* * *
* قالَ اللهُ ﷿: ﴿حم﴾ [فصلت: ١].
* * *
قالَ المُفسِّر ﵀ (^١): [اللهُ أعلمُ بمُرادِه به]، وهذا هوَ الأدبُ مَع كِتابِ اللهِ وسنَّةِ رسُولِه -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ- أنَّ الَّذي لا تَعرِفُ معناهُ قلْ: اللهُ أعلمُ بمُرادِه به؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
ولكن قد يَقول قائِل: إنَّنا نعلَم أنه لا معنى لهذه الحُروف الِهجائيَّة الَّتي تُوجَد في كثير منَ السُّوَر؛ ونعلمُ ذلك بدَلالَةِ القرآنِ، فقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، واللِّسانُ العرَبيُّ لا يكونُ التَّعبيرُ بمثلِ هذهِ الحُروفِ لهُ معنًى في حدِّ ذاتِهِ لوْ قُلتَ: "أ، ب، ج، ح، خ"؛ فلَيسَت لها معنًى، فإذا لم يكنْ لها معنًى بمُقتضَى اللِّسانِ العَربيِّ، قُلْنا: إنَّ قولَه: ﴿حم﴾ و﴿الم﴾ و﴿الر﴾، وما أشبهَها، ليسَ لها معنًى في حدِّ ذاتِها.
ويَرِدُ على هذا: إذا لم يكُنْ لها معنًى صارتْ لَغوًا، وكلامُ اللهِ تعالى لا لَغوَ فيهِ! !
_________________
(١) المقصود بـ (المُفَسِّر) هنا: محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم جلال الدين المحلي، المتوفى سنة (٨٦٤ هـ) رحمه الله تعالى، ترجمته في: الضوء اللامع (٧/ ٣٩)، حسن المحاضرة (١/ ٤٤٣).
[ ١٤ ]
فيُقالُ: إنَّها ليستْ لَغوًا، وإنَّما المُرادُ إقامةُ الحُجَّةِ على أولئك المُشرِكين؛ حيثُ عجَزوا عنِ الإتْيانِ بمِثلِ القرآنِ، ولا بآيةٍ واحِدةٍ، مَع أنَّ هذا القرآنَ: هل أتى بحُروفٍ لا يَعرِفونها حتَّى يَعتذِروا ويَقولوا: إنَّه جاءَ بحرُوف ليستْ مَعروفةً لنا؟
الجَوابُ: لا؛ فالقرآنُ جاءَ بحُروف يَعرِفونها، قالَ شيخُ الإسلامِ (^١) ﵀: ولذلِك لا تَكادُ تَرى سُورةً مَبدوءةً بهذهِ الحُروفِ إلَّا وبعدَها ذُكِرَ القرآنُ، وابْدأْ مِنْ أوَّلِ البَقرةِ إلى أنْ تأتيَ إلى آخِرِ السُّوَرِ المَبدوءَةِ بهذِه الحروفِ، تَجِدُ أنَّ بعدَها ذِكرَ القُرآنِ؛ وذلكَ إشارةٌ إلى أنَّ هذا القرآنَ الَّذي أَعجزَكم -مَعْشَر العرَبِ- كانَ مِن هذهِ الحُروفِ الَّتي تُكوِّنون مِنها كلامَكم، وهذا الَّذي ذَهبَ إليهِ شيخُ الإسْلامِ ﵀ واضِحٌ جدًّا.
وأمَّا القوُل بأنَّه ليسَ لها معنًى؛ فقدْ قالَه مجُاهِدُ بنُ جبرٍ (^٢) ﵀ أعلمُ التَّابِعين بكِتابِ اللهِ ﷿.
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ٧١).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١/ ٢٠٩)، وانظر: تفسير ابن كثير (١/ ٧٠).
[ ١٥ ]