٣٢ - ومن فوائد هذه القصة: أن الله تعالى غفر لداود ﵇، وبيَّن ما لديه من الثواب لداود في قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾.
٣٣ - ومن الفوائد لهذه الآية: إثبات العندية لله، وهي عندية قرب وعندية علم، ففي قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩]، هذه عندية علم، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩]، هذه عندية قرب، ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾.
٣٤ - ومن فوائدها أيضًا: الثناء على داود ﵊ بحسن مآبه، أي: مرجعه إلى الله، لقوله: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾.
* * *
ثم قال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ يخاطب الله تعالى داود ﵊ بالنداء، والمخاطبة بالنداء يراد بها التنبيه، لأن هناك فرقًا بين أن تقول: محمد قام وبين أن تقول: يا علي محمد قام، ففي القول الثاني تنبيه، وإذا كان الكلام يحتاج إلى تنبيه فإنه دليل على أهميته. إذ إن الكلام الذي يهتم به يقدم بين يديه ما يكون به التنبيه، فالله ﷿ ينادي داود ﵊ تنبيهًا لما سيلقي عليه فيقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ أي: صيرناك، لأن جعل تارة يكون للتصيير، وتارة يكون للإيجاد كما في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ
[ ١٢٠ ]
وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] أي: أوجدهما، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] أي: صيرناه، والفرق بينهما أنه إن تعدى إلى مفعول واحد، صار بمعنى الإيجاد، وإن تعدى إلى مفعولين صار بمعنى التصيير، ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ تعدى إلى مفعولين، الكاف وخليفه، فتكون بمعنى التصيير، ﴿خَلِيفَةً﴾ أي: خالفًا لنا في تبليغ شرعنا، وليس المراد أنه خالفًا لله أنه يأتي بعده، لأن الله تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن، لكن خليفة لله في تبليغ شرعه وحكمه بين الناس.
وقوله: ﴿فَاحْكُمْ﴾ الفاء هذه للتفريع، أي: فبناء على كونك خليفة في الأرض احكم. قال المؤلف ﵀: [﴿خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ تدبر أمر الناس] كما يدبر الخلفاء أمر مَن جعلهم الله راعين له، ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل، لأن الحق إن كان في مقابلة الخبر فهو بمعنى الصدق، وإن كان في مقابلة الحكم فهو بمعنى العدل، فإذا قيل: أخبرني محمد بكذا وهو حق يعني صدق، وإذا قلت: حكم فلان بكذا وهو حق يعني عدلًا. هنا يقول: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل، لأن الحق هنا وصف به الحكم فصار بمعنى العدل، وهذا يتضمن الحكم، وطريق الحكم، ولوازمه، فالحكم بأن تحكم بالشرع، وطريق الحق أن تعدل بين الخصمين في كل شيء، حتى إن العلماء يقولون: يجب على القاضي أن يعدل بين الخصمين في لفظه ولحظه وكلامه، وجلوسهما ودخولهما عليه، يعدل في كل شيء، ففي لفظه لا يغلظ القول لأحد الخصمين ويلين القول للآخر، وفي لحظه لا ينظر إلى
[ ١٢١ ]
أحد الخصمين نظرة غضب وإلى الثاني نظرة رضا، وفي مجلسه لا يجلس أحد الخصمين إلى جانبه والآخر بعيد عنه، وفي دخولهما عليه لا يقول لأحدهما: ادخل، قبل الآخر حتى ولو كان كافرًا، فإنه لا يقدّم المسلم عليه في الدخول، وإن كان بعض العلماء قد قال: إذا كان أحدهما كافرًا فإنه يقدّم المسلم عليه في الدخول، ولكن المقام مقام حكم فالواجب فيه العدل، وهذا كفره عليه، وهذا إسلامه له، هذا إذا كان الدخول يحتاج إلى تقديم وتأخير. أما إذا كان الباب مفتوحًا فإنه لا يلزمه أن يجعل عند الباب رجلًا يقول: ادخلا جميعًا. يجعل الأمر موكولًا إلى الخصوم. مَن جاء فليدخل، قبل الآخر أو بعده، لكن إذا كان هناك ترتيب الدخول فلا يقدم أحدهما على الآخر، هذا طريق الحكم.
أما الحكم فإذا علم أن الحق مع أحدهما وجب عليه أن يحكم له به مهما كان، سواء كان عدوًا أم صديقًا.
﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ الناس: أصلها الأناس، لكن حذفت الهمزة تخفيفًا كما حذفت من شر وخير، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٦٠] أي: بما هو أشر من ذلك، ثم قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ أي: هوى النفس، وإنما نهاه عن اتباع الهوى تعظيمًا لهذا الأمر، ولا يلزم من نهيه عنه أن يكون ممكنًا في حقه، كما قال الله تعالى للنبي - ﷺ -: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ولا يلزم من هذا أن يكون الإشراك في حقه ممكنًا. وقد يقال: إن الله
[ ١٢٢ ]
نهاه عن اتباع الهوى لقوة الهوى في البشر، فإن الهوى في البشر أمر مفطور عليه، لأنه يندر أن شخصًا يتقدم إليه أبوه مع شخص آخر عدوٍّ له، يندر ألا يكون له هوى، أو يتقدم إليه شخص من أصدقائه الحميمين مع آخر من أعدائه الألداء ثم لا يميل مع الأول، يندر هذا، فلقوة الداعي وهو الهوى نهى الله عنه، وإن كان لا يمكن في حقه.
وقوله تعالى: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فيضلك الفعل هنا مضارع ولكنه منصوب لأنه وقع بعد النهي، والمضارع إذا اقترنت به الفاء - وهذه الفاء تدعى فاء السببية - بعد النهي صار منصوبًا بأن مضمرة وجوبًا.
وقوله: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: يجعلك تضل وتحيد يمينًا وشمالًا، وقوله ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال المؤلف﵀ -: [أي: عن الدلائل الدالة على توحيده] وهذا التفسير ضعيف جدًا، بل المراد بسبيل الله طريقه الموصل إليه، لأن السبيل في الأصل هو الطريق، وأضيف إلى الله لأن الله هو الذي وضعه، وهو الذي شرعه، ولأن هذا السبيل يؤدي إلى الله، فأضيف إلى الله باعتبار وضعه، وباعتبار نهايته، وإذا قلنا: إن المراد بسبيل الله، أي: طريقه وشرعه، صار أعمّ مما قال المؤلف، وألصق باللفظ، لأن السبيل في اللغة الطريق، وليست الدلائل الدالة على التوحيد، لكن الدلائل الدالة على التوحيد لا شك أن النظر فيها من شريعة الله.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ لم يقل الله: إنك إن تتبع الهوى أو إن تضل عن سبيل
[ ١٢٣ ]
الله فلك عذاب شديد، بل أتى بالجملة الاستئنافية الاستقلالية، أولًا: تفاديًا لمخاطبة داود ﵇ بذلك، وثانيًا: ليكون أعم. إذن فيه فائدتان، ولهذا قال الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣)﴾ [عبس: ١ - ٣] فعبر بالفعل الماضي الدال على الغائب، ولم يقل: عبست وتوليت أن جاءك الأعمى وما يدريك لعله يزكى، بل قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ تفاديًا لمخاطبة الرسول - ﷺ - بمثل هذا الوصف.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)] قال المؤلف: [﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: عن الإيمان بالله] وهذا أيضًا فيه نظر، والصحيح أن سبيل الله هنا هو سبيل الله الأول، والمراد به شريعته، لأنها هي الطريق الموصل إليه. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ الجملة خبر إنَّ، واسمها (الذين) و﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ خبرها، فالجملة هنا خبر لـ"إن"، وكل جملة تقع خبرًا فلا بد فيها من رابط يربط بين هذه الجملة وبين المبتدأ، والرابط هنا الضمير في قو له: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ وقوله: ﴿شَدِيدٌ﴾ أي: قوي وعظيم، ويدلك على قوته وعظمته ما وصفه الله به في القرآن العظيم من صفات تنزعج لها القلوب، وتتفطر لها الأكباد.
﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ أي: بسبب نسيانهم يوم الحساب، فالباء هنا للسببية، وما: مصدرية، ولهذا قال المؤلف: [بنسيانهم ﴿يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ المرتب عليه تركهم الإيمان، ولو أيقنوا بيوم الحساب لآمنوا في الدنيا] وقوله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ المراد بيوم الحساب
[ ١٢٤ ]
يوم القيامة، وأضيف إلى الحساب؛ لأن الناس يحاسبون فيه على أعمالهم، وأوّل ما يحاسب عليه الإنسان فيما يتعلق بحقّ الله هو الصلاة، وأول ما يحاسب عليه فيما يتعلق بحق العالمين هو الدماء، كما قال النبي ﵊: "أول مما يقضى بين الناس بالدماء" (^١).
الفوائد:
١ - من فوائد هذه الآية: إثبات كلام الله، وأنه بحرف وصوت، وذلك من قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ﴾ فإن هذه الجملة مركبة من حروف، ولا بد أن تكون بصوت، لأنه يُخَاطَبُ بها داود، ولا بد أن يكون المخاطب سامعًا ولا سماع إلا بصوت، فيؤخذ منه الرد على الأشاعرة وغيرهم ممن قالوا: إن الله ﷾ يتكلم، وأن كلامه هو المعنى القائم بذاته، الملازم له أزلًا وأبدًا.
٢ - ومن الفوائد: أن الأمر أمر الله، هو الذي ينصب من شاء ويعزل من شاء.
٣ - ومنها: أنه لا مانع من أن يقول القائل للسلطان صاحب السلطة العليا في الأرض، أن يقول له: إنه خليفة الله، ولا يعني ذلك أن الله محتاج إلى أن يستخلف أحدًا ليقوم عنه بتدبير الخلق، ولكنه خلَّفه، أي: جعله حاكمًا بين الناس بما شرع الله ﷾.
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب القصاص يوم القيامة (٦٥٣٣)، ومسلم، كتاب القسامة، باب المجازاة بالدماء في الآخرة (١٦٧٨).
[ ١٢٥ ]
٤ - ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الحكم بين الناس بالحق لقوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾.
٥ - ويتفرع عن هذه الفائدة: أن منصب القضاء فرض كفاية، كما قال ذلك أهل العلم، وإذا لم يوجد إلا الشخص المعين المؤهل فإنه يكون فى حقه فرض عين.
٦ - ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للشخص إذا وكل إليه تولي القضاء أن يفر منه ما دام يعرف من نفسه الكفاءة، وذلك لأنه إذا فرّ منه، وفرّ الثاني والثالث والرابع تعطل هذا المنصب العظيم الذي هو منصب الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولكن إذا أتى الإنسان هذا الشيء بدون سؤال فليستعن بالله والله يعينه عليه.
٧ - ومن الفوائد: أنه يجب أن يحكم بين الناس بالحق، سوإء كان ذلك في طريق الحكم، أو في نفس الحكم، أما طريق الحكم فهو معاملة الخصمين بحيث تكون المعاملة بينهما على وجه العدل، وأما في الحكم فأن يحكم بما تقتضيه الشريعة.
٨ - ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يجوز للقاضي الحاكم بين الناس أن يحابي أحدًا لقرابة، أو صداقة، أو غنى، أو فقر، أو جاه، أو غير ذلك لقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ ويؤيد هذا قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾.
٩ - ويستفاد من هذه الآية: أنه في المقام المهم ينبغي أن يذكر الإثبات المطلوب ويذكر ضده، كأن يقال: احكم بالحق حكمًا لا يدخله الهوى، لأن من الكمال إثبات الكمال ونفي ضده، فمثلًا:
[ ١٢٦ ]
احكم بين الناس بالحق، هذا إثبات كمال، ولا تتبع الهوى نفي ضده، وإنما يؤتى بنفي الضد من أجل أن يتبين أن المطلوب ينبغي أن يكون مجردًا عن كل ما ينافيه.
١٠ - ومن فوائد الآية الكريمة: أن اتباع الهوى سبب للإضلال عن سبيل الله لقوله: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولكن هل الإضلال في نفس المخالفة؟ أم أن المخالفة نفسها ضلال، وتكون سببًا لإضلال آخر؟ الجواب هو الثاني، فإن الهوى يجلب للإنسان الضلال كما أنه هو نفسه ضلال، فإذا اتبعت الهوى في قضية ما، فانتظر اتباع الهوى في القضية التي تليها، لأن المعصية قبل أن يقع فيها الإنسان يجد نفسه تستوحش منها وتنفر، فإذا فعلها مرة هانت عليه، وانكسر الحجاب، فإذا هانت عليه أول مرة هانت عليه الثانية ثم الثالثة، حتى تصبح وكأنها لا شيء، ولهذا يضرب العامة مثلًا له فائدة، يقولون: بكثرة الإمساس يقل الإحساس، يعني إذا أكثر الإنسان مماسة الشيء قلّ إحساسه به.
والحاصل أن اتباع الهوى ضلال بنفسه، وسبب للضلال، ووجه ذلك أن المعصية تنفر منها النفس، فإذا فعلتها مرة هانت عليها، ثم الثانية تكون أهون، ثم الثالثة أهون، والرابعة أهون، حتى تصبح المعصية وكأنها ليست بمعصية، ولهذا قال: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فتجد القاضي مثلًا لا يمكن أن يحكم بالحيف والجور، وتجده نافرًا من ذلك، فإذا حكم مرة هان عليه، ثم الثانية هان عليه، ثم الثالثة والرابعة وهكذا، لذلك قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
[ ١٢٧ ]
ويمكن أن يقال: إن هذا لا يختص بالحكم بين الناس، أي: أن اتباع الهوى سبب للإضلال عن سبيل الله في كل شيء، حتى في غير الحكم، حتى في المعاصي الخاصة التي في نفسك إذا اتبعت هواك فيها فاعلم أن هذا سبب في الإضلال عن سبيل الله، فعليك أن تتوقى المعاصي فإنها شر كلها.
١١ - ومن الفوائد: أن دين الله تعالى واحد لا يتشعب لقوله: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فأفردها، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، فسبيل الله واحدة، وما خالفها فهو المتشتت. فهذا سببه الهوى، وهذا سببه خشية الناس، وهذا سببه كذا، وهذا سببه كذا، فتفرق السبل.
١٢ - ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء العظيم على شريعة الله، وذلك بإضافتها إلى الله، لأن كل ما أضيف إلى الله فإنه إذا كانت الإضافة خاصة فإن الإضافة تدل على شرفه.
١٣ - ومن الفوائد: أن الضالين عن سبيل الله متوعدون بهذا الوعيد ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: قوي، ويتفرع من هذه الفائدة الحذر من الضلال عن سبيل الله.
١٤ - ومن الفوائد: أن من أسباب الضلال عن سبيل الله نسيان يوم الحساب، والغفلة عنه، والانغماس في الدنيا حتى تنسي الإنسان ما خُلِق له، وما هو مقبل عليه، ولهذا قال: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦] أي: غفلوا عنه. وليس المراد بالنسيان الذهول الذي يعفى عنه، بل المراد بالنسيان الترك الذي هو الغفلة وعدم المبالاة به.
[ ١٢٨ ]
١٥ - ومن فوائد الآية: الحذر من الانغماس في الدنيا الذي يوجب نسيان يوم الحساب. ومن ثم حرم الشرع كل لهو يلهو به الإنسان - إلا ما استثنى- يعني باطلًا ليس فيه خير، ثم قد يكون محرمًا، وقد يكون ضياعًا للوقت بدون تحريم، لكن كل لهو يصد عن سبيل الله ينسي يوم الحساب، ولذلك تجد أقل الناس إيمانًا بيوم الحساب أكثرهم ممارسة للملاهي. ولا يمكن أن يقع في قلبه تذكر ليوم الحساب إلا نادرًا. إنْ وفق لسماع موعظة أو ما أشبه ذلك وإلا فهو غافل لاه.
١٦ - ويتفرع على هذا: أن يعرف الإنسان عداوة أعداء الله الذين أغرقونا بالملاهي وأنواعها حتى صرفوا الشباب عن ما ينبغي أن يؤهل نفسه له، فأغرقوه بالملاهي بأنواعها حتى صار الإنسان كأنما خلق لهذا اللهو، وصار رأس ماله وعقب ماله كله هو هذا اللهو، لا يتكلم إلا به، ومن فاز به، ومن لم يفز، فضاع الشباب بسبب هذا اللهو الذي انغمسوا فيه، ونسوا يوم الحساب إلا من شاء الله.
١٧ - ومن فوائد هذه الآية: إثبات الأسباب. تؤخذ من قوله تعالى: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ لأن الباء هذه للسببية.
ويتفرع عن هذه الفائدة إثبات حكمة الله ﷿، وأنه تعالى لا يفعل شيئًا إلا لسبب يقتضيه، حتى إن بعض أهل العلم قال: إن كون الله ﷿ خلق السماوات والأرض في ستة أيام دون أن يخلقها بلحظة من أجل ترتب هذا الخلق بعضه على بعض، حتى تكون الأسباب فاعلة فعلها فتنتج الشيء شيئًا فشيئًا حتى يتم، وهذا
[ ١٢٩ ]
ليس ببعيد ما دمنا نؤمن أن الله ﷿ حكيم، وأن كل شيء يكون بسبب، فلا يستبعد أن يكون بقاء خلق السماوات والأرض ممتدًا إلى ستة أيام هو من أجل هذا، من أجل أن يترتب الخلق بعضه على بعض، وينبني بعضه على بعض، حتى يكون مطابقًا للحكمة، وإلا فنحن نعلم علم اليقين أنه لو شاء الله تعالى لقال: كن فيكون بلحظة، لكن الله تعالى حكيم.
١٩ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحساب في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ الحساب يختلف، حساب المؤمن أن يخلو الله به من غير أن يَطَّلع عليه أحد فيقرره بذنوبه، فيقول: فعلت كذا، وفعلت كذا، حتى إذا رأى أنه هلك، قال الله له: "إني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم" (^١)، هذا حساب المؤمن، وهذا حساب يسير، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨] وما أيسر أن يخلو بك الله ﷿ وحدك، وليس عندكما أحد، ويكلمك وليس بينكما ترجمان، ويقول: إني قد سترتها لك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، الحمد لله على هذه النعمة.
أما الكافر فليس كذلك، الكافر ينادى عليه على رؤوس الخلائق ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ [هود: ١٨] يخزون ويفضحون ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ فهم يخزون بأعمالهم ويفضحون بها.
_________________
(١) انظر ما ورد في "صحيح البخاري" الحديث (٢٤٤١)، وعند مسلم (٢٧٦٨).
[ ١٣٠ ]