* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٢٥].
* * *
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أَرسَله الله بالآيات؛ فقالوا: ساحِر كذَّاب. قال المفَسِّر ﵀: [﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ بالصِّدْق] ﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾: من عِند الله ﷿ وهو الوَحيُ، حينما قال موسى ﵊: إنَّ الله هو ربُّكم، وإن الله واحِد، وما أَشبَه ذلك ممَّا جرَت فيه المُحَاوَرة بينه وبين فِرْعَونَ، وهذا مَذكور في سورة الشُّعَراء، وفي سورة الإِسراء وغيرهما.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ الذي عجَزوا أن يُقابِلوه بالحُجَّة الداحِضة، تَوعَّد فِرعونُ موسى فقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩]، وهذا وَعيد، شيء آخَرُ قالوا: ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا﴾ [غافر: ٢٥]، قال المفَسّر ﵀: [استَبْقوا] ﴿نِسَاءَهُمْ﴾ وعلى هذا فيَكون القَتْل لأبناء بني إسرائيلَ، واستِحْياء النِّساء يَكون وقَع مرَّتَيْن؛ المرة الأُولى قبل أن يُبعَث موسى، والمرة الثانية بعد أن بُعث.
﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾؛ لئلاّ يَبقى لهم شَوْكة، ولتَزول هَيْبتهم؛ لأنه إذا لم يَبقَ إلَّا النِّساء فالنِّساء ضَعيفات، لا يَدفَعْن عن
[ ٢٢٧ ]
أنفُسِهِنَّ، ولا يُدافِعن عن حُقوقِهن، فيَبقَى موسى وقومه على أَسوَأ حال.
ثُمَّ قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [هَلاك] (ما) نافية، و﴿كَيْدُ﴾ مُبتَدَأ، ولا يَصِحُّ أن يَكون اسمها؛ لأنَّ مِن شرط عمَل (ما) عمَلَ (ليس) أن لا يُنتَقَض النَّفيُ. قال ابنُ مالِك ﵀:
مَعَ بَقَا الْنَّفْي وَتَرْتِيْبٍ زُكِنْ (^١)
فإذا انتَقَضَ النَّفيُ؛ فإنَّها لا تَكونُ عَامِلَة عمَل (ما)، وفي القُرآن الكريم كثير من هذا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤]، ولم يَقُل: ما هذا إلَّا بشَرًا؛ لأنه انتُقِض النَّفيُ، إِذَنْ: (ما) نافِية، و﴿كَيْدُ﴾ مُبتَدَأ.
وقوله: ﴿كَيْدُ الْكَافِرِينَ﴾ الكَيْد والمَكْر والخِداع، وما أَشبَهَها، كلُّها كلِمات مُتقارِبة، معناها التَّوصُّل إلى الإيقاع بالخَصْم، من حيثُ لا يَشعُر، يَعنِي: يَتوصَّل إلى الإيقاع بخَصْمه بأسباب خَفيَّة، لا يَشعُر بها الخَصْم؛ لأن الكائِدَ والماكِر والخادِع لا يَأتِي بالشيء علَنًا هكذا، بل بأسبابٍ خَفيَّة، فهي التَّوصُّل إلى الإيقاع بالخَصْم من حيث لا يَشْعُر؛ أي: بأسباب خَفيَّة؛ فالكُفَّار لهم كيدٌ عَظيم، يَكيدون على الإسلام، وليسوا يَكيدون للإسلام؛ لأن هُناك فَرْقًا بين الكَيْد على الشيء، والكيد للشيء، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦]، ولم يَقُل: على. لكن الكَيْد بالعَدوِّ هذا يُسمَّى كَيْدًا عليه، الكافِرون لهم كَيْد على الرُّسُل، يَكيدون كيدًا عظيمًا، وَيفعَلون كل سبَب يُدحِضون به حُجَّة الرُّسُل، ولكن مَهما عمِلوا؛ فالله ﷿ يَقولُ: قوله تعالى: ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ كَيْدُهم في ضَلال؛ أي: في هَلاك وضَياع. كما أنَّ الضالَّ لا يَهتَدِي السَّبيل كذلك كَيْد هَؤلاء الكُفَّارِ لا يُوصِلهم إلى المَقصود.
_________________
(١) الألفية (ص: ٢٠).
[ ٢٢٨ ]