الماء، فلا يجب إلا أن نطهر عضوين فقط، والطهارة متساوية في الحدث الأصغر والأكبر.
والطهارة هذه أيضًا ليس فيها مضمضة ولا استنشاق، ولا إيصال التراب إلى ما تحت الشعور ولو كان خفيفًا، والفرق بين طهارة الماء والتيمم كبير جدًا، وإذا كان كذلك فإنه لا يصح القياس.
٢٢ - إثبات هذين الإسمين لله ﷿ "العفو والغفور": لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
٢٣ - إثبات ما دل عليه هذان الإسمان من الصفة وهي: العفو والمغفرة.
وهذا الوصف لا يدل على أنه كان لله ثم زال؛ لأن "كان" فعل ماض، لكنها في هذا السياق وشبهه قد سلبت عنها الدلالة على الزمن، وكان المراد بها تحقيق الإتصاف بما دلت عليه، وهذا في القرآن كثير بالنسبة لأسماء الله وصفاته.
* * *
* قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤)﴾ [النساء: ٤٤].
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ الإستفهام هنا للتقرير؛ أي: يقرر الله سبحانه ذلك على وجه مشاهد مرئي يراه الرائي، والخطاب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يحتمل أن يكون للرسول - ﷺ -، ويحتمل أن يكون لكل من يتوجه الخطاب إليه؛ أي: ألم تر أيها المخاطب.
قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ أي: أعطوا نصيبًا، فـ ﴿أُوتُوا﴾
[ ١ / ٣٦٠ ]
هنا تنصب مفعولين، المفعول الأول في هذا السياق هو الواو الذي هو نائب الفاعل، والمفعول الثاني هو قوله: ﴿نَصِيبًا﴾، والذي آتاهم نصيبًا من الكتاب هو الله ﷿، وهذا النصيب من الكتاب هو التوراة والإنجيل، وعلى هذا فيشمل اليهود والنصارى، لكن هو في اليهود أعظم؛ لأنهم هم الذين كانوا في المدينة في عهد الرسول - ﷺ -.
قوله: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ أي: يطلبونها شراءً، ومن المعلوم أن المشتري طالب للسلعة جاد في طلبها حتى يحصلها بالشراء، وهذا أبلغ مما لو قال: يسلكون الضلالة؛ لأن الشواء ينبئ عن رغبة وطلب حتى يصل الإنسان إلى ما أراد.
وقوله: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ أي: ﴿بِالهُدَى﴾ كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦]، وهذا الشراء أخسر أنواع الشراء، ولهذا قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦].
وقوله: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ هذا باعتبار ما يختارونه لأنفسهم، ولكن شرهم ليس قاصرًا.
ولذلك قال: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: مع شرائهم للضلالة واختيارهم إياها وحرصهم عليها، يريدون أن ينقلوها أيضًا إلى غيرهم، فيريدون أن تضلوا السبيل؛ أي: الطريق إلى الله ﷿، وهو دين الإسلام، وإذا كانت هذه إرادتهم فسوف يسعون إلى حصول مرادهم بكل وسيلة، ولهذا نجد أن الكفار أعداء المسلمين يسعون إلى إضلال المسلمين بكل وسيلة،
[ ١ / ٣٦١ ]
فتارة بالإنحلال الخلقي، وتارة بالدمار العسكري، وتارة بالأفكار السيئة الرديئة، فهم يرون السلاح الذي هو أنكأ فيستعملونه ولا يبالون، يعني: لو أن الأمر أفضى إلى العدوان المسلح لفعلوا؛ لأنهم يريدون أن نضل السبيل.
فإن قال قائل: لماذا يريدون أن نضل السبيل؟
الجواب: أن نقول: لأنهم ضُلَّال، وكل إنسان يريد أن يكون الناس على شاكلته، هذا من وجه، ومن وجه آخر: أنهم أولياء للشيطان، والشيطان قال يخاطب الله ﷿: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧]، وتأمل قوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ﴾ ولم يقل "على صراطك، ولا في صراطك"، بل حذف حرف الجر، ليشمل قعوده على الصراط حتى لا ندخل، وقعوده في الصراط حتى لا نتم السير، وهو كذلك، فهو يقعد لنا على الصراط خارجًا حتى لا ندخل، وفي الصراط داخلًا حتى لا نتم المسير، وهؤلاء هم أولياء الشيطان، كما قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ [النساء: ٧٦]، وإذا كانوا أولياءه فسوف يناصرونه على ما يريد من إضلال عباد الله.