* قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾ [النساء: ٣٢].
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾ لا ناهية، وجزم الفعل بها بحذف النون، وقوله: "ما فَضَّل" مفعول تتمنوا، والتمني: هو الطمع فيما يتعسر نيله أو يتعذر نيله، كقول الشاعر:
ألا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب
فهذا طمع فيما يتعذر نيله، وقول الفقير: يا ليت لي مالًا فأتصدق منه، فإذا طمع فيما يتعسر نيله.
وقد يطلق التمني ويراد به مطلق الرجاء، بأن يطمع الإنسان في أمر يسهل نيله وإن كان لا يحصله، ولكنه يسهل نيله لو شاء الله، فقوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾ أي: لا تطمعوا في أمر فضل الله به بعضكم على بعض.
وقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ﴾ أي: زاد ﴿بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، سواء كان ذلك في العلم، أو في المال، أو في الولد، أو في الجاه، أو في الملك، أو في غير ذلك، فلا تتمن ما فضل الله به غيرك عليك؛ لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
ثم قال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾: وذلك النصيب هو ما يعطيهم الله إياه من الثواب على الأعمال الصالحة.
﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ أبي: من الأعمال الصالحة لهن نصيب، فكلٌ بحسب ما قدر الله له، فللرجال الجهاد، وللنساء حفظ البيوت، وهناك فرق بين الجهاد وحفظ البيوت، لكن الذي
[ ١ / ٢٧١ ]
فضل هؤلاء بهذا وهؤلاء بهذا، أو خص هؤلاء بهذا وهؤلاء بهذا، هو الله.
إذًا: ما دام الأمر إلى الله؛ فالله سبحانه حكم عدل، يعطي كل واحد من الجنسين ما يليق به، وسيأتي أيضًا بيان ما فضل الله به الرجال في قوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤].
فالمهم: أن ما فضل الله به بعض الناس على بعض، سواء بسبب الذكورة، أو بسبب الغنى، أو العلم، أو الصحة، أو المال، أو غير ذلك؛ فهو من فضل الله، وعليك ألا تتمنى ما فضل الله به غيرك عليك.
ثم قال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وفي قراءة: "سلوا الله"، وكلاهما قراءتان سبعيتان.
﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: من الذي فضل بعضكم على بعض اسألوه، وإذا سألتم الله من فضله أعطاكم.
فمثلًا: إذا رأيت شخصًا قد فضلك في المال فلا تتمنى هذا المال الذي أعطاه الله هذا الرجل، ولكن اسأل الله من فضله، وإذا وجدت رجلًا فضلك في العلم فلا تتمن هذا العلم الذي أعطاه الله غيرك، ولكن اسأل الله من فضله ودع علمه وماله يبقى له.
قوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هل السؤال هنا سؤال عطاء أم سؤال علم؟ سؤال العطاء؛ أي: طلب منه أن يعطيه مالًا، كما في قوله تعالى: ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩]، وسؤال العلم بمعنى استخبره، فهو: يريد أن يخبره، فهل هذا سؤال مال أو سؤال علم؟
[ ١ / ٢٧٢ ]
الجواب: هو سؤال عطاء؛ ومنه المال، والمعنى: اسألوا الله أن يعطيكم، وعدلنا عن قولنا سؤال مال لأن الإنسان قد يسأل الله غير المال كالعلم والجاه والذكاء والعقل وما أشبه ذلك.
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ هذه الجملة استئنافية، والدليل على أنها استئنافية أن همزة: ﴿إِنَّ﴾ كسرت، وهمزة ﴿إِنَّ﴾ تكسر في الإبتداء، وعلى هذا فهي جملة استئنافية لبيان قطع التمني؛ أي: تمني الإنسان ما فضل الله به غيره عليه، يعني: أن ما فضل الله به الغير فهو صادر عن علم بأن هذا المفضل أهل للتفضيل، فالرجال أهل للجهاد، أهل لحماية الأوطان، أهل لحماية الدين، وما أشبه ذلك، بخلاف النساء فإنهن قاصرات.