمة: هي ضخامة الشيء، وجلالة الشيء، وكثرة الشيء أيضًا، ومعلوم أن نعيم الجنة يتصف بالضخامة والجلالة والدوام، فهو أعظم فوز، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
وإعراب هذه الجملة: "ذا" اسم إشارة مبتدأ.
﴿الْفَوْزُ﴾ خبر المبتدأ.
﴿الْعَظِيمُ﴾ صفة للفوز.
ولو قال قائل: إن ﴿الْفَوْزُ﴾ بدل، أو عطف بيان، أو نعت لـ "ذلك"، ويكون المعنى: وذلك الفوز هو العظيم؛ لكان صالحًا، لكن الإعراب الأول أحسن.
ويذكر أن الزمخشري - وهو من المعتزلة - قال تعليقًا على قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ قال: أيُّ فوز أعظم من أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة؟ ! والإستفهام هنا بمعنى النفي؛ أي: لا فوز أعظم من ذلك، وقال بعض المحشين عليه والمتعقبين له: إنه أراد بذلك نفي رؤية الله ﷿؛ لأن رؤية الله أعظم من الجنة وما فيها، وأعظم فوزًا، والله أعلم بمراده.
فمن نظر إلى اللفظ قال: إنه لا دلالة فيه في الواقع؛ لأن من لازم دخول الجنة النظر إلى وجه الله، ومن عرف حال الرجل وأنه معتزلي - ولكنه ذكي - قال: لعله أراد ذلك، ولو وقعت مثل هذه العبارة من شخص معروف بأنه يؤمن برؤية الله ﷿، لما
[ ١ / ١١٤ ]
فسرناها بهذا التفسير، ونقول: إنه أراد نفي الرؤية، لكن من عرف حاله لم يستبعد أن يكون هذا مراده.