* قال الله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾ [النساء: ٩].
﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا﴾ اللام في قوله: ﴿وَلْيَخْشَ﴾ لام الأمر، والفعل مجزوم بها بحذف الألف، وأصلها "يخشى" بالألف، وسكنت لام الأمر هنا لأنها تسكن إذا وقعت بعد الواو والفاء وثم، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج: ١٥]، بخلاف لام التعليل فإنها تكون مكسورة إذا وقعت بعد الواو أو ثم أو الفاء، مثل قوله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت: ٦٦]، فلا تُقرأ "وَلْيَتمتعوا" إلا إذا ثبت أن فيها قراءة بسكون اللام، فحينئذ تكون اللام لام الأمر ولا تكون لام التعليل.
وقوله: ﴿لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ "لو" هنا شرطية، وفعل الشرط قوله: ﴿تَرَكُوا﴾، وجوابه قوله: ﴿خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾، وقد خرجت الآية الكريمة هنا عن الأكثر في جواب ﴿لَوْ﴾، فإن الأكثر في جواب ﴿لَوْ﴾ إذا كان مثبتًا أن تقترن به اللام، فيقال: لو جاء زيد لجاء عمرو، ولكن اللام تحذف أحيانًا في جواب ﴿لَوْ﴾ في الإثبات، ومنه هذه الآية، ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠]، وفي نفس السياق قال في الزرع: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥]، أما إذا جاء جواب ﴿لَوْ﴾ منفيًا بـ "ما"، فالأفصح أن لا تذكر اللام، فإذا قلت: لو جاء زيد ما قلت شيئًا، فإن هذا أفصح من أن تقول: لما قلت شيئًا، لكن
[ ١ / ٥٧ ]
قد تقترن اللام بـ "ما" النافية في جواب "لو"، ومنه قول الشاعر:
ولو نعطى الخيار لما افترقنا ولكن لا خيار مع الليالي
وتكميلًا للفائدة فإن "لو" تأتي على أوجه: الأول: أن تكون شرطية، والثاني: أن تكون مصدرية؛ كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ [القلم: ٩] أي: ودوا إدهانكم فيدهنون.
و﴿لَوْ﴾ من أدوات الشرط غير الجازمة.
وقوله: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ هذا أمر بالتقوى، وهو تأكيد للأمر بالخشية في قوله: ﴿وَلْيَخْشَ﴾.
يقول الله ﷿ مذكرًا هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ويضيعونها، يقول: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ والخشية أشد الخوف، ولا تكون إلا مع العلم، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فيقول: ليخش هؤلاء الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا، ومفعول "يخشى" محذوف؛ أي: ليخش هؤلاء أن يضيعوا أموال اليتامى ويأكلوها.
وقوله: ﴿ذُرِّيَّةً﴾ الذرية هم الأولاد من بنين وبنات، وأولاد البنين، وأولاد بني البنين، وأما أولاد البنات وأولاد بنات البنات وبني البنات، فإنهم لا يدخلون في الذرية، هذا هو المشهور عند أهل العلم، فلو قال القائل: هذا وقف على ذريتي؛ لم يدخل أولاد البنات في هذا الوقف؛ لأن أولاد البنات ليسوا من الذرية، فهم كالأولاد والبنين، لا يدخل فيهم أولاد البنات ولا بنو أولاد البنات.
فإن قال قائل: هذا القول ينتقض بعيسى ابن مريم، فإن الله تعالى جعله من ذرية إبراهيم وهو ابن بنت؟
[ ١ / ٥٨ ]
فيجاب عن ذلك: بأنه لا أب له، فأمه أبوه؛ ولهذا قال العلماء ﵏: إن ولد الزنا ترثه أمه بالفرض والتعصيب؛ لأنها أم وأب، إذ لا أب له شرعًا.
وقوله: ﴿ضِعَافًا﴾ أي: لا يستطيعون أن يتكسبوا؛ لعدم رشدهم ولصغر سنهم، فكل واحد من الناس إذا حضرته الوفاة وله أولاد صغار، سوف يخاف عليهم، ويفكر ويقدر من يتولاهم بعده، ولكن المؤمن يقول كما قال عمر بن عبد العزيز ﵀ حين قالوا له: ألا توصي لولدك؟ فقال: لا؛ إن كان ولدي صالحًا فالله يتولى الصالحين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾ [الأعراف: ١٩٦]، وإن كانت الأخرى فلن أعينه على فساده.
فالضعيف من الأولاد هو الصغير، أو المجنون، أو السفيه الذي ليس لديه رشد، ولا يستطيع التصرف بنفسه.
وقوله: ﴿خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ أي: خافوا عليهم من الضياع وأكل أموالهم.
وقوله: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ التقوى: هي اتخاذ وقاية من عذاب الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذا أجمع ما قيل في التقوى، وهذا إذا أطلقت التقوى وأفردت، أما إذا قيدت فإنها بحسب ما قيدت به، مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، وكذلك إذا قرنت بالبر صار معناها اجتناب المعاصي، ومعنى البر فعل الطاعات في الأوامر، أما إذا أطلقت فهي تشمل هذا وهذا.
وقوله: ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ القول السديد: هو ما سد
[ ١ / ٥٩ ]
موضعه؛ أي: ما كان صوابًا موافقًا للحكمة، فليس السداد أن تلين في القول ولا أن تشتد به، ولكن أن يكون قولك صوابًا مطابقًا للحكمة، فقد يكون السداد بشدة القول، وقد يكون السداد بلين القول، وانظر إلى النبي - ﷺ - كيف يشتد أحيانًا بقوله، وكيف يلين أحيانًا بقوله، وقوله - ﷺ - كله سداد، وكله سديد بلا شك، والحكمة تختلف باختلاف الأحوال، وباختلاف الأشخاص، وباختلاف موضوع الكلام.
فلو أن رجلًا أراد أن يخطب في قوم أسرفوا على أنفسهم ووقعوا في المحارم، فإن السداد أن تكون الخطبة قوية، وبانفعال وبزجر شديد، وكأنه منذر قوم أو جيش يقول: صبحكم ومساكم، وإذا كان يخطب عند قوم ليسوا بهذه المثابة، ولا يرون الشدة في القول، بل ربما ينفرهم، فإنه في هذا الحال يلين لهم القول.
وقد ورد ذكر القول السديد في غير هذه الآية، في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾ [الأحزاب: ٧٠].
والنتيجة لتقوى الله والقول السديد هي قوله تعالى: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٧١] .. ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ الدينية والدنيوية، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ أي: ما أذنبتموه، فعلينا أن نأخذ بهذه التوجيهات الإلهية والأوامر فنتقي الله ونقول قولًا سديدًا.