* قَالَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢]
* * *
قَوْلهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، والحصر يُفيد إِثْبات الحُكْم في المذكور ونفيه عما سواه، وعلى هَذَا فالإِيمَان ثابت لمن وصفوا بهَذ الصِّفات ومنتفٍ عمَّن تخلَّف عنهم منها شَيْء.
قَوْلهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الإِيمَان باللهِ ورسوله لا يَكُون إيمانًا حَتَّى يتضمَّن القبول والإذعان، أما مُجرَّد التصديق فلَيْسَ إيمان، فلو صدق الْإِنْسَان باللهِ وبرسوله - ﷺ -، ولكن لم يقبل ما جاء به ولا أذعن له فلَيْسَ بمؤمن، ولِهَذَا أَبو طالب كَانَ مصدِّقًا بالنَّبيّ - ﷺ - مع ذَلِك لَيْسَ بمؤمن به؛ لأنه لم يقبل ما جاء به ولم يذعن له.
وقَوْلهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ يعني: إيمانًا صحيحًا يتضمَّن القبول والإذعان.
قَوْلهُ: (﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ﴾ يَقُول المُفَسِّر ﵀: [أَي الرَّسُول - ﷺ - ﴿عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ كَخُطْبَةِ الجُمُعَة؛ ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ لِعُرُوضِ عُذْر لَهُمْ حَتَى ﴿يَسْتَأْذِنُوهُ﴾] اهـ.
[ ٤٢٤ ]
قَوْلهُ: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ يعني على أمر عامٍّ للمُسْلِمين من الجهاد والمشورة والجمعة وغيرها، كل أمر جامع عام للمُسْلِمين لَيْسَ أمرًا خاصًّا بهم إِذَا اجتمعوا لا يذهبون حَتَّى يستأذنوه، لأَن ذهابهم بدون اسْتِئْذان يؤدي إلى الفوضى واختلال النِّظام، فلو فُرض أنَّه نودي: "الصَّلاة جامعة" واجتمع النَّاس للتشاور في أمر ثم بعد أن حضر النَّاس قام واحد وانصرف بدون اسْتِئْذان نقول: هَذَا حرام ولا يجوز، لأَن هَذَا يؤدي إلى تفكك هَذَا الاجتماع وإلى الفوضى وعدم النِّظام، فإذا اجتمع المُسْلِمُونَ على أمر جامع، يعني: عامًّا من خطبة الجمعة وغيرها، فإنَّه لا يجوز لأحد أن ينصرف إلَّا بعذر وبعد الاسْتِئْذان، لما في ذَلِك من إضعاف الباقين؛ لأنهم لو رأوا واحدًا يقوم، قام الثَّاني، وقام الثّالث، وقام الرابع، وهَكَذا.
ولا شَكَّ - كما نُشاهد الآن - أنَّه إِذَا قام واحد من المجتمعين فإنَّه يتبعه أناس وَيكُون هَذَا بمنزلة الحائط، أي: الجدار، الَّذِي انهدم منه ثلمة؛ لا يتماسك فيما بعد، والعوام لهم مثل، يَقُولُونَ: "إذا طاح من طي الركية طية لا تُعِدّ طي الركية إلَّا طاح" الركية: البئر، يعني إِذَا سقط منها حصاة فالباقي يتداعى ولا تعده إلَّا ساقطًا.
فالحاصِل: أن المُؤْمِنِينَ حَقِيقَة إِذَا كانوا مع الرَّسُول - ﷺ - على أمر جامع، ومعنى ﴿جَامِعٍ﴾ أي شامل وعام كالتجمع للجهاد والتجمع للمشاورة والتجمع لأمر هام يَتعلَّق بالمُسْلِمِينَ عُمومًا، فإنهم لا يذهبون من مكان الاجتماع حَتَّى يستأذنوا النَّبِيّ - ﷺ -.
ثم إن المُفَسِّر ﵀ قيّده بقيد لا بُدَّ منه؛ قَالَ: [لِعُرُوضِ عُذْر لهمْ].
أيضًا لا يذهبون إلَّا لعذر، فلابُدَّ من العذر، والعذر أمر خفي لا يعلم، ولأبدَّ من الاسْتِئْذان ليتبَيَّن لجميع الحاضرين عذرهم، ولا يَكُون في ذَلِك خلل.
[ ٤٢٥ ]
وهَذ قاعِدَة عامَّة لكل اجتماع؛ فكل الاجتماعات العامَّة الَّتِي لمصلَحَة الإِسْلام والمُسْلِمِينَ لا يجوز لأحد أن ينصرف إلَّا بعذر وبعد الاسْتِئْذان.
قَوْلهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ لا شَكَّ أن تركيب الجُمْلَة على هَذَا يدُلّ على الشَّرف ورِفْعَة المكانة؛ لقَوْلهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ﴾ فإن (أولاء) اسم إِشارَة يدُلّ على تعظيم المشار إلَيْه؛ ولهَذَا جاء بِصيغَة البعيد ﴿أُولَئِكَ﴾ إِشارَة إلى علو مرتبتهم، ثم جاء مؤكَّدًا بـ (إنَّ) ثم جاء السِّيَاق بالجُمْلَة الاسْمية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فحصر الإِيمَان باللهِ ورسوله في هَؤُلَاءِ الَّذينَ يستأذنون رَسُول الله - ﷺ - قبل أن ينصرفوا إِذَا كانوا معه على أمر جامع.
قَوْلهُ: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أَمْرِهِم ﴿فَأْذَن لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ بِالانْصِرَاف ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾] اهـ.
قَوْلهُ: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ فاشترط الله ﷾ أن يَكُون الاسْتِئْذان لشأن من الشُّؤون؛ يعني لأمر من الْأُمُور الَّتِي يعذرون بها بالتخلف عن الجمع، ثم قَالَ للرَّسول: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ﴾ فجعله أيضًا مخيرًا في الإذن وعدمه؛ ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ﴾.
وهَذَا التَّخيير؛ هل هو تخيير تشهي وإرادة مطلقة أو تخيير مصلَحَة؟
تخيير مصلَحَة، لكن ما هو الضَّابِط لتخيير المصْلَحة وتخيير التشهي والإِرادَة المطلقة؟
إذا كَانَ التَّخيير من أجل الرفق بالمكلَّف؛ فهو تخيير تشهٍّ؛ مثل ما يوجد في بعض الكفارات: ككَفَّارة الْيَمِين قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ
[ ٤٢٦ ]
أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وكما في قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فإذا كَانَ الغرض من التَّخيير مُراعَاة التسهيل على المكلف؛ فهو من باب التشهي، يعني الَّذِي تشتهيه افعله.
وإذا كَانَ التَّخيير من أجل مصلَحَة عامَّة أو خاصة، فإنَّه تخيير مصلَحَة، وَذلِك فيما إِذَا كَانَ يَتعلَّق بالغير، فتخيير ولي اليتيم في بَيْع مالِه أو حبسه أو إقراضِه أو عدم إقراضِه، هَذَا من باب تخيير المصْلَحة؛ لأنه يتصرف لغيره، وكَذلِك أيضًا تخيير النَّبِيّ ﵊ في قَوْلهُ: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ﴾ هَذَا تخيير مصلَحَة، إِذَا كَانَ إِذْن الرَّسُول - ﷺ - لِهَوُلَاءِ لا يضر بالجمع.
وفيه أيضًا مصلَحَة بيِّنة أكثر من مصلَحَة بقائهم فهُنا يتعين الإذن، وإذا كَانَ يخشى إن أذن لهم أن يكثر المستأذنون وينهدم هَذَا الجمع أو أن بقاءهم في هَذَا الجمع أصلح لهم من ذهابهم لشأنهم؛ فهُنا يتعين ألّا يأذن لهم، فتخيير النَّبِيّ ﵊ هُنا يرجع إلى المصْلَحة: إِذَا اقتضت المصْلَحة الإذن أذِن، وإلَّا فلا.
وقَوْلهُ: ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ عبر بالبعض إِشارَة إلى أنهم إِذَا استأذنوا لشَيْء مهم، وإن لم يكن شؤونًا متعددة فإنَّه يَكُون عذرًا في جَواز الاسْتِئْذان والإذن لهم، ثم مع ذَلِك قَالَ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ﴾، هَذَا الاستغفار لهم لتطييب قلوبهم إِذَا انصرفوا عن هَذَا الجمع وفاتهم أجره فاستغفر لهم الرَّسُول ﵊؛ فإن قلوبهم تطيب بالانصراف ولا يبقى في قلوبهم حرج وقلق؛ هَذَا من جهة.
ومن جهة أُخْرَى يستغفر لهم، لأَنَّه قد يَكُون في اسْتِئْذانهم هَذَا أمر لا يُعذرون فيه، هم ظنّوه عذرًا فاستأذنوا من أجله، وهو لَيْسَ بعذر عند الله، وَيكُون استغفارك
[ ٤٢٧ ]
لهم ماحيًا لما عسى أن يَكُون من التقصير والتفريط في ذَلِك واستغفار الرَّسُول - ﷺ - كأنْ يقولَ: انصرفوا غفر الله لكم، أو: اللهم اغفر لهم.
وقَوْلهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هَذَا تقدَّم الكَلام علَيْه مرارًا، وقُلْنا: إن المغْفِرة في جانب الذُّنوب، والرَّحمة في جانب حصول المَطْلوب؛ ففي المغْفِرة النَّجاة من المرهوب، وفي الرَّحمة حصول المَطْلوب.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَة الْكرِيمَةِ:
الفَائِدةُ الأُولَى: أن الإِيمَان ينقسم إلى ناقصٍ وكاملٍ؛ لأَن عدم الاسْتِئْذان في الْأَمْر الجامع لا يوجب الكفر، ولكنه معْصِيَة تنافي كمال الإِيمَان، فالإِيمَان قد يُراد به مطلق الإِيمَان ولو بإيمان ناقص، والإِيمَان المطلَق هو الإِيمَان الكامل، ففرق بين مطلق الإِيمَان؛ وهو: أن تضيف كَلِمة (مطلق) إلى إيمان، وبين أن تصف الإِيمَان بالمطلَق؛ فالإِيمَان المطلَق أي: الكامل، ومطلق الإِيمَان أي: أن يَكُون مع الْإِنْسَان أصل الإِيمَان، وإن لم يكن كاملًا؛ ففي قَوْله تَعَالَى في كَفَّارة القتل: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، المُراد بالإِيمَان هُنا مطلق الإِيمَان؛ لأَنه لا يشترط في عتق الرقبة أن يَكُون المُعتَق كامل الإِيمَان، بل يكفي أن يَكُون مؤمنًا ولو أن معه أصل الإِيمَان فقط.
وفي قَوْلهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ كهَذِهِ الآية.
وفي قَوْلهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]؛ المُراد بالإِيمَان: الإِيمَان المطلَق، يعني: الإِيمَان الكامل، هو الَّذِي يَكُون على هَذِهِ الأوصاف.
[ ٤٢٨ ]
الفَائِدة الثَّانية: أن ولي الْأَمْر يَجب علَيْه التيسير على من تحت يده، لقَوْلهُ: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾.
الفَائِدة الثَّالِثَة: أن الاسْتِئْذان بدون عذر لا يُقبل؛ لقَوْلهُ: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾، أما إِذَا استأذنوا لمجرد أن يتركوا العَمَل؛ فإنَّه لا يؤذن لهم.
الفَائِدة الرَّابِعَة: تفويض الْأَمْر إلى من له ولاية، لقَوْلهُ: ﴿لِمَنْ شِئْتَ﴾، ولكن هَذَا التفويض كما أشرنا إلَيْه تفويض للمصلَحَة لا لمجرد التشهي والإِرادَة، بل لا بُدَّ إِذَا رأى أن في الإذن لهم مصلَحَة أذِن لهم، وإذا رأى أن المصْلَحة في عدم الإذن فلا يجوز أن يأذن.
الفَائِدة الخَامِسَة: عناية الله ﷾ بعباده المُؤْمِنِينَ، حيث أمر الله النَّبِيّ - ﷺ - أن يستغفر لهم ليطمئنوا على هَذَا الانصراف.
الفَائِدة السَّادِسَة: أن الأولى عدم الاسْتِئْذان حَتَى وإن كَانَ لِلإنْسان شأن، لأَن الْأَمْر بالاستغفار دَليل على أن هُناكَ شيئًا من التفريط الَّذِي أُمر النَّبِيّ - ﷺ - بأن يستغفر لهم عليه، وهَذَا صحيح، لا شَك وأن الأولى البقاء مع الجماعَة، وأن الإذن أو الاسْتِئْذان للانصراف أمر قد يَكُون فيه ذم، ولِهَذَا أمر الله نبيه أن يستغفر لهم، فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾.
الفَائِدة السَّابِعَة: انتفاع الْإِنْسَان بدُعاء غيره، لقَوْلهُ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ والشَّواهد على ذَلِك من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - كَثيرَة، ولكن هل يَنتفِع الْإِنْسَان بعمل غيره سوى الدّعاء أو لا يَنتفِع؟
الجواب: إن كَانَ له أثر في ذَلِك العَمَل، فإنَّه يَنتفِع به بلا شَك، مثل أن يَكُون
[ ٤٢٩ ]
هو الَّذِي سَنَّ هَذِهِ السُّنة، يعني: ابتدع العَمَل بها للنَّاس ودَلَّ عَلَيْها، فإن النَّبِيّ - ﷺ - يَقُول: "مَنْ سَنَّ فِي الإسْلام سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بهَا مِنْ بَعْدِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (^١).
وكَذلِك إِذَا كَانَ له أثر في العامِل مثل أن يَكُون والدًا له لقوله - ﷺ -: "إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكمْ مِنْ كسْبِكُمْ" (^٢)، فالوالد يَنتفِع بعمل ابنه إِذَا تبرع به له، ولِهَذَا جاء رجل إلى النَّبِيّ ﵊، وقال: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ" (^٣).
وكَذلِك المَرْأَة الَّتِي سألت النَّبِيّ - ﷺ - أن على أمها صوم شهر، فهل يجزيء أن تصوم عنها؟ فأذن لها النَّبِيّ ﵊ (^٤).
وكَذلِك الأضحية؛ فإن الرَّسُول - ﷺ - ضحى عن أمته، وفيهم من هو حي وميت (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، حديث رقم (١٠١٧)؛ عن جرير بن عبد الله.
(٢) تقدَّم تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب الوصايا، باب ما يستحب لمن توفي فجأة أن يتصدقوا، حديث رقم (٢٧٦٠)، ومسلم، كتاب الوصية، باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت، حديث رقم (١٠٠٤)؛ عن عَائِشَة.
(٤) أخرجه مسلم، كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، حديث رقم (١١٤٨)؛ عن ابن عبَّاس، ولفظه: أن امرأة أتت رَسُول الله - ﷺ -؛ فقالت: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، فقال: "أرأيت لو كان عليها دين، أكنت تقضينه؟ " قالت: نعم، قال: "فدين الله أحق بالقضاء".
(٥) أخرجه ابن ماجة، كتاب الأضاحي، باب أضاحي رَسُول الله - ﷺ -، حديث رقم (٣١٢٢)؛ عن عَائِشَة وأبي هريرة، ولفظه: "أن رَسُول الله - ﷺ - كان إِذَا أرد يضحي اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين؛ فذبح أحدهما عن أمته لمن شهد لله بالتوحيد وشهد له بالبلاغ، وذبح الآخر عن محمد وعن آل محمد - ﷺ -".
[ ٤٣٠ ]
ولكن لقائل أنْ يقولَ: إن الرَّسُول ﵊ أب للمُؤْمِنينَ؛ فهو كالرّجل يضحي عن أهل بيته.
وكَذلِك الحج حيث إن امرأة سألت النَّبِيّ - ﷺ -، قالت إن أباها أدركته فريضة الله علَى عِبَادِه في الحج شيخًا، لا يسْتَطيع الركوب على الراحلة، أفأحج عنه؟ قَالَ: "نعمْ" (^١)، ذلك في حجة الوداع؛ فإذا كَانَ للمهدي إلَيْه أو للإنْسان أثر في العَمَل أو في العامِل انتفع به.
لكن إِذَا لم يكن له أثر فيهما، مثل أن يتبرع قريب لقريبه أو صديق لصديقه بعمل صالح، فهل يجزئ ذَلِك أو لا يجزئ؟
اختلف في ذَلِك أهْل العِلْم؛ فالجمهور يَقُولُونَ: إنه يجزئ، وأن الْإِنْسَان لو عمل عملًا صالحًا وجعل ثوابه لشخص من المُسْلِمِينَ؛ فإنَّه يَنتفِع به، وهَذَا هو المَشْهُور من مذهب الْإِمَام أحمد، على أن أي قربة أو طاعة يتقرب بها العَبْد إلى الله ويجعل ثوابها لمسلم حي أو ميت؛ فإنَّه يَنتفِع بِذَلِك، ودليلهم على هَذَا قياس غير الأولاد على الأولاد، وقياس ما عدا الأموال على الأموال، وَيقُولُونَ: المُهِمّ أن يصل الثَّوابُ إلى الميت من غيره، قالوا: لأنَّه إِذَا جاز أن يصل عمل غير الْإِنْسَان فلا فرق بين أن يَكُون ولذا أو غير ولد؛ الشَّأن: هل يَنتفِع الْإِنْسَان بعمل غيره.
والَّذينَ قالوا بالمنع، قالوا: إن الْوَلَد لَيْسَ كغيره؛ لأَن الْوَلَد من أثر الْإِنْسَان ومن كسبه وفعله، ولَيْسَ كالأخ والقريب والصَّديق ونحوه، أما الدُّعاء للمُسْلِمين
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، حديث رقم (١٨٥٤)، ومسلم، كتاب الحج، باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما أو للموت، حديث رقم (١٣٣٥)؛ عن العباس بن الفضل.
[ ٤٣١ ]
فهَذَا أمر مجمع عليه، وفيه نَصٌّ من الكتاب والسنة والإجماع، ولا أحد يُخالف في ذَلِك.
فإذا سألنا سائل: أيهما أولى؛ أن أصلي ركعتين وأتصدق بثوابهما لشخص من أقاربي غير الْأَبّ أو أن أدعو لِهَذَا الشَّخص في صلاتي؟
نقول: الأفضل أن تدعو له في صلاتك؛ لأَن هَذَا أمر مجمع على نفعه، وأما أن تتصدق علَيْه بثواب صلاتك، فهَذَا مختلف فيه، من العُلَماء من يرى جَوازه، ومنهم من يرى أنَّه لَيْسَ بجائز ولَيْسَ بمشروع، وأن الميت لا يَنتفِع به.
هَذَا في غير من استؤجر لعمل صالح ليهديه إلى غيره، كاستئجار بعض القراء ليقرؤوا قرآنا للميت، فإن هَذَا لا يَنتفِع به الميت قطعًا؛ لأَن هَذَا الرَّجل الَّذِي قرأ لأجل المال إنما قرأ للدنيا، ومن كَانَ يُرِيد الحَياة الدُّنْيَا وزينتها فلَيْسَ له حظ في الْآخِرَة، وعلى هَذَا فلا ثواب لِهَذَا القارئ، وإذا لم يكن له ثواب هل يَنْتَفِع الميت بِذَلِك؟ لا، لأَنَّه إنما يَنْتَفِع بالثَّوابِ لا بمجرد القِراءَة.
فإذا قُلْنا هَذَا القارئ لا ثواب له، لأَنَّه أَرَادَ بعمل الْآخِرَة الدُّنْيَا بقي الميت غير مستفيد من هَذِهِ القِراءَة، فالمَسْأَلة لَيْسَت من الْأُمُور الَّتِي يطمئن فيها الْإِنْسَان إلى صِحَّة القَوْل بأن كل الأعْمَال تنفع الميت إِذَا أُهديت له أو تنفع الحي إِذَا أهديت له، ولِهَذَا نرى أن الدُّعاء للأموات خير من إهداء القُرب لهم إلَّا ما ورد فيه النَّص فيُتَّبع.
* * *
[ ٤٣٢ ]