* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١].
* * *
ثم قال ﵎ مُبَيِّنًا تمامَ قُدْرَتِهِ ومِنَّتِهِ على عبادِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [أي: يَمْنَعُهُمَا من الزَّوَالِ].
قَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الإمساكُ بمَعْنى القَبْضِ على الشَّيْء والتَّمَكُّن منه، وفَسَّره المُفَسِّر ﵀ بالمَنْعِ وهو لازِمٌ للإِمْساكِ.
وَقَوْله تعالى: ﴿أَنْ تَزُولَا﴾ أنْ هذه مَصْدَرِيَّة حُذِفَ منها حرف الجَرِّ؛ لأنَّه يَطَّرِدُ حَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ مع (أنَّ) و(أنْ) إذا أُمِنَ اللَّبْسُ، وهنا اللَّبْس مأمون، وإذا كان الكَلَام على تَقْديرِ (مِن) فَحَوِّلْ (أنْ) وما دَخَلَتْ عليها إلى مَصْدَرٍ يَكُنْ سَبْكَ الكَلَام: إنَّ الله يُمْسِكُ السَّمَواتِ والأَرْضَ مِنَ الزَّوَالِ.
وَقَوْله تعالى: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ تَرِدُ هذه العِبارَة كثيرًا في القُرْآن، وهي جَمْعُ السَّمَواتِ وإفْرَادُ الأَرْضِ، ولم تَأْتِ الأَرْضُ مَجْموعَةً في القُرْآنِ بِلَفْظِها، ولكن جاءت بِلَفْظٍ يدلُّ على التَّعَدُّدِ، وهو قَوْله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] فإنَّ المِثْلِيَّة هنا تتعَيَّن أن تكون في العَدَدِ؛ لأنَّه لا يُمْكِن أن تكون الأَرْضُ
[ ٢٨٦ ]
مِثْلَ السَّمَواتِ في الحَجْمِ ولا مِثْلَها في الصِّفَة، وإذا امتنع أن تكون مُماثِلَة للسَّماء في الحجم وفي الصِّفَة تعيَّنَ أن تكون مُماثِلَة للسَّماء في العدد.
والسُّنَّة جاءتْ باللَّفْظِ الصَّريحِ مِنْ أنَّ الأَرَضينَ سَبْعٌ؛ كما في قَوْلِه - ﷺ -: "مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" (^١).
وَقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [لام قسم] اللَّامُ لامُ القَسَمِ و(إن) شَرْطِيَّةٌ و﴿زَالَتَا﴾ الفِعْلُ هنا فِعْلُ الشَّرْطِ، و﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ الجُمْلَةُ جوابُ الشَّرْطِ و﴿إِنْ﴾ هنا يقول المُفَسِّر ﵀: [ما] أي تكونُ نافِيَةً ﴿أَمْسَكَهُمَا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [يُمْسِكهُما] إِشَارَةً إلى أن ﴿أَمْسَكَهُمَا﴾ فعل ماضٍ لَكِنَّه بمَعْنى المضارِعِ، لأنَّه وقع جوابًا للشَّرْطِ، ومعلومٌ أنَّ جواب الشَّرْط يكونُ للمُسْتَقْبَلِ ولا يكون للماضي؛ لأنَّه لا يكون إلا بعد تحَقُّقِ الشَّرْطِ، وتحَقُّقُ الشَّرْطِ أمرٌ مُسْتَقْبَل.
وَقَوْله تعالى: ﴿مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾: (من) هذه زائِدَةٌ زائِدَة؛ زائِدَةٌ في الإِعْرابِ ولَكِنَّها تزيدُ في المَعْنى.
و(زائِدَةٌ) اسْمُ فاعِلٍ من زاد يزيدُ، ونحن نعرف أنَّ زاد يأتي مُتَعَدِّيًا ويأتي لازمًا، فإذا قلت: زاد الشَّيْءُ؛ يعني: ارْتَفَعَ وكَثُرَ، وما أشبه ذلك، فهي لازمة، وإذا قلت زِدْتُه خَيْرًا صارت مُتَعَدِّيَة؛ لهذا نقول: هي زائِدَةٌ زائِدَة؛ ولهذا يقول بعضُ النَّاسِ - إذا رأى هذا الكَلَام -: هذا تناقُضٌ كيف يكون الشَّيْءُ (زائدًا زائدًا)؟ !
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في سبع أرضين، رقم (٣١٩٨)، ومسلم: كتاب المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، رقم (١٦١٠)، من حديث سعيد بن زيد - ﵁ -.
[ ٢٨٧ ]
ونقول: (مِنْ) زائِدَة إِعْرابًا زائِدَةٌ مَعْنى؛ فتزيد في المَعْنى وهو تأكيدُ النَّفْي.
وَقَوْله تعالى: ﴿أَحَدٍ﴾ فاعِلُ أَمْسَكَ مَرْفوعٌ بضَمَّة مُقَدَّرَةٍ على آخره منع من ظهورِهَا اشْتِغالُ المَحَلِّ بحَرَكَةِ حَرْفِ الجَرِّ الزَّائِدِ.
والمَعْنى: لَئِنْ قُدِّرَ أن تزولَ السَّمَواتُ والأَرْضُ فإنَّه لا أَحَد يَسْتَطِيعُ أن يُمْسِكَهُما سوى اللهِ ﷿ وهو كذلك؛ وهذا هو الواقِع، بل لو زال ما دون السَّمَواتِ والأَرْضِ من النجومِ والكواكبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ ما استطاع أَحَدٌ أن يُمْسِكَه سوى اللهِ ﷿، بل لا يَسْتَطِيع أَحَدٌ أن يَصْرِفَ شيئًا من هذه الكواكِبِ أو النُّجُومِ أو الشَّمْسِ أو القَمَرِ؛ أن يصرفه عن جِهَةِ سَيْرِه إلا اللهُ ﷿، ولا أن يَمْنَعَه مِن سَيْرِه إلا اللهُ ﷿.
قال في الإِعْراب هنا: قلنا إن اللام في (لَئِنْ) لامُ القَسَمِ و(إن) شَرْطِيَّة و(إن أَمْسَكَهُما) جوابُ القسم؛ لأنَّ لدينا قاعِدَةً: إذا اجتمع الشَّرْطُ والقَسَمُ حُذِفَ جوابُ المُتَأَخِّرِ منهما، قال ابن مالك ﵀ مُقَرِّرًا هذه القاعِدَة:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوُ مُلْتَزَمْ (^١)
إذن: فالمُؤَخَّر هنا الشَّرْطُ، فيكون جوابه هو المَحْذُوفَ؛ دَلَّ عليه جوابُ القَسَمِ.
يقول ﵀: [﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ أي في تأخير عقابِ الكُفَّار].
قَوْله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ هذه الجُمْلَة مناسَبَتُها لما قبلها أنَّها تعليلٌ لما قبلها، فارتباطُها به ارتباطُ العِلَّة بالمَعْلولِ؛ يعني أنَّه في إمساكِهِ للسَّموات والأَرْض كان
_________________
(١) الألفية (ص ٥٩).
[ ٢٨٨ ]
حليمًا غفورًا، ولولا حِلْمُه ومَغْفِرَتُه لزالت السَّمَواتُ والأَرْضُ وهَلَكَ من فيهما.
و(الحليمُ) اسمٌ من أَسْماء الله، ومعناه ذو الحِلْم، والحِلمُ هو تأخير العقوبة عن مُسْتَحِقِّها، تأخيرُ عُقُوبةٍ وليس تركَ عقوبةٍ؛ لأنَّ تَركَ العُقُوبَة عَفْوٌ، ولكنَّ تأخيرَ العُقُوبَة عن المُسيءِ يُسَمَّى هذا حِلْمًا؛ قال ابن القيم ﵀:
فَهُوَ الحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِلُ عَبْدَهُ بِعُقُوبَةٍ لِيَتُوبَ مِنْ عِصْيانِ (^١)
فبِحِلْمِه ﷿ تتأَخَّرُ العقوبات؛ لعلَّ النَّاس يتوبون إلى الله ﷾.
وَقَوْله تعالى: ﴿غَفُورًا﴾ هذا، يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويمحو أَثَرَهُ بالكُلِّيَّة، وسبق لنا: أنَّ المَغْفِرَة هي سِتْرُ الذَّنْب والتَّجاوُزُ عنه؛ وذلك لأنَّها مَأْخوذَةٌ من المِغْفَر الذي يُغَطِّي الرأس ويَقيهِ السِّهامَ، وليست - كما قيل - مُجَرَّدَ السِّتْرِ؛ لأنَّ مُجَرَّدَ السِّتْرِ لا تَحْصُلُ به الوِقايَة، بل لا بُدَّ مع السِّتْر من الوِقايَةِ.
ويدل لهذا المَعْنى قَوْلُه ﷾ لِعَبْدِه إذا خلا به وقَرَّرَهُ بِذُنوبِهِ يقول: "كُنْتُ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ في الدُّنْيا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ" (^٢)؛ فإنَّ هذا يدلُّ على أنَّ السِّتْرَ غَيْرُ المَغْفِرَة، وأنَّ المَغْفِرَة لا بُدَّ فيها مِنْ عَدَمِ المُؤاخِذَةِ وعَدَمِ العُقُوبَةِ.