* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١].
* * *
قَوْلهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الهمزة للاستفهام الداخل على النَّفي، وإذا دخل الاستفهام على النَّفي أفاد التقرير، أي: إِثْبات ما ذُكر، قَالَ اللهُ للنَّبِيّ - ﷺ -: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١] يعني: قد شرحنا لك صدرك، يقرر الله تَعَالَى أنَّه قد شرح صدر النَّبِيّ - ﷺ -.
قَوْلهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ﴾ يعني: قد رأيت، لكن هل الخِطَاب للرَّسول - ﷺ - أو لكل من يتأتى خطابه؟ الظَّاهِر العُموم ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها المخاطب لا أيها النَّبيّ، لأَن ذَلِك أشمل وأعم.
وقَوْلهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ﴾ هل هَذِهِ الرؤية بصرية أو علمية؟ إِذَا جعلتها بصرية صَارَت هَذِهِ الرؤية خاصة بما يُفعل لا بما يُقال ولا بما يعلم بالعقل، وإذا جعلتهما علمية شملت ما يعلم بالقَوْل وبالبصر وبالذهن، وحينئذٍ أيهما أولى؟
الأولى أن تَكُون علمية، يعني ألم تعلم سواء كَانَ علمك عن طريق المشاهدة بالبصر أو عن طريق السمع بالأذن أو عن طريق الاستنتاج بالعقل والتفكير، هَذِهِ الثَّلاثة هي طرق العِلْم كما قَالَ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
[ ٢٨٤ ]
إذن (ألم تعلم) علمًا ناتجًا عن هَذِهِ الْأُمُور الثَّلاثة أو عن واحد منها.
قَوْلهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [وَمنَ التَّسْبِيح صَلَاة] اهـ.
قَوْلهُ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ﴾ أتى بـ (مَن) الَّتِي للعاقل؛ لأَن التَّسبيح أظهر للعقلاء من غير العقلاء، وهَذَا التَّسبيح يشمل التَّسبيح بالقَوْل وبالحال، بالقَوْل مثل: سبحان الله، وبالحال أنك إِذَا تأملت خلقه وما جبلوا علَيْه علمت بِذَلِك أن الله تَعَالَى منزه عن العبث وعن النَّقائص، يسمى هَذَا التَّسبيح بالحال.
إذا قُلْنا: إن التَّسبيح بالمقال فمن المعْلُوم أن الكافر لا يسبح الله بمقاله، يعني لا يَقُول: سبحان الله لأنَّه يصف الله بالعيب ويجعل مع الله شريكًا لكنَّه مسبح لله بحاله فإن حاله وما جبل علَيْه وانصرافه عن الحقّ مع وضوحه وما أشبه ذَلِك، كل ذَلِك مما يدُلّ على تنزيه الله ﷾ وعلى حكمته.
وقَوْلهُ: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يشمل الملائكة، وتسبيح الملائكة نحنُ لم نعلمه عن طريق الرؤية ولكن عن طريق الوَحْي الَّذِي هو السمع، سَمِعْنَا من نبينا - ﷺ - أن الملائكة تسبح الله، وسَمِعْنَا قَوْل الله ﷿ أن الملائكة تسبح إِلَى آخِرِهِ.
قَوْلهُ: ﴿وَالطَّيْرُ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [جَمْع طَائِر بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض ﴿صَافَّاتٍ﴾ حَال بَاسِطَات أَجْنِحَتهنَّ] اهـ.
﴿وَالطَّيْرُ﴾ معطوفة على ﴿مَنْ﴾ يعني وتسبح له الطير و﴿صَافَّاتٍ﴾ حال من الطير، يعني هي أيضًا تسبح الله ﷾ في حال صفوفها، أي: صف أجنحتها، أي: بسطها، فإن صفوفها في الهواء بين السَّماء والأَرْض، وعدم سقوطها، واتجاهها
[ ٢٨٥ ]
يمينًا وشمالًا، ولا تحجبها الرياح مع عصوفها عما تريد، هَذَا مما يدُلّ على كمال قدرة الله ﷿، فالريح الَّتِي تقلقل الجبال والسيارات لا تحجب الطائر عن اتجاهه فيتجه معاكسًا للرياح ولا يبالي، وهَذَا شَيْء مشاهد وهَذَا من تمام قدرة الله ﷿، فهَذَا الطير الضعيف الصَّغير الَّذِي يُمْكِن أن تقتله الرياح يتجه معاكسًا لها ولا ترده، وهَذَا من تمام قدرة الله ﷿، ومن تمام القدرة أيضًا أنك تجده في أيام الشِّتاء الباردة القارسة تجده يطير بين السَّماء والأَرْض بهَذ السرعة وفوق أيضًا ولا يتأثر بهَذَا البرد، كل ذَلِك دَليل على كمال قدرة الله، لكن هَذَا التَّسبيح حالي أو مقالي؟
نحنُ نعلمه حاليًا، ولكن ربما يَكُون أيضًا مقاليًا، ربما أنَّها في حال مد أجنحتها وبسطها تسبح الله؛ لأَن الطير لها نطق قَالَ اللهُ تعالى: ﴿عُلِمْنَا مَنطِقَ الْطَّيرِ﴾ [النمل: ١٧]؛ فكل شَيْء ينطق حَتَّى الحمى ينطق، وقد سُمع تسبيح الحمى بين يدي الرَّسُول - ﷺ - (^١)، فكل شَيْء يسبح بل قَالَ اللهُ في آية أُخْرَى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وهنا قَالَ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ ولم يذكر السَّموات ولم يعمم كما في قَوْلهُ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾ بل هُناكَ قَالَ: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وهنا قَالَ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ﴾ فأثبت علمنا بهَذَا التَّسبيح وهو لَيْسَ شاملًا كما في الآية الثَّانية ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، أما تسبيح ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ بلسان المقال فهَذَا لا نعلمه، ولكن بلسان الحال كما تقدَّم.
ثم أعظم من هَذَا قَالَ: ﴿قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ ﴿عَلِمَ﴾ فعل ماضٍ، فيه
_________________
(١) أخرجه الخلال في كتابه السنة (٣٥١)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (١٤٨٥)؛ عن سويد بن زيد.
[ ٢٨٦ ]
ضمير مستتر يَعود - على كلام المُفَسِّر - على الله فمعنى قَوْلهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾، أي: قد علم الله صلاته وتسبيحه، هَذَا ما ذهب إلَيْه المُفَسِّر ﵀.
والقول الثَّاني: أن فاعل ﴿عَلِمَ﴾ يَعود على ﴿مَنْ﴾ وما عطف عَلَيْها، يعني: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾؛ كل من هَؤُلَاءِ المسبحين ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾، يعني: أن الله تَعَالَى ألهم هَذِهِ الأَشْيَاء حَتَّى عرفت كَيْفَ تسبح الله ﷿ وكَيْفَ تصلي له، وأما علم الله بِذَلِك فمفهوم من قَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، فعلى رأي المُفَسِّر يَكُون في الآية شبه تكرار ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾؛ ولِهَذَا الصحيح أن قَوْلهُ: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ﴾، أي: كل من هَؤُلَاءِ المسبحين ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ﴾ هو نفسه ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ لكن بأي شَيْء علم؛ أما بالنِّسْبَةِ للبشر وكَذلِك الجن فقد علموا عن طريق الرُّسل، فالرُّسل أرسلهم الله ليُعلِّموا النَّاس كَيْفَ يصلُّون وكَيْفَ يسبِّحون الله ﷿، وأما البهائم والحيوانات الأُخْرَى فإنها علمت صلاتهها وتسبيحها بما ألهمها الله ﷿، ولكلٍ منها صلاة وتسبيح خاص، قَالَ اللهُ ﷾ على لسان موسى ردًّا على فرعون في قَوْلهُ: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾ فقال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩، ٥٠]، ثم إن هَذِهِ الهداية كما تشمل الهداية في الْأُمُور الَّتِي تحفظ أجسادها كَذلِكَ تشمل الهداية في الْأُمُور الَّتِي ألهمها الله ﷾ من التَّسبيح والصَّلاة.
وقَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿فِيهِ تَغْلِيب الْعَاقِل] اهـ. لأَن الواو في: ﴿يَفْعَلُونَ﴾ للعاقل وعلوم أن قَوْلهُ: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يشمل العاقِل وغيره، لكن الآية غلب فيها العاقِل في الموضع الأوَّل وفي الثَّاني، والسبب في ذَلِك
[ ٢٨٧ ]
والله أعلم أن التَّسبيح والصَّلاة في العاقِل أظهر منها في غير العاقِل، فلِذَلك غلب وإلَّا فغير العقلاء في الأَرْض أكثر من العقلاء، فالحيوانات والحشرات أكثر.
فالصَّلاة من أهم الأعْمَال، وسبحان الله العَظِيم انظر حَتَّى الحيوانات تصلي، قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾، ولكن صلاتها لا ندري هل مثل صلاتنا أو تختلف، المُهِمّ أن لها صلاة ولها تسبيحًا ولكنه خاص بها قد عَلَّمها الله ﷾ كَيْفَ تصلي وكَيْفَ نسبح، وعلمت صلاتها وتسبيحها.
* * *
[ ٢٨٨ ]