* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢].
* * *
قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ هذا هو الرَّابع، قال المُفَسِّر ﵀: [المُؤْمِنون ولا الكُفَّار] فعلى كَلَام المُفَسِّر يكون في الآيَة تَكْرارٌ؛ لأَنَّه فسَّر الأَوَّل ﴿الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ بالكافِرِ والمُؤْمِن، وهنا قال: ﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [المُؤْمِنون والكُفَّار] ولو أرَدْتُ أن أَسْلُكَ مَسْلَكَه لقلت: ﴿الْأَحْيَاءُ﴾ ذوو العِلْمِ و﴿الْأَمْوَاتُ﴾ ذوو الجَهْل؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]؛ ولأنَّ الله تعالى جَعَلَ الوَحْيَ رُوحًا تَحْيا به القُلُوبُ والنُّفُوس، ولكنَّني لا أَسْلُك مَسْلَكَه، إنَّما لو أرَدْتُ أن أَسْلُك مَسْلَكَه لقلت: (الأحياء والأَمواتُ: العُلَماء والجُهَّال)، لأنني إذا سَلَكْتُ هذا المَسْلَك فعندي على ذلك البُرْهان، وهو قَوْله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ إلخ [الأنعام: ١٢٢] فإذا سَلَكْتُ هذا المسلك سَلِمَتِ الآيَةُ من التَّكرارِ.
ونحن نَعْلَم جميعًا أنَّ من القواعِدِ المَعْروفة في الكَلَام أنَّه إذا دار الأَمْرُ بين حَمل الكَلَامِ على التَّأْسيسِ أو على التَّوْكيدِ وَجَبَ حَمْلُه على التَّأْسيسِ؛ لأنَّه هو الأَصْل، فالأَصْلُ في الكَلَام أن يكون مُسْتَقِلًّا مُؤَسِّسًا لا مُؤَكِّدًا.
[ ١٦١ ]
والتَّأْسيسُ معناه الأَصْل والأَساس؛ يعني: هذا مَعْنًى جديدٌ غَيْرُ المَعْنى الأَوَّل، فإذا قال قائل مثلًا: هذه الجُمْلَةُ مُؤَكِّدَة للأولى، وقال الثاني: هذه الجُمْلَة مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسها، فإنَّه يُحْمَل على أنَّها مُسْتَقِلَّة بنفسها.
وأقول: الأحياءُ والأَمْواتُ يُراد به الحياةُ الحِسِّيَّةُ والمَوْت الحِسِّيُّ، فكلٌّ يَعْرِف الفَرْقَ بين الحَيِّ والمَيِّت، حتى الكُفَّارُ يَعْرِفونَ الفَرْقَ بين الحَيِّ والمَيِّت، والذي يماثل هذه الأشياء النَّفْسِيَّة من الأُمُور المَعْقولَةِ هو مَثَلها.
وَقَوْل المُفَسِّر ﵀: [وزيادَةُ (لا) في الثَّلاثَةِ تَأكيدٌ]، هذه الجُمْلَة أفادت أنَّ لدينا زيادَةً، وأنَّ الفائِدَة من الزِّيادَة التَّوْكيدُ، فالزِّيادَة في هذه الثَّلاثِ: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ وفي قَوْله تعالى: ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ وفي قَوْله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ فـ (لا) خَمْسُ مرات، لكنْ جَعَلَها المُفَسِّر ﵀ ثلاثة؛ لأنَّ المُتقابِلَ فيها ثلاثة، (الظُّلُمات والنُّور) هذه يريد أن تكون واحِدَة، و(الظِّلُّ والحرور) واحِدَةٌ، و(الأحياء والأموات) واحِدَةٌ، المُهِمُّ أنَّ الزِّيادَة التي جاءت في المواضِعِ كُلِّها سواء قلنا: ثلاثَة أو خَمْسة فهي للتوكيد؛ إذ لو قيل: (وما يستوي الأعمى والبصير، والظُّلمات والنُّور، والظِّلُّ والحَرور، والأَحْياءُ والأموات) استقام الكَلَامُ، لكِنْ يُؤتَى بـ (لا) الزَّائِدَة للتَّوْكيدِ.
وفيها أيضًا فائِدَة ثانِيَةٌ: وهي عَدَمُ السَّآمَة والمَلَل؛ لأنَّها لو حُذِفَت لطالت المعطوفاتُ بَعضُها مع بعض، فكرَّر فيها عامِل النَّفْيِ ليكون أَبْعَدَ عن السَّآمَةِ.
فإن قُلْتَ: هل لذلك نظيرٌ في كِتَاب الله؟
فالجواب: نعم، لهذا نظيرٌ في مواضِعَ كثيرة، منها ما نقرؤه في كل صَلاةٍ: وهي ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] إذ لو قال: (غَيْرِ المَغْضوبِ عليهم
[ ١٦٢ ]
والضَّالِّين) استقام، لكن زِيدَتْ (لا) للتَّوْكيدِ.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ هِدايَتَه فَيُجيبُه] أي: المُسْمَعُ [بالإيمان]؛ يعني أنَّ الله تعالى يدعو إلى دار السَّلامِ؛ كما قال في آيَةٍ أخرى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥] دُعَاء الله ﷾ إلى دارِ السَّلام هل يَسْمَعُه كُلُّ أَحَدٍ؟
الجواب: أمَّا من حيث الإدراكِ الحِسِّيِّ فإنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَسْمَعُه، أمَّا من حيث الإجابَةُ فلا، فمن النَّاس من يُجيبُ، ومنهم من لا يُجيبُ؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥] فالله تعالى يُسْمِعُ من يشاء؛ بمَعْنى: من يكون أَهْلًا لاتِّباع هؤلاء الرُّسُل.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾: (ما) هنا حِجازِيَّة، واسْمُها الضَّميرُ ﴿أنَت﴾ والباءُ في ﴿بِمُسْمِعٍ﴾ زائِدَة للتَّوْكيدِ، و(مُسْمِع): خَبَرُها مَنْصوبٌ بِفَتْحَة مُقَدَّرَة على آخِرِه منع من ظُهُورها حَرَكَةُ حَرْفِ الجرِّ الزَّائِد.
﴿مَنْ﴾: مفعول لـ (مُسْمِع)؛ لأن (مُسْمِع) اسْمُ فاعل.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أي: الكُفَّارَ، شَبَّهَهُم بالمَوتى؛ فيُجيبوا] قَوْله: [فيجيبوا]، في بعض النُّسَخ: (فيُجيبونَ) وهذا خطأ؛ لأنَّ النون يَجِبُ أن تُحْذَف؛ لأنَّه جوابُ النَّفْيِ في قَوْله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ وفي بعض النُّسَخ: (فلا يجيبون)، فهي مُنْفَصِلَة عما قبلها؛ أي: فهم في عَدَمِ إِسْماعِهِم لا يُجيبونَ.
على كُلِّ حالٍ: المُفَسِّر ﵀ يقول في قَوْلِه تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ بِقَوْله: [أي: الكُفَّار] والذي يظهر لي أنَّ المُرادَ به الموتى حَقيقَةً، والرَّسُولُ
[ ١٦٣ ]