وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك؛ أخطأ من شدة الفرح" (^١).
٦ - إثبات اسمين من أسماء الله، وهما العليم والحكيم، وما تضمناه من الوصف، فالعليم تضمن العلم، والحكيم تضمن الحكم والحكمة؛ لأنه مشتق من الحكم والحكمة.
٧ - اقتناع الإنسان بما يجري الله ﷿ من حكم شرعي وحكم كوني.
وجه ذلك: أن ما يجريه الله ﷿ من الأحكام مقرون بالحكمة، وإذا علمت ذلك اقتنعت، سواء كان هذا في الأحكام الكونية أو في الأحكام الشرعية، حتى المصائب التي تنال العباد لا شك أن لها حكمة ينبغي أن يقتنع الإنسان بوجودها، ولا يعترض على الله تعالى بها.
٨ - مراقبة الله في السر والعلانية، وتؤخذ من ثبوت صفة العلم؛ لأنك متى علمت أن الله عالم بك، فإن ذلك يوجب لك مراقبة الله سبحانه، فلا يفقدك حيث أمرك ولا يجدك حيث نهاك.
٩ - الإشارة إلى التوبة، وقد سبق أن شروط التوبة خمسة.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٧ - ٢٨].
_________________
(١) الحديث بتمامه عند مسلم، كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها، حديث رقم (٢٧٤٧)، وهو عند البخاري مختصرًا، كتاب الدعوات، باب التوبة، حديث رقم (٥٩٥٠) عن أنس بن مالك.
[ ١ / ٢٤٤ ]
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾:
قد يقول قائل: هذا مع ما قبله تكرار؛ لأنه قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ﴾ ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ فكيف قال: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾؟
والجواب: نقول: الفائدة من ذلك شيئان:
الأول: التوكيد، وإذا أكد الله ﷿ أنه يريد التوبة علينا، فإن ذلك مما يسرنا ويزيدنا نشاطًا في التعرض لتوبة الله ﷿.
الفائدة الثانية: التوطئة لقوله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ فهي: تمهيد وتوطئة لما ذكر بعدها، وهو أن الله له هذه الإرادة، وللذين يتبعون الشهوات تلك الإرادة، ولهذا كررها: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ يشمل الكافر والفاسق؛ لأن الكافر يريد الشهوات ويتبعها، والفاسق كذلك، قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم: ٥٩، ٦٠]، فالذين يتبعون الشهوات هم الكفار والفساق.
قوله: ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ أي: تنحرفوا عما يريد الله سبحانه بكم من أسباب التوبة، وهي فعل الأوامر وترك النواهي، فالله يريد شيئًا وهم يريدون شيئًا بخلافه.
ثم قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ الإرادة هنا شرعية، وليست كونية؛ لأن الله يقدر على العبد أشياء تثقل عليه العبادات بسببها، لكنه شرعًا لا يريد منا أن نشق على أنفسنا، بل إنه لما قال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: لأصومن النهار، ولأقومن الليل ما عشت، نهاه الرسول ﵊، وقال: "إن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لزورك عليك حقًا" (^١).
وقال ﵊ فيما صح عنه أيضًا: "اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا" (^٢) فالإرادة إذًا إرادة شرعية.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾: التخفيف ضد التثقيل، وتخفيفه سبحانه تخفيف في الأوامر وتخفيف في النواهي، أما التخفيف في الأوامر فإن الله سبحانه لما ذكر ما يجب علينا من طهارة الوضوء والغسل والتيمم قال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وكذلك خفف في النواهي فقال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] أي: فليس بحرام، وهذا تخفيف على العباد ولله الحمد.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الصوم، باب حق الجسم في الصوم، وباب صوم الدهر، حديث رقم (١٨٧٤، ١٨٧٥)؛ ومسلم، كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوت به حقًا ..، حديث رقم (١١٥٩).
(٢) هذا اللفظ عند أبي داود، كتاب الصلاة، باب ما يؤمر به من القصد في الصلاة، حديث رقم (١٣٦٨)، وهو بمعناه عند البخاري، كتاب الصوم، باب صوم شعبان، حديث رقم (١٨٦٩)؛ ومسلم كتاب، باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره، حديث رقم (٧٨٢).
[ ١ / ٢٤٦ ]
ثم قال: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾: الواو هنا يحتمل أن تكون استئنافية لبيان حال الإنسان الموجبة للتخفيف، ويحتمل أن تكون الواو للحال، والجملة على تقدير قد؛ أي: وقد خُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا.
وعلى الإحتمالين فالجملة فيها نوع تعليل لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ كأن قائلًا يقول: ولماذا أراد ذلك؟ فقال: لأن الإنسان خلق ضعيفًا؛ أي: خلقه الله ﷿ ضعيفًا في كل أموره: ضعيفًا في جسمه، ضعيفًا في إرادته، ضعيفًا في علمه، ضعيفًا في كل شيء، والدليل على ذلك أنه لا يتحمل البرودة في الشتاء، ولا الحر في الصيف، ولا الأتعاب، فهو ضعيف؛ فكانت الشرائع مناسبة لحاله.
وتأمل الفرق بين قوله هنا: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾، وبين قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]!
فالشيطان في كيده العظيم ضعيف، فإذا كان كيد الشيطان ضعيفًا، فإن هذا يقتضي منا أن نكون أقوياء على الشيطان وإن كنا ضعفاء؛ لأن الشيطان كيده ضعيف، ونحن وإن كنا ضعفاء لكن يجب أن نكون أقوى منه، وأن نثق بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦].
وقوله: ﴿ضَعِيفًا﴾: منصوبة لأنها حال، حيث إنها وصف بعد معرفة، والوصف بعد المعرفة حال، والوصف بعد النكرة نعت؛ أي: صفة.