* * *
* اللهُ ﷿: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨].
* * *
قال الله ﵎: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ هذا من جملة دُعاء الذين يَحمِلون العَرْش ومَن حولَه، يَقولون: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ ربَّنا؛ أي: يا ربَّنا، وكرَّروا النّداء بالربوبية؛ لأنهم كانوا بالأوَّل يَسأَلون الله المَغفِرة لهم، ووِقاية عَذاب الجَحيم، وهذا من باب التَّخلية؛ أي: السلامة ممَّا يَضُرُّ، أمَّا الثاني: فهو من باب التَّحلية؛ أي: من باب حُصول المَطلوب ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ فتَرَى الجُملة الأُولى من الدُّعاء فيها النَّجاة من المَرهوب، والثانية فيها حُصول المَطلوب، ولهذا كرَّروا قولَهم: ربَّنا.
﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ﴾ وجعَلوا هذه الجُمْلةَ مَعطوفة على ما سبَقَ لا مُستَأْنَفة؛ أي لم يَقولوا: ربَّنا أَدخِلهم. قالوا: وأَدخِلهم؛ لتَحقُّق ما قبلَها؛ لأن العَطْف يَقتَضي ثُبوت المعطوف عليه وكونه أصلًا، فكأنهم قالوا: ربَّنا واجمَعْ لهم مع ما سبَقَ أن تُدخِلَهم جنَّاتِ عَدن.
وقوله: ﴿جَنَّاتِ﴾ جَمعْ جنَّة، والجَنَّة تَأتِي في القُرآن مجموعة وتَأتي مُفرَدة، فباعتِبار الجِنْس هي جَنَّة واحِدة، وباعتِبار الأنواع هي جِنان، ذكَر الله تعالى فيها أربعة
[ ١٠٥ ]
أنْواع في مَوضِع واحِد: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]، ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢)﴾ [الرحمن: ٦٢]، فهي تُجمَع باعتبار الأنواع، وتُفرَد باعتِبار الجِنْس.
والجَنَّة في الأصل البُستان الكثير الأشجار، وسُمِّيَ بذلك؛ لأنه يَجِنُّ مَن فيه. أي: يَستُره لكَثْرة أشجاره. والمُراد بها شَرْعًا دار النَّعيم التي أَعَدَّها الله تعالى لأَوْليائه، فيها ما لا عَينٌ رأَتْ، ولا أذُنٌ سمِعَت، ولا خطَرَ على قَلْب بشَرٍ، وسَقْفها عَرْش الله ﷿، فهم أَقرَب الناس إلى الله.
وقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ العَدْن بمَعنى الإقامة، يُقال: عدن بمَكان، أي: أَقام، ومنه سُمِّي المَعدِن لمَعادِن الأرض؛ لأن المَعدِن مُقيم ثابِت راسِخ في الأرض، فجَنَّات عدن أي: جنَّات إقامة، ووُصفت بذلك؛ لأن أهلَها لا يَبغون عنها حولًا، ولأنها دائِمة أَبَدَ الآبِدين.
وقوله: ﴿الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ صِفة ﴿جَنَّاتِ﴾، وإنَّما قالوا ذلك اعتِرافًا بفَضْل الله تعالى أوَّلًا وآخِرًا، وتَوسُّلًا إليه بتَحقيق ما طلَبوا؛ لأنَّ الله إذا وعَد شيئًا أَتمَّه، فإنه لا يُخلِف المِيعاد، فصار ذِكْر قول: ﴿الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ له فائِدتان:
الأُولى: الاعتِراف بفَضْله ﷾؛ حيث وعَدَهم هذه الجَنَّاتِ.
الثانية: التَّوسُّل إلى الله تعالى بإجابة الدُّعاء، كأنهم يَقولون: أَدخِلهم هذا؛ لأنك وعَدْتهم إيَّاه، فيَكون من باب التَّوسُّل بوَعْده إلى تَحقُّق مَوْعوده.
وقوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ مَن صلَح يَقول المفَسِّر ﵀: [عَطْف على (هُمْ) في ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾ أو في ﴿وَعَدْتَهُمْ﴾]، فالواو حرف عَطْف، و﴿وَمَنْ﴾ اسم مَوْصول مَبنيٌّ على السُّكون في مَحَلِّ نَصْب عطفًا على
[ ١٠٦ ]
﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾ أو على ﴿وَعَدْتَهُمْ﴾، والأحسَنُ أن يَكون عطفًا على ﴿وَأَدْخِلْهُمْ﴾، فيَكون الدُّعاء بالدُّخول شامِلًا لهم ولمَن صلَح من آبائهم وأزواجهم وذُرِّيَّاتهم.
فقوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هذا احتِرازٌ جيِّد حيث قالوا: ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾ ولم يَقولوا: وآبائِهم وأزواجهم وذُرِّيَّاتهم، قالوا: ﴿وَمَنْ صَلَحَ﴾؛ لأنهم لو دعَوْا بالعُموم لكان فيه نوع من الاعتِداء في الدُّعاء؛ لأن الاعتِداء في الدُّعاء هو أن يَدعوَ الإنسان بما لا يُمكِن شَرْعًا أو حِسًّا، كل مَن دعا الله تعالى بما لا يُمكِن شَرْعًا أو حِسًّا فإنه مُعتَدٍ في الدعاء، ولو زِدْنا أيضًا أو حِسًّا أو عادة فهو مُعتَدٍ، فلو سأَل الله تعالى أن يُخرِج له ولَدًا من جِدار بيته لكان هذا اعتِداءً في الدُّعاء، ولو سأَل الله تعالى أن يَجعَله نبيًّا لكان هذا اعتِداءً في الدُّعاء؛ لأن ذلك لا يُمكِن شرعًا، ولو سأَل الله أن يَجعَل السَّمواتِ والأرضَ بيَدِه لكان هذا مُعتَديًا في الدُّعاء؛ لأنه لا يُمكِن عَقْلًا، فما لا يُمكِن شرعًا، أو عقلًا، أو عادة، أو حِسًّا؛ فإنه لا يُدعَى الله به؛ لأن هذا اعتِداءٌ في الدُّعاء.
فهنا يَقول الله ﷾: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾ لو قالوا: آباءهم لكان فيه نَوْع من الاعتِداء حيث إن آباء هَؤلاءِ قد يَكونون مُشرِكين كُفَّارًا، لا يَستَحِقّون أن يَدخُلوا الجنَّة، فيَقول: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ﴾ جمع زَوْج، ﴿وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ جمع ذُرِّيَّة، فذكَروا الأصول والفُروع والمُصاهَرة، الأُصول والفُروع: آباء وذُرِّيَّات، والمُصاهَرة: أزواج.
أمَّا إذَا قالَ القَائِل في دُعائِه: اللهُمَّ اغفِرْ لنا ولآبائنا وذُرَّيَّاتنا وإخواننا، وجَدَّاتنا وأجدادنا، وخالاتِنا وأَخْوالنا، وعمَّاتنا وأعمامنا، والأصول والفُروع والحَواشي، هذا ليس تَكرارًا للدُّعاء، إنما هو تَكرار للمَدعوِّ لهم، وأنت تَرى المَلائِكة الآنَ ما دعَت
[ ١٠٧ ]
إلَّا لثلاثة أصنافٍ فقَطْ: الأصول، والفُروع، والأصهار - الزَّوْجات - لكن لا نَقول في هذا شيئًا، لا نُنكِر عليه، لكن كونه يُطوِّل على الناس بمِثْل هذه الأشياءِ قد يَكون فيه مضَرَّة على الناس وتعَب.
قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ هذه جُمْلة استِئْنافية يُراد بها التَّوسُّل إلى الله تعالى بعِزَّته وحِكْمته أن يُحقِّق هذا الدُّعاءَ أو هذا المَدعوَّ به.