٦ - إثبات عموم علم الله، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
٧ - الإقتناع بما حكم الله به شرعًا أو قدرًا، وذلك لأني إذا علمت أنه صادر عن علم الله اقتنعت، وقلت: لولا أن المصلحة في وجود هذا الشيء ما فعله الله؛ لأن الله سبحانه لا يفعل إلا عن علم، فيزيدني هذا اقتناعًا بما قضاه الله شرعًا أو قدرًا.
٨ - وجوب مراقبة الله؛ لأن العاقل إذا علم أن الله سبحانه يعلمه فسوف يراقب ربه بلسانه وجنانه وأركانه.
بلسانه: بأن لا يقول ما حرم الله. وجنانه: بأن لا يعتقد شيئًا حرمه الله أو يقول شيئًا حرمه الله بالقلب؛ لأن قول القلب هو حركته وعمله، وأركانه جوارحه: لأن الإنسان إذا آمن حقيقة بهذا فسيراقب الله؛ لأن الله يعلمه، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
* * *
* قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾ [النساء: ٣٣].
لما نهى الله سبحانه عن تمني ما فضل الله به بعضنا على بعض، ومنه تفضيل الرجال على النساء في الميراث، بيَّن ﷿ أنه جعل لكل ذكر وأنثى موالي.
قول الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿جَعَلْنَا﴾، وهو المفعول الثاني مقدمًا، و﴿مَوَالِيَ﴾ المفعول الأول.
وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ هذه من الكلمات التي لا تقع إلا مضافةً
[ ١ / ٢٧٧ ]
لفظًا أو تقديرًا، أما لفظًا فهو كثير، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ [الحجر: ٣٠]، وأما تقديرًا فيقدر له مضاف إليه مناسب للمقام، والمناسب في هذا: ولكل أحد من الذكور والإناث جعلنا موالي؛ أي: صيرنا.
وقوله: ﴿مَوَالِيَ﴾ جمع مولى، والمولى يطلق على عدة معان، والذي يعين المعنى السياق وقرائن الأحوال، فالسياق قرائن لفظية، والأحوال قرائن حالية تبين المراد، واللفظة الواحدة إذا تعددت معانيها تسمى عند أهل العلم بالمشترك، وقد انتقد بعض الناس - ولا سيما الزنادقة - اللغة العربية، وقال: إن اللغة العربية فقيرة بسبب الأسماء المشتركة، وإن العرب عجزوا عن أن يجعلوا لكل معنًى لفظًا مستقلًا.
وهذا القائل جائر في حكمه؛ لأنه إذا زعم أن الإشتراك في اللفظ إعواز في اللغة، وعجز عن إعطاء كل معنًى لفظًا خاصًا به؛ فإنه قد أغفل شيئًا آخر ضده، وهو: الترادف، فإن الترادف فيه إثراء للغة العربية وسعة للغة العربية، حيث تطلق كلمتان فأكثر على معنى واحد، فالإنسان العادل ينظر هذا وهذا.
ثم إن في الأسماء المشتركة دليلًا على فطنة العرب وذكائهم وحذقهم، حيث يفسرون كل لفظ بما يناسبه بالسياق، فالعين مثلًا تأتي في سياق ويراد بها شيء، وفي سياق آخر يراد بها شيءٌ آخر، فإذا دليل على أن العرب عندهم حذق وفطنة قوية، بحيث يتعين المعنى في اللفظة الواحدة ذات المعاني المتعددة بحسب السياق.
وهو أيضًا فتح بابٍ للتأمل والتفكر، فإن الإنسان يقف عند
[ ١ / ٢٧٨ ]
الكلمة التي تطلق على عدة معان لينظر معناها المراد في هذا السياق، فيقتضي أن ينتبه الإنسان ويتأمل وينظر، ولكن بعض الناس يكون مغرضًا أو سطحيًا، فيرمي اللغة العربية بما هي بريئة منه.
فقوله: ﴿مَوَالِيَ﴾ تطلق على معان:
منها: الناصر: مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ﴾ [التحريم: ٤] أي: هو ناصره.
ويطلق على الذي يتولى على غيره، مثل: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠].
ويطلق على المعتق لقول النبي - ﷺ -: "إنما الولاء لمن أعتق" (^١).
ويطلق على العتيق، لقوله - ﷺ -: "مولى القوم من أنفسهم" (^٢)، أي: عتيقهم منهم.
ويطلق على متولي الأمور، من ملك أو أمير أو وزير أو ما أشبه ذلك، ويسمى ولي الأمر أيضًا.
ومن معنى المولى: المشائخ. لأنهم يتولون أمور الناس بالعلم.
بقي الإطلاق الأخير الذي هو المراد في هذه الآية، فالمولى هنا هو من يتولى ملك من بعدك، وهو الوارث، ودليله
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب البيوع، باب إذا اشترط شروطًا في البيع لا تحل، حديث رقم (٢٠٦٠)؛ ومسلم، كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق، حديث رقم (١٥٠٤) من حديث عائشة.
(٢) رواه البخاري، كتاب الفرائض، باب مولى القوم من أنفسهم وابن الأخت منهم، حديث رقم (٦٣٨٠)، من حديث أنس.
[ ١ / ٢٧٩ ]
قوله - ﷺ -: "فما بقي فلأولى رجلٍ ذكر" (^١) ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥].
فقوله: ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ أي: يلون تركته من بعده، ولهذا قال: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾.
وقوله: ﴿الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ﴿الْوَالِدَانِ﴾ مبتدأ، ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ معطوف عليها، وهي بيان للموالي، وهذا أحد التفسيرين في الآية، وعلى هذا فيكون الوقف على قوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ﴾.
القول الثاني: أن ﴿الْوَالِدَانِ﴾ فاعل ﴿تَرَكَ﴾؛ أي: جعلنا وارثين من المتروك من الوالدين والأقربين.
والمعنيان متلازمان، لكن أيهما أقرب إلى اللفظ؟
يرى بعض العلماء أن الأقرب الثاني، وأن تكون ﴿الْوَالِدَانِ﴾ فاعل ﴿تَرَكَ﴾ ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ معطوفة عليها، والمعنى: لكل أحد من الناس جعلنا موالي أي: وارثين من الذي ترك الوالدان والأقربون، فعلى هذا يكون الوالدان موروثين، وعلى الأول يكونان وارثين، والمعنيان متلازمان؛ لأنه ما من وارث إلا وله موروث، فسواء كان المعنى: جعلنا موالي مما ترك أي: يلونه مما ترك، وهم الوالدان والأقربون؛ أي: الوارثون، أو مما ترك الوالدان والأقربون، وهم الموروثون.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الفرائض، باب ميراث الولد من أبيه وأمه، حديث رقم (٦٣٥١)؛ ومسلم، كتاب الفرائض، باب ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر، حديث رقم (١٦١٥) عن ابن عباس.
[ ١ / ٢٨٠ ]
وقوله: ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ إنما جاءت باسم التفضيل دون القريبون؛ لأنه يبدأ في الأقارب بالأقرب فالأقرب.
وقوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾: هذه متعلقة بشيء محذوف، ولا يستقيم المعنى إذا جعلناها متعلقة بموالي، فالشيء المحذوف مقدر بما يناسب المقام، فـ: ﴿تَرَكَ﴾ يناسبها الإرث، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وقال في الآية التي تليها: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] فلما قال: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾ علمنا أن المقدر: يرثون مما ترك الوالدان والأقربون، ويؤيد هذا التقدير قول النبي - ﷺ -: "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر" (^١)، إذًا قوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾ "من" بيانية أو تبعيضية، والمتعلق محذوف، والتقدير: يرثون.
وقوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾ وهما الأب والأم، ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ وهم من عدا الوالدين، وإنما فسرنا الأقربين بمن عدا الوالدين مع أن الوالدين أقرب الناس؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، فالله تعالى جعل "موالي" يرثون مما ترك الوالدان، وهؤلاء الموالي الذين يرثون مما ترك الوالدان هم الفروع، إذًا: الوارث هو المولود، وهم الفروع، وقد بين الله سبحانه في كتابه كيف يرثون إذا انفرد الذكور أو انفرد الإناث أو اجتمعوا.
فإذا انفرد الإناث فإرثهم بالفرض فقط، وإذا انفرد الذكور فإرثهم بالتعصيب فقط، وإذا اجتمعوا فيرثهم بالتعصيب لكن
_________________
(١) تقدم ص ٤٩.
[ ١ / ٢٨١ ]
تختلف جهته، فالذكور عصبةٌ بالنفس والإناث عصبةٌ بالغير، وهم الذكور؛ أي: عصبة بسبب غيرهم.
وقوله: ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ هذه كلمة واسعة، ولم يقل: القرابات، بل قال: ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾؛ لأن الميراث يكون للأقرب فالأقرب، حتى ذوو الفروض يفضل الأقرب على الأبعد، فالبنت مع بنت الإبن لها النصف، ولبنت الإبن السدس، والبنتان يسقطان بنات الإبن، والأخت الشقيقة مع الأخت لأب لها النصف، والأختان الشقيقتان تسقطان الأخوات لأب، وهلم جرّا.
ولهذا قال: ﴿وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي: الأقرب فالأقرب.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فيها قراءتان سبعيتان "عقدت" و"عاقدت"، من المعاقدة وهي المعاهدة، وسميت المعاهدة عقدًا لأنها إبرام لميثاق بين المتعاهدين، وكانوا في الجاهلية يتعاقدون على الولاء والإرث على حسب شروط بينهم، إما أن يقول: لك أنت سدس ما ورائي، أو ثلث أو ربع .. حسب ما يتفقون عليه.
قوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي: أعطوهم، وفي اللغة العربية "أتى، وآتى"، فالتي بالمد بمعنى الإعطاء، والتي بالقصر بمعنى المجيء، والتي بمعنى الإعطاء تنصب مفعولين كلاهما فضلة ليس عمدة؛ أي: ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فقوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ هذه نصبت مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر وهما مفعولان.
ونصيبهم مقدر بحسب ما يتفق المتعاقدان عليه؛ لأن هذا من الوفاء بالعهد، والوفاء بالعهد مما جاءت به الشريعة، حتى أن الرسول - ﷺ - حذر من إخلاف الوعد، وبين أنه من خصال المنافقين.
[ ١ / ٢٨٢ ]
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ الجملة خبرية مؤكدة بـ ﴿إِنَّ﴾.
و﴿كَانَ﴾ فعل ماض تفيد اتصاف اسمها بخبرها على وجه الدوام والإستمرار، فهي مسلوبة الزمان؛ أي: ليست دالة على زمن مضى كما هو شأن الفعل الماضي، بل هي دالة على ثبوت الإتصاف بهذا الوصف أزلًا وأبدًا.
وقوله: ﴿شَهِيدًا﴾ أي: رقيبًا مطلعًا على كل شيء، وهذه الجملة استئنافية تفيد تهديد من أخفى شيئًا مما يستحقه الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانهم؛ لأنه إذا أخفاه فلن يغيب عن الله سبحانه، بل هو على كل شيء شهيد.
وهذه الآية نسخت بآيات المواريث، وهل هو نسخ مقيد أو نسخ مطلق؟ على قولين للعلماء:
فمنهم من قال: إنها نسخ مقيد بما إذا وجد ذوو الأرحام، فإن لم يوجد توارث المتعاقدان بما اتفقا عليه.
ومنهم من قال: إنه نسخ مطلق، فلا إرث بالموالاة مطلقًا.
والثاني هو الذي عليه جمهور العلماء، والأول عليه شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀.