* * *
* قالَ اللهُ ﷿: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. [فصلت: ٣٤ - ٣٦].
* * *
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ في جُزئِيَّاتهما؛ لأنَّ بعضَهما فَوقَ بَعضٍ].
قَولُه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ فَسَّرها المفسِّر بأنَّ المَعنى: لا تَستَوي الحَسناتُ بعضُها مع بعضٍ، ولا السَّيِّئاتُ بعضُها مع بَعضٍ، وعلى هذا التَّفسيرِ تَكونُ (لا) غَيرَ زائدَةٍ يمونُ أَصلِيَّةً، وَيكونُ المُرادُ بالآيَةِ انتِفاءَ تَساوي الحَسناتِ وانْتِفاءَ تَساوي السَّيِّئاتِ.
وهذا أمرٌ لا إِشكالَ فيه أنَّ الحَسناتِ بَعضُها أَحسَنُ مِن بَعضٍ وأَفضلُ مِن بعضٍ وأَوكَدُ مِن بَعضٍ، وكذلك السَّيِّئاتُ بَعضُها أَسوَأُ مِن بَعضٍ وأَشَدُّ، لكنَّ هناك تفسيرًا آخَرَ، وهو أنَّ المَعنى أنَّ الحَسناتِ والسَّيِّئاتِ لا تَتَساوى بدَليلِ قَولِه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلخ؛ وبِناءً على ذلك تَكونُ (لا) زائدَةً للتَّوكيدِ كما هي في قَولِه تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فإنَّ (لا) هُنا زائدَةٌ
[ ١٨٥ ]
للتَّوكيدِ، ولهذا لو قُلتَ في غَيرِ القُرآنِ العَزيزِ لو قُلتَ: غَيرَ المَغضوبِ عليهم الضَّالينَ، لاستَقامَ الكَلامَ، فإذا قال قائِلٌ: هل هُناكَ تَرجيحٌ؟ قُلنا: المفسِّر رَجَّح المَعنى الأَوَّلَ وهو: أنَّ الحَسناتِ لا تَتَساوى والسَّيِّئاتِ لا تَتَساوى. وبَعضُهُم رَجَّحَ الثَّانيَ؛ لأنَّه قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ إلخ.
ولو قيل بالمَعنيينِ جَميعًا لم يَكُنْ هُناكَ بَأسٌ، وذلك أنَّ الآيَةَ إذا كانت تَحتمِلُ مَعنَيينِ على السَّواءِ وهما لا يَتَنافيانِ، فإنَّها تُحمَلُ عليهما جَميعًا، هذه قاعِدَةٌ في أُصولِ التَّفسيرِ.
﴿الْحَسَنَةُ﴾ هي ما يَحسُنُ ذِكرُهُ ﴿السَّيِّئَةُ﴾ هي ما يَسوءُ ذِكرُه، هذا التَّفسيرُ العَامُّ للحَسَنَةِ وللسَّيِّئةِ.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿ادْفَعْ﴾ السَّيِّئَةَ ﴿بِالَّتِي﴾ أي بالخِصلَةِ الَّتي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾] إلى آخِرِه.
الغَريبُ أنَّ كَلامَ المفسِّر في: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يَقتَضي أنَّ مَعنى الجُملَةِ قَبلَها: لا تَستَوي الحَسَنةُ مع السَّيِّئَةِ، ﴿ادْفَعْ﴾ السَّيِّئَةَ ﴿بِالَّتِي﴾ أي: بالخِصلَةِ الَّتي هِي أحسَنُ.
أفادَنا ﵀ أنَّ (الَّتي) صِفةٌ لمَوصوفٍ محَذوفٍ؛ أي: بالخِصلَةِ الَّتي هي أَحسَنُ مِنَ السَّيِّئَةِ، فإذا قال قائِلٌ: السَّيِّئَةُ ليس فيها حُسنٌ، فكيف يَقولُ: أَحسَنَ مِنَ السَّيِّئَةِ؟ قُلنا: إِنَّ اسمَ التَّفضيلِ قد يَأتي وليس في الطَّرَفِ الآخَرِ منه شَيءٌ، كما في قَولِه تَعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] مع أنَّ أصحابَ النَّارِ ليس في مُستقَرِّهم خَيرٌ ولا في مَقيلِهم خَيرٌ.
[ ١٨٦ ]
ويَكونُ معنى الآيَةِ أنَّه لمَّا كان مِن المُعتادِ أنَّ الإنسانَ لا يَدفَعُ السَّيِّئَةً بالَّتي هي أَحسَنُ أَمَرَه اللهُ أن يَدفَعَ بالَّتي هي أحسنُ وذلك، لأنَّ مُدافعَةَ السَّيِّئةِ تَكونُ من ثَلاثةِ وجوهٍ:
الوَجهُ الأَوَّلُ: أن يَدفَعَ سَيِّئةً بمِثلِها وهذا جائِزٌ، يَقولُ تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
والثَّانيَةُ: أن يَدفعَ السَّيِّئَةَ بحَسَنَةٍ - لكنَّ هناك شَيئًا أَحسنَ منها - وهذا أيضًا جائِزٌ وهو أَعَلى مِنَ الأَوَّلِ.
الثَّالثُ: أن يَدفَعَ السَّيِّئَةَ ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يعني: بأَحسَنِ ما يَدفَعُها به، وهذا أَفضَلُ وأَطيَبُ، وهو الَّذي أَمَرَ اللهُ به. يَعني: إذا أَساءَ إليكَ إِنسانٌ فلا تُقابلْه بإِساءَةٍ ولا تُقابلْه بحَسنَةٍ أيضًا، بل قابِلْه بما هو أَحسَنُ.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀ مُمَثِّلًا: [كالغَضبِ بالصَّبرِ، والجَهلِ بالحِلمِ، والإِساءَةِ بالعَفوِ]، هذه أَمثلَةُ الغَضبِ بالصَّبرِ يعني: إذا غَضِبَ عليك إِنسانٌ فاصبِرْ وتَحمَّلْ، والجَهلِ بالحِلمِ إذا جَهِلَ عليكَ إنسان بالإِساءةِ فقَابلْه بالحِلمِ.
فإذا قال إِنسانٌ: الجَهلُ هل هو يُقابِلُ الحِلمَ أو يُقابِلُ العِلمَ؟
قُلنا: أمَّا الجَهلُ الَّذي هو عَدمُ العِلمِ فيُقابَلُ بالعِلمِ، وأمَّا الجَهلُ الَّذي هو ضِدُّ الحِلمِ بمَعنى أن يَكونَ الإنسانُ ذا عُدوانٍ على الغَيرِ فهذا يُقابَلُ بالحِلمِ، قال الشَّاعرُ العَربيُّ (^١):
ألا لا يَجهَلَنْ أحدٌ علينا فنَجهلُ فوقَ جَهلِ الجاهِلينا
_________________
(١) البيت لعمرو بن كلثوم من معلقته المشهورة، انظر: جمهرة أشعار العرب (ص: ٣٠٠)، وشرح القصائد السبع لابن الأنباري (ص: ٤٢٦).
[ ١٨٧ ]
وكذلك الإِساءَةُ بالعَفوِ، إذا أَساءَ إليكَ إِنسانٌ فاعفُ عنه، وقد سَبَقَ مِرارًا ونُكرِّرُه تِكرارًا: أنَّ العَفوَ إنَّما يَندُبُ إليه إذا كان فيه إِصلاحٌ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠].
فإِنْ قال قائلٌ: الَّذي لا يَقدِرُ على رَدِّ السَّيِّئةِ بمِثلِها هل يَدخُلُ في قَولِه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؟
فالجَوابُ: لا، هذا ضَعفٌ وجُبنٌ، الَّذي لا يَقدِرُ على الِانتِصارِ لنَفْسِه هذا لا يُحمَدُ، بل يُقالُ: هذا ضَعيفٌ، ولأنَّه لا يُحمَدُ إلَّا العَفوُ عندَ المَقدِرَةِ، والصَّفحُ عندَ المَقدِرَةِ. أمَّا إنسانٌ عاجِزٌ فيَجيءُ شَخصٌ ضعيفٌ يَضرِبُه يَضرِبُه يَضرِبُه وهو يَقولُ: جَزاكَ اللهُ خَيرًا، عَفا اللهُ عنك، فهذا لا يُحمَدُ؛ لأنَّه عاجِزٌ.
قال اللهُ تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فُصِّلَت: ٣٤] فإذا فُجائيَّةٌ والفاءُ عاقبَةٌ؛ أي: فإذا دَفعتَ بالَّتي هي أَحسَنُ فاجَأتك هذه الحالُ، وهي أن تَنْقَلِبَ عَداوةُ الشَّخصِ الَّذي أَساءَ إليك، فيَصيرُ كأنَّه وَليٌّ حَميمٌ، يعني: صَديقًا قَريبًا.
وتَأَمَّلْ كَونَ الجَوابِ بـ"إذا" الفُجائيَّةِ لِيتَبَيَّنَ لك أنَّ انقِلابَ عَداوتِهِ إلى وِلايَةٍ حَميمَةٍ لا يَتأخَّرُ كَثيرًا؛ لأنَّ إذا الفُجائيَّةَ تَدُلُّ على الفَورِيَّةِ: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ لو كان المُخبِرُ بذلك غَيرَ اللهِ ﷿ لكان الإنسانُ يَتردَّدُ، وكيف يَنقلِبُ العَدوُّ صَديقًا حَميمًا بهذه السُّرعَةِ، نَقولُ: إنَّ الَّذي أخبَرَ بذلك هو اللهُ ﷿: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢].
ثُمَّ إنَّ الَّذي أخبَرَ بذلك هو الَّذي قُلوبُ بَني آدمَ بين أُصبُعينِ من أَصابعِهِ
[ ١٨٨ ]
يُقلِّبُها حيثُ يَشاءُ، لا تَستبعِدُ هذه الأمورَ بَيدِ اللهِ، وكم مِن عَدوٍّ انقَلَب صَديقًا وصَديقٌ انقلَبَ عَدوًّا.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، فيَصيرُ عَدوُّك كالصَّديقِ القَريبِ في محبَّتِه إذا فَعلتَ ذلك، فالَّذي مُبتدأٌ وكأنَّه الخَبرُ وإذا ظَرفٌ لِمَعنى التَّشبيهِ].
قال اللهُ تَعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ﴾ أَعرَبَها المفسِّر: يَقولُ: ﴿الَّذِي﴾ مُبتدأٌ ﴿بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَة﴾، هذا صيغَةُ المَوصولِ ﴿كَأَنَّهُ﴾ الخَبرُ خَبرُ المُبتدأِ ﴿الَّذِي﴾، و(إذا) في قولِهِ: ﴿فَإِذَا الَّذِي﴾ ظَرفٌ لمعنى التَّشبيهِ الَّذي هو ﴿كَأَنَّهُ﴾؛ لأنَّ التَّشبيهَ مُضَمَّنٌ مَعنى الفِعلِ؛ فلذلك صَحَّ أن يَتعلَّقَ به الظَّرفُ، هذا ما ذَهَبَ إليه المفسِّر بالنِّسبَةِ لـ (إذا)، والصَّحيحُ أنَّ (إذا) فُجائيَّةٌ لا تَحتاجُ إلى مُتعلِّقٍ.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ أي: يُؤتى الخِصلَةَ الَّتي هي أحسنُ، ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ﴾ ثَوابٍ ﴿عَظِيمٍ﴾].
قال اللهُ تَعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ قال المفسِّر ﵀: [أي: يُؤتى الخِصلَةَ]. وقيل: مَعناها لا يُوَفَّقُ لها، والمَعنى مُتقارِبٌ، يَعني: لا يَنالَ أحدٌ هذه الخِصلَةَ، وهي الدِّفاعُ بالَّتي هي أَحسنُ ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾.
وهذه الجُملَةُ فيها حَصرٌ، طَريقُه النَّفيُ والإثباتُ: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾.
وقَولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي: حَبَسوا أَنفُسَهم وأَجبَروها على تَحمُّلِ هذا الأمرِ؛ وذلك لأنَّ هذا الأمرَ شَديدٌ إذ إنَّ النُّفوسَ تُحبُّ الانتِقامَ ممَّن أساءَ إليها، لكن قال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؛ لهذا قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾، فكُلُّ إنسانٍ سوف
[ ١٨٩ ]
يُعاني مُعاناةً شَديدةً إذا سَلَكَ هذا الطَّريقَ وهي الدِّفاعُ بالَّتي هي أحسنُ، لا بُدَّ أن يَجِدَ عَناءً ومَشقَّةً فأثْنَى اللهُ تَعالى على الصَّابرينَ على ذلك.
والصَّبرُ لا يَحتاجُ إلى أن نُطيلَ الشَّرحَ فيه؛ لأنَّهُم قالوا: يَكونُ ثَلاثَةَ أنواعٍ: يَكونُ صَبرًا على طاعَةِ اللهِ، وصَبرًا عن مَعصيتِه، وصَبرًا على أقدارِه.
قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿ذُو حَظٍّ﴾ ثوابٍ]، والصَّوابُ أن يُقالَ: الحَظُّ النَّصيبُ، أي: وما يُلَقَّاها إلَّا ذو نَصيبٍ عَظيمٍ، ليس مِنَ الثَّوابِ فَحسْبُ، بل مِنَ الثَّوابِ والأخلاقِ والرَّزانَةِ وغيرِ ذلك، يَعني: مَن له نَصيبٌ عَظيمٌ مِنَ الثَّوابِ والأخلاقِ والرَّزانَةِ والتَّأنِّي وغيرِ ذلك، فلا يَنبَغي أن يَقتَصِرَ في ذلك على الثَّوابِ.
فإِنْ قال قائِلٌ: قَولُه تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ هل يَكونُ ظاهِرًا أو معنَويًّا، لأنَّ الصَّفحَ في مَنظورِ النَّاسِ هو خَوفٌ وجُبنٌ؟
فالجَوابُ: لا، هذا هو الحِكمَةُ في أنَّ اللهَ قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ لأنَّ الإنسانَ يَنالُ دَرجةً عَظيمَةً عاليةً مِنَ الأخلاقِ والرَّزانَةِ والرُّجولَةِ والثَّوابِ، وليس الحَظُّ العَظيمُ أنَّ الإنسانَ يَزدادُ دِرهمًا ودينارًا، الأخلاقُ هي كُلُّ شيءٍ سَواءٌ مَع اللهِ أو مَع عِبادِ اللهِ.
وإنَّما الأُمَمُ الأخلاقُ ما بَقِيَت فإن هُمُ ذَهَبت أخلاقُهم ذَهَبوا
ولمَّا ذَكَر اللهُ تَعالى دَفعَ العَدُوِّ مِن بني آدَمَ ذَكَر دَفعَ العَدُوِّ مِن غيرِ بَني آدَمَ؛ فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ في مُدافعَةِ العَدُوِّ مِن غيرِ بَني آدَمَ، لم يَقُلْ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، بل قال: الجَأْ إلى اللهِ؛ لأنَّك لا تَستطيعُ أن تَدفَعَ
[ ١٩٠ ]
الشَّيطانَ إلَّا باللُّجوءِ إلى اللهِ ﷿ إذ إنَّ الشَّيطانَ ليس أَمامَك حتَّى تَلوِيَ عُنقَه وتَقتُلَه، ولكنَّه لا يَدفَعُه إلَّا اللهُ ولهذا قال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾، فالمُناسَبةُ بين هذه الآيَةِ والَّتي قَبلَها أنَّه لمَّا ذَكرَ مُدافعَةَ العَدُوِّ مِن بَني آدمَ ذَكَرَ مُدافعَةَ العَدُوِّ من غَيرِ بَني آدمَ فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿وَإِمَّا﴾ فيه إِدغامُ نونِ (إنِ) الشَّرطيَّةِ في (ما) الزائدَةِ].
﴿وَإِمَّا﴾ أَصلُها: وإنْ يَنزَغنَّك، لكن (ما) الزَّائدَةَ تُزادُ كَثيرًا في أدواتِ الشَّرطِ كقَولِه هنا: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾، وكقَولِه تَعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ يَعني: إنْ يَنزَغْك مِن الشَّيطانِ نَزغٌ فاستَعِذْ باللهِ. يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [أي: يَصرِفُك عنِ الخِصلَةِ وغَيرِها مِنَ الخَيرِ صارفٌ ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾].
المفسِّر ﵀ إذا نَظرنا إلى تَفسيرِه وجَدْناه يَقْصُرُ هذه الآيَةِ على شَيءٍ مُعيَّنٍ وهو: إنْ صَرَفَك الشَّيطانُ عَنِ المُدافعَةِ بالَّتي هي أَحسنُ فاستَعِذْ باللهِ، والصَّوابُ خِلافُ ذلك، الصَّوابُ أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ، ولهذا قال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ أي: يُصيبَنَّك مِن الشَّيطانِ نَزغٌ، -نَزغٌ- نَكِرَةٌ في سياقِ الشَّرطِ فتكونُ عامَّةً سَواءَ كان في المُدافعَةِ بالَّتي هي أحْسَنُ أو غَيرَ ذلك، كُلَّما أَصابَك نَزغٌ مِنَ الشَّيطانِ فاستَعِذْ باللهِ، ولهذا أَمَرَ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وعلى اله وسلَّم- الَّذي شَكا إليه الوَسوسَةَ في الصَّلاةِ أَمَرَه بأنْ يَستَعينَ باللهِ قال: يَتفُلُ عن يَسارِه ثَلاثًا ويَستعيذُ باللهِ (^١).
المُهِمُّ أنَّه متى نَزَغَك مِنَ الشَّيطانِ نَزغٌ فَالجَأْ إلى مَن يَستطيعُ دَفعَه، وهو اللهُ ﷿ ولكن كيف أَعرِفُ أنَّ الشَّيطانَ نَزَغَ أحدًا؟ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب السلام، باب التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة، رقم (٢٢٠٣)، من حديث عثمان بن أبي العاص - ﵁ -.
[ ١٩١ ]
بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨] كُلَّما رَأيتَ أَنَّه أُلْقِيَ في رُوعِك أن تَفعَلَ مَعصيَةً فاعلَمْ أنَّه نَزْغٌ مِنَ الشَّيطانِ، وكُلَّما أُلقِيَ في رُوعِك أنَّك تَتَرُكُ طاعَةً فهذا نَزْغٌ مِنَ الشَّيطانِ استَعِذْ باللهِ؛ لأنَّ الشَّيطانَ ليس شَيئًا محَسوسًا يَحُسُّه الإنسانُ ويَسمَعُه لكنْ يُعرَفُ بما يُلقي في القَلبِ فاستَعِذْ باللهِ أي: اعتصِمْ به.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [جَوابُ الشَّرطِ وجَوابُ الأمرِ محَذوفٌ، أي: يَدفَعُه عنك]، الأمرُ (استَعِذْ) يَعني: كأنَّ قائلًا يَقولُ: وإذا استَعَذْت فالنَّتيجَةُ أن يَدفَعَه اللهُ عَنك؛ لأنَّ اللهَ تَعالى لم يَأمُرْك بِالاستِعاذَةِ به، والاستِعاذَةُ كما هو مَعروفٌ هي الاستِجارَةُ ممَّا يَسوءُ استَعِذ باللهِ يَدفَعْه عنك.
قَولُه: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ جَوابُ الشَّرطِ اقْتَرَنَ بالفاءِ؛ لأنَّ الجُملَةَ طَلَبيَّةٌ، والقاعِدَةُ ذَكَرَها ابنُ مالكٍ (^١):
واقْرِنْ بفا حَتمًا جَوابًا لو جُعِل شَرطًا لـ (إن) أوغَيرها لم يَنْجَعِلْ
يعني: إذا لم يَصِحَّ مُباشرةً جَوابُ الشَّرطِ لأَداةِ الشَّرطِ فإنَّه يَجِبُ اقتِرانُه بالفاءِ.
فإِنْ قال قائلٌ: ما مَعنى قَولِه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢].
فالجَوابُ: السُّلطانُ هو الَّذي يَتولَّى الأمرَ بسُلطَتِه ويَغلِبُ، فالشَّيطانُ يَنْزغُ حتَّى عِبادَ اللهِ الصَّالحينَ، ولكن ليس له عَليهم سُلطانٌ، أليس قَد تَفَلَّت على الرَّسولِ ﵊ شَيطانٌ يُريدُ أن يُفسِدَ عليه صَلاتَه؟ لكن ما له سُلطانٌ، فالسُّلطانُ يَقولُ ويَفعلُ، كما قال ابنُ الوَردي في المَنظومَةِ (^٢):
جانِبِ السُّلطانَ واحذَرْ بَطشَه لا تُخاصِمْ مَن إذا قال فَعلَ
_________________
(١) الألفية (ص: ٥٨).
(٢) شرح لامية ابن الوردي (ص: ١٥٧).
[ ١٩٢ ]
فالمُرادُ بأنَّه ليس لك عليهم سُلطانٌ، يعني: لا يُمكِنُ أن تَتَسلَّطَ عليهم فتُغوِيَهم.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ للقَولِ ﴿الْعَلِيمُ﴾ بالفعل]، هذه الجُملَةُ تَعليلِيَّةٌ؛ لقَولِه: (استَعِذ باللهِ)، يَعني: فإنَّك إذا استَعذت مِنه باللهِ سَمِعَك، وإنَّه عَليمٌ بكيفيَّةِ دَفعِ هذا الشَّيطانِ الَّذي نَزَغَك منه نَزْغٌ فهو سَميعٌ لقولك إذا استَعَذتَ به، عليم بما يَدفَعُ به عنك هذا الشَّيطانَ.