المهم هو التربي بمقتضى هذا الوصف وهو علم الغيب، وهذه مسألة مهمة لا يفطن لها كثير من الناس.
٨ - إن الإنسان إذا آمن بأن الله على كل شيءٍ شهيد، فإنه يحذر ويخاف ويتقي الله ﷿، و"الشهيد" من أسماء الله.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ [النساء: ٣٤].
قوله: ﴿الرِّجَالُ﴾ جمع رجل، وهو جمع تكسير، والرجل هو البالغ من ذكور بني آدم، والذكر يطلق على البالغ وغير البالغ، ولهذا جاء في الحديث: "فما بقي فلأولى رجل ذكر" (^١)، مع أنه لو قال: فلأولى ذكر، اكتفي به، ولو قال: لأولى رجل، لخرج بذلك الصغير فلا يكون عاصبًا، لكن جاءت كلمة "ذكر" ليبين أن الكبر ليس بشرط في استحقاق التعصيب، بل ولو كان دون الرجولة.
وذكر الرجل زيادة لها معنى، وهو الإشارة إلى أنه - أي: الذكر - كان أولى بالتعصيب؛ لأنه رجل يترتب عليه مسئوليات لا تترتب على المرأة.
قوله: ﴿قَوَّامُونَ﴾: جمع قوَّام، وقوام صيغة مبالغة من
_________________
(١) تقدم ص ٤٩.
[ ١ / ٢٨٧ ]
قائم، فلو قيل في غير القرآن: الرجال قائمون على النساء، لكان المعنى دون كلمة ﴿قَوَّامُونَ﴾؛ لأن قوله: ﴿قَوَّامُونَ﴾ صيغة مبالغة تقتضي القوامة على النساء في كل حال، فالمراد بقوله: ﴿قَوَّامُونَ﴾ إما صيغة مبالغة أو نسبة، والمراد بالقيام هنا ليس هو القيام الذي هو الوقوف على الرجلين، ولكنه قيام الولاية، فمعنى ﴿قَوَّامُونَ﴾ أي: بالولاية والسلطة، فيحتمل أن تكون نسبة ويحتمل أن تكون مبالغة، ويحتمل المعنيين معًا، فالرجال قوامون على النساء، ولذلك تكون لهم الولاية والقضاء والإمارة وغير ذلك مما فيه سلطة دون النساء.
وقوله: ﴿عَلَى النِّسَاءِ﴾، ﴿النِّسَاءِ﴾: جمع نسوة، وإن شئت قل: جمع امرأة، لكنه من غير اللفظ؛ لأنه أحيانًا يجمع المعنى على غير لفظ المفرد، فإبل جمع لا واحد له من لفظه، فهي جمع بعير.
قوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الباء هنا للسببية، و"ما" يجوز أن تكون مصدرية ويجوز أن تكون موصولة، فإن جعلت موصولة صار التقدير: بالذي فضل الله بعضهم على بعض، وحينئذٍ نحتاج إلى عائد يعود إلى الموصول، فيكون العائد محذوفًا تقديره: بما فضل الله به بعضهم على بعض.
وحذف العائد مشهور في اللغة إذا اتفق الحرفان لفظًا ومعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] أي: منه، وإن كانت مصدرية لم تحتج إلى عائد، ويكون تقدير الكلام بتفضيل الله بعضهم على بعض.
وقوله: ﴿فَضَّلَ﴾: زاد، والفضل هو الزيادة؛ أي: زاد
[ ١ / ٢٨٨ ]
بعضهم على بعض، والمزيد هو الرجال، والمزيد عليه هن النساء، إذًا قوله: ﴿بَعْضَهُمْ﴾ تعود على الرجال، وقوله: ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ تعود على النساء، والذي فضل الله به الرجال على النساء: القوة الظاهرة والباطنة، فالقوة الظاهرة قوة البدن، ولهذا تجد الرجل، بل تجد الذكر حتى من غير بني آدم أقوى من الأنثى، وأكبر عضلات وأشد.
والقوى الباطنة: التحمل والصبر والذكاء والعقل والشجاعة وما إلى ذلك، المهم أن الله فضل الرجال على النساء بالقوى الظاهرة والقوى الباطنة، وهذا التفضيل باعتبار الجنس، فلا يرد علينا أنه يوجد من النساء ما هو أفضل من كثير من الرجال؛ لأننا إذا قلنا بتفضيل الجنس صار العبرة بالعموم لا بالخصوص، كما نقول مثلًا: التابعون أفضل من تابعي التابعين، لكن هذا لا يعني أن كل واحد من التابعين أفضل من كل واحد من تابعي التابعين، إذ يوجد في أتباع التابعين من هو أفضل من كثير من التابعين.
فقوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: من حيث الجملة لا باعتبار كل فرد.
قوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ هذه عطف على قوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ﴾ أي: وبالذي ﴿أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾؛ لأن المنفق على النساء هم الرجال؛ لأنهم هم الذين يكتسبون؛ فالزوج ينفق على زوجته ولو كانت غنية، والأب ينفق على أهله، فمن أجل ذلك صار لهم القِوامة لتفضلهم خلقة، وخلقًا، وعقلًا، وفكرًا، ولفضلهم على النساء بالإنفاق.
[ ١ / ٢٨٩ ]
فهم قوامون بتفضيل الله إياهم وبفضلهم هم على النساء، وبما أنفقوا من أموالهم.
وقوله: ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: من أموال الرجال، فبسبب التفضيل الجسدي بالقوة الظاهرة والقوة الباطنة، وبسبب التفضيل الخارجي وهو الإنفاق بالمال؛ صار الرجل أفضل من المرأة.
ثم قسم الله ﷿ النساء إلى قسمين: فقال: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾:
﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾: مبتدأ، وقوله: ﴿قَانِتَاتٌ﴾: خبره، وقوله: ﴿حَافِظَاتٌ﴾: خبر ثان.
ومعنى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ أي: الموصوفات بالصلاح، وهنا يمكن أن نقول: إن ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ صفة لموصوف محذوف، والتقدير: فالنساء الصالحات، والصالحة ضد الفاسدة، وهي التي قامت بحق الله وحق زوجها.
وقوله: ﴿قَانِتَاتٌ﴾ أي: مديمات للصلاح؛ لأن القنوت يراد به الدوام، وهو المراد هنا، ويحتمل أن المراد بالقانتات هنا المطيعات لله، ويكون من باب التوكيد، وبطاعتهن لله يكن طائعات لأزواجهن.
وقوله: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ يعني يحفظن ما غاب عن الناس، وهو السر الذي يكون في بيت الزوج، ويكون بينها وبين زوجها أيضًا، فتجد المرأة الصالحة لا يمكن أن يطلع على ما في بيتها أحد، بل إذا سئلت عما في بيتها قالت: نحن بخير.
وانظر إلى إحدى امرأتي إسماعيل ﵇، لما سألها إبراهيم ﵇ عن حالهم شكت وتضجرت، فقال لها: قولي
[ ١ / ٢٩٠ ]
له يغير عتبة بابه، والثانية أثنت خيرًا، فقال: إذا جاء الزوج فقولي له يمسك عتبة بابه (^١).
فمن النساء من تكون شاكية فاضحة، تحدث الناس بكل ما يكون في بيتها، بل بعضهن والعياذ بالله يتجرأن أكثر من ذلك، فتحدث بما يكون بينها وبين زوجها حتى في أمور السر التي لا يطلع عليها إلا الزوج، وهذه ليست من الصالحات، وقد فقدت من الصلاح بمقدار ما فقدت من الحفظ.
قوله: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أي: بحفظ الله ﷿، أو بالذي حفظ الله؛ أي: أمر بحفظه وعدم إفشائه، فهن ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ أي: لا يظهرن بحفظ الله لهن ومنته عليهن بالحفظ، أو بالذي حفظ الله؛ أي: أمر بحفظه، والمعنيان متلازمان.
القسم الثاني: على خلاف ذلك، قال الله فيهن: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾:
﴿وَاللَّاتِي﴾ يعني: والنساء ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾، وذلك بظهور أماراته، والنشوز هو الإرتفاع، ومنه الأرض النشز؛ أي: المرتفعة.
والمراد بالنشوز ترفع المرأة عن زوجها، بحيث لا تبذل ما يجب عليها من حقوقه، أو تبذله لكن متبرمة متكرهة متمللة لا يأنس بها ولا يركن إليها، فإذا نشزت المرأة سقطت الحقوق التي لها من نفقة وغيرها؛ لأن النفقة معاوضة، إذا لم يوجد عوضها سقطت، فالنشوز داء، وذكر الله له دواء على ثلاث مراحل:
الأولى: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾.
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٣٣٦٤) عن ابن عباس.
[ ١ / ٢٩١ ]
والثانية: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
الثالثة: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.
الرابعة: لم يذكرها الله لأنها مكروهة عنده، وهي الطلاق.
وهذه الأخيرة - مع الأسف - هي أول مرحلة عند كثير من الناس، فكثير من الناس إذا خالفته زوجته بأدنى شيء طلقها، لكن المراحل الثلاث التي ذكرها الله هي المراحل الشرعية.
أولًا: الموعظة، فيعظها بأن يذكرها بما يلين به قلبها، بأن يذكرها بحق الزوج، وما لها من ثواب إذا قامت به، وما عليها من عقاب إذا خالفت، ويقول لها مثلًا: أنتِ إذا كنت مطيعة قائمة بما يجب عليك، فإني سوف أقابلكِ بالمثل أو بأحسن، فيعدها خير الدنيا وخير الآخرة، ويخوفها من الله ﷿ إذا نشزت، فإن امتثلت، فإذا المطلوب.
وإلا؛ قال الله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
والهجر هو الترك، ومنه الهجرة، وهي ترك الإنسان وطن الكفر إلى وطن الإِسلام، والمعنى: اتركوهن في المضاجع أي: لا تضاجعوهن، فيكون في فراش وهي في فراش، أو هو في حجرة وهي في حجرة، فإن استقامت فهذا هو المطلوب، وإلا فننتقل إلى المرحلة الثالثة، وهي قوله:
﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ وهذا من فائدة القوامة على النساء، ولكن يكون المقصود من الضرب هو التأديب، فيضربها ضربًا يحصل به تأديبها ولا يحصل به جرحها، فتضرب ضربًا غير مبرح، كما قال النبي - ﷺ - في خطبة حجة الوداع: "ولكم عليهن أن لا يوطئن
[ ١ / ٢٩٢ ]