ويؤيد هذا قول الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ [الجن: ١٠].
ويؤيده أيضًا ما في سورة الفاتحة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فأضاف النعمة إلى الله، وقال في الغضب: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، ولم يقل: الذين غضبت عليهم، مع أن أول من غضب عليهم هو الله ﷿.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾: النداء - كما سبق - يدل على العناية بما جاء في الخطاب، ووجه ذلك: أن النداء تنبيه للمنادى، فإنه يُفرَّق بين أن يأتي الخطاب مرسلًا وبين أن يأتي مصدرًا بالنداء.
وتوجيه النداء إلى المؤمنين بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يفيد الإغراء بالتزام هذا الخطاب أو بالتزام مدلول هذا الخطاب، ووجه ذلك: أن وصف الإنسان بالإيمان يحمله على الإمتثال، ويفيد أيضًا أن امتثال هذا الشيء من مقتضيات الإيمان، ويفيد أيضًا أن مخالفة ذلك نقص في الإيمان.
فقوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا النداء يجب علينا أن نعتني به وأن ننتظر ما سيوجهنا الله إليه، كما جاء عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: "إذا قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
[ ١ / ٢٥٠ ]
﴿آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك، فإما خير تؤمر به، وإما شر تنهى عنه" (^١).
وهنا جاء النهي: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، فإن ﴿لَا﴾ هنا ناهية، فجزم الفعل بعدها بحذف النون.
وقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ أي: ما تتمولونه من قليل أو كثير، من عروض أو نقود، من ديون أو أعيان، فهي عامة لكل الأموال.
وقوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أي: في التعامل؛ لأن أكل المال لا بد أن يكون بين اثنين فصاعدًا، أما إذا كان من واحد فهذا قد أكل مال نفسه.
قوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ الباطل في اللغة: الضائع سدى، والهالك الذي ليس فيه خير.
والمراد بالباطل هنا ما خالف الشرع؛ لأن الشرع حق وما خالفه باطل، والمعنى على هذا: لا تأكلوا أموالكم بينكم على وجه يخالف الشرع، مثل الربا والغش والكذب والتدليس، وما أشبه ذلك.
قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ﴾، إلا: أداة استثناء، لكن المراد بها الإستدراك، يعني: لكن إن كانت تجارة بينكم عن تراض منكم فهذا لا بأس به، وإنما قلنا إن الإستثناء منقطع؛ لأن قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ليس من جنس الأكل بالباطل، بل هو أكل بحق، والإستثناء المنقطع هو أن يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه.
_________________
(١) رواه ابن المبارك في الزهد والرقائق، باب التحضيض على طاعة الله ﷿ (٣٨)؛ وابن أبي حاتم في تفسير سورة البقرة قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وأورده ابن كثير في تفسيره (١/ ٩١، ٢٠٦).
[ ١ / ٢٥١ ]
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ فيها قراءتان سبعيتان "تِجَارَةٌ" بالرفع، و"تِجَارَةً" بالنصب، أما على قراءة الرفع فلا إشكال فيها، والمعنى: إلا أن تحدث تجارة بينكم، وهنا تكون "كان" تامة لا ناقصة، وأما على قراءة النصب فإن "كان" ناقصة، و"تجارة" خبرها، واسمها مستتر، وحينئذ يُشكِل أن يكون الإسم مستترًا، وتقديره "هي" مع أن الأكل من قوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ مذكر، إذ لا يصح أن أقول: إلا أن تكون الأكل تجارة.
ولكن ها هنا فائدة؛ وهي أنه إذا توسط الضمير أو اسم الإشارة بين شيئين الأول مذكر والثاني مؤنث أو بالعكس، فإنه يجوز مراعاة الأول أو الثاني، فجاز أن يُذَكِّر باعتبار مرجعه السابق، وأن يؤنث باعتبار مرجعه اللاحق، فهنا أُنثَ باعتبار مرجعه اللاحق، يعني: إلا أن تكون التجارة التي تأكلون بها الأموال تجارة عن تراض منكم.
والتجارة: هي التبادل بين الناس من أجل الربح، ومنه قول الفقهاء: "عروض التجارة"، أما ما يهدى أو يرهن أو يعار فهذا ليس بتجارة، وكذلك ما اشتري لدفع الحاجة كشراء الخبز للأكل، فهذا ليس بتجارة؛ لأن الإنسان لا يقصد به الربح.
وحينئذ يبقى في مدلول الآية إشكال: وهو أنه إذا كانت المعاملات بغير قصد التجارة أكثر من التجارة، فلماذا لم يذكرها؟
فقيل: إنها لم تذكر لأن الغالب في تعامل الناس هو التجارة، وهي التي يقع فيها المشاحة، وأما غيرها: فالإهداء يصدر عن طيب نفس من المهدي، وكذلك العارية، وكذلك
[ ١ / ٢٥٢ ]
الرهن، وما اشتري للحاجة فالغالب أنه لا يحصل فيه تشاحن؛ لأن الإنسان يقصد به دفع الحاجة لا حصول الربح، فلهذا ذكرت التجارة، وإلا فمن المعلوم أن العقود التي تقع عن تراض أكثر من عقود التجارة.
قوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾:
عن تراض: الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: صادرة عن تراض منكم، أو: حاصلة عن تراض منكم. و﴿تَرَاضٍ﴾ هنا صيغة تفاعل يتبين بها أن المراد التراضي من الطرفين: الآخذ والمعطي.
وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ يعني: صادر منكم أنتم أيها المتعاملون لا من غيركم، فلو رضي الأب ببيع مال ابنه والإبن لم يرض والملك للإبن، فلا عبرة برضا الأب.
ثم قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: القتل معروف، وهو إزهاق النفس، ولكن قوله: ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ هل المراد بذلك نفس القاتل ويكون هذا بمعنى الإنتحار، أو المراد بأنفسكم: إخوانكم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]، فإن الإنسان لا يلمز نفسه إنما يلمز أخاه، فأيهما المراد؟
نقول: الآية شاملة لهذا وهذا، فلا يقصر على من يقتل نفسه ولا على من يقتل غيره.
فإن كان المراد: لا تقتلوا أنفسكم أنتم، فلا إشكال في الآية، وإن كان المراد: لا تقتلوا غيركم، فنقول: عبر عن الغير بالنفس؛ لأن المؤمن مع أخيه كالجسد الواحد، كما ضرب لذلك النبي - ﷺ - مثلًا: "إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد
[ ١ / ٢٥٣ ]
بالحمى والسهر" (^١).
وأيضًا فالتعبير عن الأخ بالنفس فيه إغراء وحث، يعني: كأنه هو نفسك، ففيه إغراء للإنسان عن تجنب قتل الغير، وحمل له على التحنن على أخيه.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ الجملة تعليل لما قبلها، فهي تعليل للحكمين: أكل الأموال وقتل النفوس.
فالله سبحانه بنا رحيم، ومن رحمته: النهي عن أكل الأموال بيننا بالباطل، والنهي عن قتل أنفسنا، فإن هذا من رحمة الله بنا، وجهه في الأول: أن أكل الأموال بالباطل يؤدي إلى التشاحن والنزاع، وربما يؤدي إلى الصدام المسلح. وقتل النفس واضح.
وقوله: ﴿بِكُمْ﴾ الخطاب يعود إلى المؤمنين؛ لأنه يخاطب المؤمنين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
ولم يرد في القرآن إضافة الرحمة إلى الله تعالى منسوبة إلى الكافرين، فالرحمة التي اتصف الله بها إما أنها ذكرت في القرآن على سبيل العموم، أو على سبيل الخصوص بالمؤمنين، أما على سبيل الخصوص بالكافرين فلم ترد.