١٦ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم، فبالمغفرة زوال المكروه، وبالرحمة حصول المطلوب، والمغفرة للذنوب والرحمة للحسنات، فيرفع الله بها الدرجات، ومن هذين الإسمين نأخذ صفتين هما: المغفرة والرحمة؛ لأن من طريقة أهل السنة والجماعة: أن كل اسم من أسماء الله دال على ذات الله والصفة المشتقة منه، فالغفور دال على الذات وعلى الصفة، وهي المغفرة، والرحيم دال على الذات وعلى الصفة، وهي الرحمة.
وقد قسم العلماء - ﵏ - الرحمة إلى قسمين: عامة وخاصة:
فالعامة: هي الشاملة لجميع الخلق، ولكنها رحمة لا تتصل بها رحمة الآخرة، إنما يتصل بها عدل الآخرة، وهذه للكافرين والمؤمنين.
والخاصة: هى الرحمة الخاصة بالمؤمنين، وهذه تتصل فيها الرحمة في الآخرة بالرحمة في الدنيا، فيكون الإنسان مرحومًا فيهما؛ أي: في الدنيا والآخرة.
ومن الرحمة العامة: قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣].
ومن الرحمة الخاصة: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً
[ ١ / ١٩٦ ]
وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾ [النساء: ٢٤].
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: وحرمت عليكم المحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم.
وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ اسم مفعول من فعل رباعي وهو "أحصن"؛ لأن اسم المفعول يكون فعله مبنيًا للمفعول، والإحصان يطلق على عدة معانٍ: فيطلق على الحرائر، ويطلق على العفيفات، ويطلق على المتزوجات، وكل هذا جاء في القرآن، قال الله تعالى في الأول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] فالمراد بالمحصنات هنا الحرائر، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣] والمراد بالمحصنات هنا: العفيفات عن الزنا.
ومن الثالث - أي: المتزوجات - هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
فإن قال قائل: مثل هذه الألفاظ المشتركة لعدة معانٍ كيف نعرف تعيين المعنى المقصود من هذه المعاني؟
فنقول: نعرفه بالسياق، فإن لم يكن سياق يعيِّن، فالصحيح أنه يجوز استعمال الإسم المشترك في جميع معانيه، ويكون شاملًا لها، كما يشمل اللفظ العام جميع أفراده، فاللفظ المشترك بين معنيين فأكثر يكون عامًا للمعنيين إذا لم يوجد قرينة تعين أحدهما.
ولننظر الآن في هذه الأمثلة الثلاثة السابقة:
[ ١ / ١٩٧ ]
فالمثال الأول على أن المراد بالمحصنات: الحرائر، والسياق الذي يعين ذلك هو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] إذًا: المحصنات غير مملوكات، فهن حرائر.
المثال الثاني على أن المراد العفيفات قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣] ويعينها قوله: ﴿الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: غافلات عن الزنا، ولم يطرأ لهن على بال، فهن عفيفات.
والمثال الثالث على أن المراد المتزوجات، وليس في اللفظ الذي في الآية الكريمة ما يعين المراد، لكن السنة جاءت به، فالمسألة وقعت في شيء معين، وهو المرأة المسبيِّة في القتال مع الكفار، إذا كانت ذات زوج ثم ملكها المسلمون فإنها تحل؛ لانفساخ نكاح زوجها الأول بسبيها.
إذًا: معنى المحصنات هنا: المتزوجات اللاتي يسبين في الجهاد في قتال الكفار، فإذا سبين في الجهاد صرن ملكًا للسابي، وحينئذ تحل له.
أما قتال المؤمنين فإنه لا سبي للنساء، ولو كان قتالًا محرمًا؛ كأهل البغي مثلًا، فإن نساءهم لا يسبين، لكن المراد نساء الكفار.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: فإنهن حلال، لكن يجب أن يلاحظ أنهن حلال ما لم يكن من المحرمات، فقد تكون أخت الإنسان، أو عمته، أو ما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿كِتَابَ﴾ قيل: إنه مفعول لفعل
[ ١ / ١٩٨ ]
محذوف؛ أي: الزموا كتاب الله عليكم؛ أي: الزموا فريضة الله عليكم ولا تتجاوزوها؛ لأن الكتاب هنا بمعنى مكتوب أي: مفروض، والكَتْب يأتي بمعنى الفرض، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وأكد الله ذلك لأهميته، ويحتمل أن يكون "كتاب الله" مصدرًا لفعل محذوف؛ أي: كُتِب كتاب الله عليكم، فيكون مصدرًا لفعل محذوف دل عليه السياق، ولكن المعنى الأول كأنه أوضح.
فقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: فرضه، فهو مفروض عليكم.
وقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، وفي قراءة سبعية "أَحَلَّ" فالقراءة السبعية "أَحَلَّ" أليق بالسياق في قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، والقراءة الأخرى السبعية "أُحِلَّ" أليق بالسياق في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فإن: "حُرم" مبني للمفعول، و"أُحل" مبني للمفعول، فيكون هناك تناسب بين اللفظين الدالين على هذين الحكمين.
وعلى كل حال: فالقراءة التي فيها البناء للمفعول حذف الفاعل لأنه معلوم؛ لأن الخلق أو الشرع إذا بني للمفعول فإنما ذلك للعلم بالفاعل؛ لأنه لا خالق إلا الله، ولا شارع إلا الله ﷿.
وقوله: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ﴿مَا وَرَاءَ﴾ هنا بمعنى: دون، أو سوى، والمعنى: ما سوى ذلك فهو حلال، وهذا لفظ عام، فإن ﴿مَا﴾ اسم موصول للعموم، فتشمل كل ما سوى ذلك.
وحينئذ نرجع إلى الآية لننظر هل العمة من الرضاع حلال؟ وهل ذكرت في الآية؟
[ ١ / ١٩٩ ]
والجواب: أن نقول: قال النبي - ﷺ -: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (^١)، فيكون هذا الحكم مما جاءت به السنة، وما جاء عن رسول الله فهو كما جاء عن الله، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] ومن يعص الرسول فقد عصى الله، فتحريم العمة من الرضاع والخالة من الرضاع يستفاد من السنة.
إذًا: قوله تعالى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ دخله تخصيص، وهو العمة من الرضاع، والخالة من الرضاع.
وكذلك لو جمع الإنسان بين المرأة وعمتها فإنه لا يجوز، وهذا مما جاءت به السنة: "لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها" (^٢)، والله تعالى يقول: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، ولا شك أن بين الأختين من الروابط ما ليس بين غيرهما، فنقول:
إذًا: هنا أربع محرمات: العمة من الرضاع، والخالة من الرضاع، والجمع بين المرأة وعمتها، والجمع بين المرأة وخالتها، وكل ذلك مما جاءت به السنة، فيكون مخصصًا لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
وتحريم الجمع بين الأختين إلى أن تموت الزوجة أو تطلق، فإذا طلقت طلاقًا رجعيًا وجب الإنتظار بالإجماع حتى تنتهي العدة، وإذا كان الفراق بائنًا بطلاق ثلاث، أو طلاق على عوض، أو فسخ، فالمشهور من مذهب الحنابلة أنه يجب الإنتظار حتى تنتهي العدة؛ لأنها إلى الآن مشغولة بحق من حقوق الزوج.
_________________
(١) تقدم ص ١٧٩.
(٢) تقدم ص ١٧٩.
[ ١ / ٢٠٠ ]
وقال بعض العلماء: إذا كان الفراق بائنًا بفسخ أو طلاق على عوض، أو طلاق ثلاث، فإنه يصح أن يتزوج أختها؛ لأنها الآن ليست زوجة له، والله تعالى يقول: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، والآن ليس هناك جمع، فقد بانت منه، ولو قال قائل بالتفريق بين البينونة الكبرى والصغرى لكان له وجه، بأن يقال: إن كانت بائنًا بطلاق ثلاث، أو بفرقة لعان، فإنه يجوز أن يتزوج أختها بمجرد الفراق؛ لأنه لا يمكن أن يرجع إليها، وإن كانت البينونة بغير ذلك؛ كالطلاق على عوض، والفسخ، فإنه لا يتزوجها؛ لأنه في هذه الحال يمكنه أن يراجعها بعقد، فلو قال قائل بهذا لكان له وجه، وكان بعض قول من يقول بالجواز مطلقًا، لكن الجواز مطلقًا أقرب إلى القواعد؛ أي: إذا كان الطلاق بائنًا سواء كان مما يمكن الرجوع فيه أو لا، فإنه يحل له أن يتزوج أختها؛ لأنه لم يجمع بين الأختين.
مسألة: هل يجوز أن يجمع بين عمتين، كل واحدة عمة للثانية؟ وكذلك هل يجوز أن يجمع بين خالتين، كل واحدة خالة للثانية؟
نقول: الجمع بينهما حرام؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، فإذا كان لا يجوز الجمع بين المرأة وبنت أخيها، فكذلك بين المرأة وعمتها التي كل واحدة عمة للأخرى، فالحكم ليس فيه إشكال، لكن التصوير هو الذي قد يستبعده الإنسان، وهو أدنى من شراك نعله، وهو أن يتزوج رجلان كل واحد منهما أم الآخر، فتكون بنتاهما عمتين، وإذا تزوج كل واحد بنت الآخر صارتا خالتين.
[ ١ / ٢٠١ ]
ومعنى قوله: ﴿وَأُحِلَّ﴾ بمعنى: أباح لكم، ولم يلحقكم حرج، ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أي: ما وراء هذه المذكورات، فالإشارة لما سبق، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ هذه هي اللغة الفصحى، فإذا جاء اسم الإشارة مقرونًا بكاف الخطاب فيراعى فيه المخاطب، فإن كان مفردًا مذكرًا فهو مفرد مفتوح، مثل: "ذلكَ"، وإن كان مفردًا مؤنثًا فهو مفرد مكسور، مثل "ذلكِ"، وإن كان مثنى فهو بالتثنية مثل: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف: ٣٧]، وإن كان لجماعة الذكور فهو لجماعة الذكور ﴿ذَلِكُمْ﴾، وإن كان لجماعة الإناث فهو لجماعة الإناث "ذلكن" ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]، وهنا قال: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ فالخطاب لجماعة الذكور.
وجاء فيه لغة أخرى بالإفراد والفتح للمذكر مطلقًا، مفردًا كان أو مثنى أو جمعًا، وبالكسر للمؤنث مطلقًا، مفردًا كان أو مثنى أو جمعًا، وهناك لغة ثالثة بالفتح مطلقًا، ووجهها: أن المخاطب شخص، فصح أن تأتي بلفظ الإفراد والتذكير، وأما الثانية فوجهها: مراعاة المعنى دون مراعاة المخاطب، فالمذكر مفتوح، والمؤنث مكسور، وأما اللغة الفصحى فالأمر فيها واضح.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾: ﴿أَنْ﴾ مصدرية، ولهذا نصب الفعل ﴿تَبْتَغُوا﴾ بها فحذفت النون، والمعنى: أحل لكم بهذا الشرط، وهو أن تبتغوا بأموالكم؛ أي: تطلبوا النكاح بأموالكم، والمال: كل ما يُتَمَّول من أعيان ومنافع.
وقوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ ﴿مُحْصِنِينَ﴾ حال من فاعل ﴿تَبْتَغُوا﴾؛ أي: حال كونكم محصنين؛ أي: محصنين لفروجكم،
[ ١ / ٢٠٢ ]
محصنين لفروج زوجاتكم، والإحصان في اللغة: المنع، ومنه سمي "الحصن" للقصر المنيع؛ لأنه يحصن ما فيه، والنكاح الشرعي سبب لمنع الزنا، قال النبي - ﷺ -: "يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج " (^١).
وقوله: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ المسافحة: مفاعلة من السفح، وهو: الزنا. وسمي الزنا سفاحًا؛ لأن المقصود به سفح الماء؛ أي: نيل الشهوة، فالزاني لا يريد أولادًا، ولا يريد العشرة، وإنما يريد أن يسفح هذا الماء الذي ضيق عليه حتى تبرد شهوته، والسفح في الأصل: هو الصب والدفق، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥].
وقوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ﴾ أي: بالعقد ﴿مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: أعطوهن أجورهن، والأجور هنا: جمع أجر وهو المهر؛ أي: المال الذي طلبتموهن به، والمعنى: فإذا ابتغيتم بأموالكم وعقدتم النكاح؛ فأعطوهن أجورهن، وسمي المهر أجرًا؛ لأنه في مقابلة منفعة، فهو كالرجل يستأجر أجيرًا ليبني له بيتًا فيعطيه أجره، وكذلك الزوج مع زوجته، وسيأتي - إن شاء الله - التنبيه على شيء من النكتة في قوله: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ عند ذكر الفوائد.
وقوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ أي: حال كونها - أي: الأجور - ﴿فَرِيضَةً﴾، بمعنى: مفروضة؛ أي: ما فرضتم من المهور فأعطوهن.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة، حديث رقم (١٨٠٦)؛ ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، حديث رقم (١٤٠٠) عن ابن مسعود.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ أي: لا إثم عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة بزيادة أو نقص، فإذا سمى المهر وفرضه، وعرفت الزوجة نصيبها، فلا جناح عليه ولا عليها فيما تراضيا به من بعد الفريضة بزيادة أو نقص، فقد تعفو المرأة عن شيء مما فرض لها، أو عن كل ما فرض لها، وقد تطلب الزيادة ويعطيها الزوج، فكل هذا لا بأس به؛ لأن الله قال: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ هذه الجملة مؤكدة بـ: ﴿إِنَّ﴾ و: ﴿كَانَ﴾؛ لأن "كان" مسلوبة الزمان هنا، فتفيد الثبوت والتحقق، وعلم الله ﷿ واسع كامل لم يسبق بجهل، ولا يلحقه نسيان، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، لا في الحاضر، ولا في الماضي، ولا في المستقبل.
وقوله: ﴿حَكِيمًا﴾ أي: ذا حكمة، والحكمة: هي وضع الشيء في موضعه، سواء كانت مما يتعلق بالقدر، أو مما يتعلق بالشرع، فإن أقدار الله ومشروعات الله كلها حكمة، ولكن معنى "حكيم" أوسع من كونه دالًا على الحكمة، بل هو دال على الحكمة والإحكام، ودال على الحكمة والحكم، فمعنى "حكيم" أي: حاكم محكِم، من الإحكام الذي هو الحكمة.
ثم إن حكم الله سبحانه ينقسم إلى قسمين: كوني وشرعي، والحكمة والإحكام حكمة في صورة الشيء، وحكمة في غاية الشيء والمراد منه، وكل ذلك ثابت من قوله: ﴿حَكِيمًا﴾، وعلى هذا فتكون أربعة أقسام: حكم كوني، وحكم شرعي، وإحكام في صورة الشيء، وإحكام في غاية الشيء.
[ ١ / ٢٠٤ ]
ووجه ختم الآية بهذا هو أن هذه أحكام عظيمة، فدل هذان الإسمان الكريمان على أن هذه الأحكام صادرة عن علم تام بما يصلح الخلق، وعن إحكام تام.