* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥].
قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ المُجادَلة هي: المُخاصَمة، والمُناظَرة من أَجْل إفحام الخضْم، مَأخوذة من جَدْل الحَبْل، أي: فَتْله؛ فإن الحَبْل إذا فُتِل احتكَم وصار أَقوى، فهذا المُجادِل تَجِده يَحتكِم ويَتَصلَّب من أَجْل أن يَغلِب مجُادِله.
وقوله: ﴿فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [مُعجِزاته] والصوابُ: أن يُقال: آياتُ الله يَعنِي: العلامات الدالَّة على ما يَستَحِقُّه جَلَّ وَعَلَا من الرُّبوبية، والأُلوهية، والأَسْماء والصفات، والأحكام، وغير ذلك. هذا هو المُراد، وقد سبَقَ أنه لا يَنبَغي أن نُسمِّيَ الآياتِ المُعجِزاتِ؛ لأن ذلك نَقْصٌ في التَّعبير، وليس محُدِّدًا للمَعنى، ورُبَّما يَدخُل عليه فِعلُ المُشعوِذين، والسحَرة؛ لأنه مُعجِز.
وقوله: ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ هل هم يُجادِلون لإثبات الآيات، أو لنَفيِ الآيات؟ الثاني لا شَكَّ؛ ولهذا قال: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾؛ لأنهم لو كانوا يُجادِلون لإثبات الآيات، والإقرار بها، لكانوا على سُلْطان.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [بُرهان] أي: بغَيْر دليل،
[ ٢٨٥ ]
وذلك لأن السُّلْطان كل ما يَكون به السُّلْطة، ويَختَلِف بحَسب السِّياق، فالإمام الأعظم يُسمَّى السُّلْطان؛ لأنه ذو سُلطة. والدليل يُسمَّى سُلْطانًا، لأن الآخِذَ به ذو سُلْطة.
وعلى هذا يَكون معنى قوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ أي: بغَيْر دَليل. وهذا النَّعتُ أو الحالُ، لأن جُمْلة: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ حال من فاعِل ﴿يُجَادِلُونَ﴾ هذا الوَصْفُ وَصْف لبَيان الواقِع، وليس وَصْفا مُقيَّدًا، والفَرْق: أننا لو قُلْنا: إنه وَصْف مُقيَّد صار الذين يُجادِلون بآيات الله لإِبْطالها أحيانًا يَكون معَهم سُلْطان، وأحيانًا لا يَكون معَهم سُلْطان، والواقِع أنه ليس لهم سُلْطان، والقيد المُبيِّن للواقِع ليس له مَفهوم، وهذا آتٍ في القُرآن كثيرًا، وإنَّما المَقصود به -أي: بالقَيْد المُبيِّن للواقِع- الاستِدْلال؛ يَعنِي: فكأنه تَعليلٌ للمَوْصوف.
وانظُرْ إلى قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧] فقوله: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ مُبيِّن للواقِع وليس قيدًا؛ لأنه لا يُمكِن أن يَدعوَ أحدٌ مع الله إلهًا آخَرَ له فيه بُرهانٌ.
وكذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فإنَّ هذا لا يَعنِي أنه قد يَدْعونا لما لا يُحيِينا، بل هو لا يَدعونا إلَّا لما يُحْيينا، فيَكون هذا كالتَّعليل لمَوْصوفه الذي صار قيدًا فيه.
إِذَنْ: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ هذا نَقولُ: إنه وَصْف لبيان الحال والواقِع، وأنه لا سُلْطانَ لهم بذلك، وعلى هذا فيَكون كالتَّعليل لمَوْصوف، وأَعنِي بالوَصْف هنا ما يَشمَل الحال وغير الحال. وقوله: ﴿أَتَاهُمْ﴾ الجُملة صِفة لـ ﴿سُلْطَانٍ﴾.
[ ٢٨٦ ]
وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ هذه الجُمْلةُ خبَر المُبتَدَأ. وقوله: ﴿كَبُرَ﴾؛ أي: عَظُمَ، وضُمَّت الباء حتى صار من باب فعُل؛ لأنه أُريد به التَّعجُّب، يَعنِي: ما أكبَرَ مَقتَهم عند الله! قال: ﴿مَقْتًا﴾ هذه تمَييز، تمَييز لـ ﴿كَبُرَ﴾ لأن كبُر المراد به الجِدال؛ يَعنِي كبُرَ جِدالهم مَقْتًا، فهي مُميِّزة للفاعِل المحذوف، بل الفاعِل المُستَتِر.
وقول المفَسِّر ﵀: [﴿كَبُرَ﴾ جِدالهُم ﴿مَقْتًا﴾] الصواب أن يُقال: كبُرَ مَقْتهم مَقْتًا عند الله؛ لأن التَّمييز مُبيِّن للفاعِل المُستَتِر، وقوله: ﴿مَقْتًا﴾ المَقْت هو أشَدُّ البُغض.
وقوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ مُتعلِّق بـ ﴿كَبُرَ﴾.
قوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعنِي: وكذلك المُؤمِنون يَكبُر مَقتُهم لهؤلاء المُجَادِلين في آيات الله بغير سُلْطان الذين يُريدون إِدْحاض الحَقِّ، وإظهار الباطِل.
وقوله: ﴿وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إذا أُطلِق الإيمان فالمُراد به ما يَشمَل الإسلام، وإذا أُطلِق الإسلام فالمُراد به ما يَشمَل الإيمان؛ ولهذا لو سُئِلت وقيل لك: هل الإسلام والإيمان مُتَرادِفان بمَعنًى واحِدٍ؟ فقُلْ: هُما عند الإفراد مُتَرادِفان، وأمَّا عند الاقتِران فإنه يُفسَّر الإيمان بأعمال القُلوب، والإسلام بأعمال الجَوارِح؛ مثال ذلك قول الله ﵎: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] ففَرَّق بين الإيمان والإسلام؛ وبَيَّن أنَّ الإيمان لم يَدخُل في قلوبهم، ولكنه قريب الدّخول؛ لأنَّ (لمَّا) تُفيد القُرْب، وفي حديث جِبريلَ فَرَّق بين الإيمان والإسلام.
[ ٢٨٧ ]
ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦].
ففَرَّق بين هذا وهذا، المُخرَجون مُؤمِنون، والبيت مُسلِم؛ لأن في البيت امرأةً كافِرةً، وهي امرأةُ لُوطٍ؛ فهي في ظاهِر الحال مُسلِمة، مُستَسلِمة؛ لأنها لا تُظْهِر أنها كافِرة، كما قال تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾، ولكن حينما أَراد الله ﷿ أن يُنجِيَ مَن يُنجِي من قوم لوط أَنجَى المُؤمِنين فقَطْ، وأمَّا المَرْأة فتقِيَتْ مع قومها وهلَكَت.
فإن قال قائِل: ما الحِكْمة من بقاء زَوْجاتهم معَهم؟ أي: نوح ﵇ ولوط ﵇، هل لم يَكونوا يَعلَمون ذلك؟
فالجَوابُ: ما دام أن الله تعالى يَقول: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾، وقال له: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾، فهُمْ لم يَكونوا يَعلَمون، وهذه لأَجْل الاعتِبار بالنِّسبة لزَوْجات الرسول - ﷺ -، وهذه السورة كلُّها نزَلت شِبْه مُعاتِبة لزوجات الرسول - ﷺ -: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] فالمَقصود بيانُ عِناية الله ﷿ برَسوله - ﷺ -، وأنَّكما إن تَظاهَرْتمُا عليه؛ فله أَولياءُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ نَعوذُ بالله، ﴿كَذَلِكَ﴾ تقدمت قريبًا، وقُلْنا: مِثلُ هذا التَّرْكيبِ يَكون إعرابُه كالتالي: الكافُ اسمٌ بمَعنى مِثْل، وهي مَفعول مُطلَق للفِعْل الذي بعدها، العامِل فيها الفِعْل الذي بعدَها، و﴿يَطْبَعُ﴾ هو الفِعْل العامِل، وعليه فنَقول: مِثْل هذا الطَّبعِ يَطبَع الله.
[ ٢٨٨ ]
وأمَّا قول المفَسِّر ﵀: [مِثْل إِضْلالهم] ففيه نظَر، وإن كان يَلزَم من الإضلال الطَّبْع، لكن الأحسن أن يُفسَّر بما يُطابِق العامِل، فيُقال: مِثْل هذا الطَّبْعِ يَطبَع الله.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿يَطْبَعُ﴾ يَختِم]، نَعَمِ؛ الطَّبعْ بمَعنى الخَتْم؛ كأن الله جعَل على قُلوبهم غِلافًا ثُم ختَمَ عليه، كما يُختَم على الوثائِقِ، وقد أَشارَ الله إلى ذلك في قوله: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا﴾ [النساء: ١٥٥].
قال المفَسِّر ﵀: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ بالضَّلال ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾]، قوله: [﴿يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ بالضَّلال] يُقال فيها كما قيل فيما سبَقَ؛ بأن المُراد يَطبَع الله بالطَّبْع على القُلوب على كل قَلْب مُتكبِّر.
وقوله: [﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ بتَنوين قَلْب، ودونَه] على كلِّ قَلْبٍ مُتكبِّر، وعلى كلِّ قلبِ مُتكَبِّر، والفَرْق أنه على قِراءة التَّنوين يَكون التَكبُّر وَصْفًا للقَلْب، وعلى قِراءة الإضافة يَكون الطبع على قَلْب المُتكَبِّر، وليس القلبُ هو المُتكَبِّرَ، والمَعنَى واحِد؛ لأنه إذا تَكبَّر القَلْب تَكبَّرَت النَّفْس؛ لقول النَّبيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "أَلَّا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ أَلَّا وَهِيَ القَلْبُ" (^١).
قوله: ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ "قلبٍ مُتكَبِّرٍ" التَّكبُّر معناه التَّرفُّع، يَعنِي: أنَّ الإنسان يَترفَّع، وهو نوعان: تَكبُّر على الخَلْق، وتَكبُّر عن الحَقِّ. وإلى هذا يُشير قول النَّبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: "الْكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ" (^٢) بطَر
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، رقم (٥٢)، ومسلم: كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم (١٥٩٩)، من حديث النعمان بن بشير - ﵁ -.
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، رقم (٩١)، من حديث ابن مسعود - ﵁ -.
[ ٢٨٩ ]
الحَقِّ يَعنِي: رَدُّه، وعدَم الإذعان له. وغَمْط الناس يَعنِي: احتِقارُهم، فيَرَى نفسه أنه فوقَ الناس، هذا هو الكِبْر -والعِياذ بالله- ومَعلومٌ أنَّ مَن غمَطَ الحقَّ وازدَراه فإنَّه لا يَأخُذ به، إِذْ كيف يَأخُذ بشيءٍ يَرَى أنَّه نقيصة، وكذلك مَن غَمَطَ النَّاسَ فإنه لا يَعْدِل فيه، بل يُعامِلهم بالكِبْرياء -والعِياذُ بالله- فيَكون الطَّبْع حقيقًا بمِثْل هذا القَلْبِ، وقد أَخبَرَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه لا يَدخُل الجَنَّة مَن في قَلْبه مِثْقال حَبَّة خَرْدَل من كِبْر (^١).