فالحاصل: أن الإفتراء على الله كذبًا يشمل الكذب عليه في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أحكامه الكونية والشرعية.
ومثال الكونية أن يقول: إن جزاء هذا الذنب كذا وكذا من العقوبات، بلا علم، مثل أن يقول: إذا نهر الإنسان والديه تزلزل العرش، من قال ذلك؟ قاله العامة! فأي إنسان يحكم بعقوبة معينة على ذنب بدون علم، فقد افترى على الله الكذب.
٤ - تعظيم الكذب على الله ﷿ لقوله: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ يعني: ما أعظمه وما أكثره، إذا افترى على الله الكذب أن يأثم هذا الإثم!
٥ - بيان عظم ما يحصل لهؤلاء من الإثم، لقوله: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾.
٦ - أن إثم هؤلاء بين ظاهر، ووجه ظهوره وبيانه: أنه إذا كان للإنسان عقل، فبدلالة العقل لا يمكن أن يتقول على أحد شيء وهو من جنسه، فتقوله على الله أعظم وأشد، ولهذا قال الله تعالى في رسوله - ﷺ -: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ [الحاقة: ٤٤] وليس كل ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: ٤٦] ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ [الحاقة: ٤٧].
* * *
* قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾ [النساء: ٥١].
[ ١ / ٤٠٧ ]
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، ويقال فيها كما قيل في الآية التي قبلها: أن الإستفهام للإنكار والتعجب، كأنه يقول: تعجب من حال هؤلاء!
قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ أي: أعطوا نصيبًا، وآتى تنصب مفعولين، الأول منهما: نائب الفاعل وهو الواو، والثاني قوله: نصيبًا.
وقوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا﴾ أي: قسطًا من الكتاب؛ أي: الكتاب المنزل على الرسل عليهم الصلاة والسلام.
والمراد بهؤلاء اليهود؛ لأن الله آتاهم نصيبًا من الكتاب وهو التوراة، ولم يعطهم علم كل شيء.
قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾: هذا محل التعجب أنهم أعطوا نصيبًا من الكتاب، وقامت عليهم الحجة، ومع ذلك يؤمنون بالجبت ويؤمنون بالطاغوت.
والجبت: كل ما لا فائدة فيه في الدين، ومنه السحر والكهانة والطرق، والعيافة وما أشبه ذلك، فإن هذه كلها من الجبت.
وأما الطاغوت: فالطاغوت كل ما طغى به الإنسان فهو طاغوت، قال الله ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، فأئمة الكفر ودعاة الكفر طواغيت، والشيطان طاغوت، ولهذا قال عمر - ﵁ -: "الجبت السحر، والطاغوت الشيطان"، يعني: أن السحر فرد من أفراد الجبت والشيطان فرد من أفراد الطاغوت، وإلا فإن التعريف العام للطاغوت ما ذكره ابن القيم ﵀: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.
[ ١ / ٤٠٨ ]
وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ومعنى إيمانهم به إقرارهم إياه، وعدم إنكاره.
قوله: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾:
﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قال بعض المفسرين: إن اللام هنا بمعنى في؛ أي: يقولون في شأنهم: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ أي: الذين كفروا، ﴿أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾.
وقيل: إن اللام هي اللام المعدية للفعل كقوله: قلت لفلان؛ أي: هي اللام المعدية للفعل، وأن قوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ بمعنى: أنتم؛ أي: يقول هؤلاء للذين كفروا أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلًا، وعلى هذا تكون الإشارة في مقام ضمير المخاطب؛ لأنك إذا قلت: قلت لفلان كذا، صار فلان مخاطبًا، فلا بد أن يؤتى بضمير المخاطب، و﴿هَؤُلَاءِ﴾ اسم إشارة ليس ضمير مخاطب لكن قالوا: إنها بمعنى أنتم، وهذا ما مشى عليه في تفسير الجلالين.
قوله: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المراد بالذين كفروا أهل مكة؛ لأن طائفة من اليهود قابلوا أهل مكة، فقال لهم أهل مكة: هذا محمد فرق بيننا وبين أبنائنا، وبيننا وبين غلماننا، وبيننا وبين أزواجنا، وفرق بيننا وبين العرب، وسب آلهتنا، وسفه أحلامنا، أما نحن فإننا أهل البيت، نسقي الحجيج ونفعل كذا وكذا .. وذكروا أشياء، فأينا أهدى، أنحن أم محمد؟
فاليهود انتهزوا هذه الفرصة، وقالوا: أنتم أهدى من
[ ١ / ٤٠٩ ]