* * *
* قالَ اللهُ ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧].
* * *
قالَ الله تَعالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [فصلت: ٦]؛ يَعني: فلَسْتُ غَريبًا علَيكُم؛ لمِاذا تَكفُرون بِي؟ ! أنا بَشَر مِثلُكم لسْتُ جِنِّيًا فتَنفِروا مِنْه، وَلا مَلِكًا فتَنفِروا مِنه، وإنَّما أنا بَشرٌ مِثلُكم.
والبَشَر هُم بَنُو آدَم، وسُمُّوا بَشَرًا؛ لِظُهورِ بَشرَتهم؛ حيثُ بدَتْ أجْسامُهم عارِيةً غيرَ مَكسُوَّة، وهَذا مِن نِعمَة اللهِ ﷿ علَينا، ومِنْ رَحمَتِه جَعَلَ اللهُ الإنْسانَ عاريًا إلَّا بِكُسْوَة؛ حتَّى يتَذكَّر أنه عارٍ مِنَ الإيمان إلَّا بِكُسْوَة، وكُسْوَة الإيمان هيَ التَّقوى؛ لِقوْل اللهِ تَعالَى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]؛ فإنَّ الله جَعَلنا نفتَقِر إلى السِّتْرِ الحسِّيِّ حتَّى نعْلَم أننا أيضًا مُفتَقِرون إلى السِّتْر المعنَوِيِّ، فأنتَ عارٍ مِنَ الإيمان إلَّا بِلِباسِ التَّقوى.
إذَن: البَشَر هُم بَنُو آدَمَ، سُمُّوا بِذلِك لِظُهور بَشْرَتِهم عارِيةً لا غِطاءَ عليها، بِخِلافِ الحَيَواناتِ الأُخرى، فإنَّه مُغطًّى إمَّا بالوَبَر أو بِالصُّوفِ أو بالشَّعْرِ أو بالرِّيشِ أو بغَيْرِ ذلك.
[ ٣٣ ]
وقَوْله: ﴿مِثْلُكُمْ﴾ هذِه تَوكِيدٌ لمِعْنى البَشَريَّة، وإلَّا لَوِ اقتَصَر على إنَّما أنا بشَرٌ لكانَ مُقتَضى ذلِك أنْ يَكونَ مِثْلَنا ولا مخُالِفَ، لكِنَّه أكَّدَ هذا المَعنَى بِقوْلِه: ﴿مِثْلُكُمْ﴾ لَكِنَّه يَمتازُ بأنه: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلخ، هذا هُو المَيْزَة، والفرْقُ أنَّ محُمَّدًا - ﷺ - بشَرٌ يُوحَى إلَيْهِ.
وقَوْلُه: ﴿يُوحَى﴾ المُوحِي هُو الله، لِقولِ اللهِ تَعالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧]، فالمُوحِي هُو اللهُ، وحُذِفَ لِلْعِلْم به، ورُبَّما يُقالُ: حُذِفَ لِلْعِلم به وَلِلتَّعْميمِ؛ لِأنَّ الله تَعالَى قدْ يُوحِي لنَبِيِّه - ﷺ - بِواسِطَةِ جِبريلَ، وقدْ يُوحِي إلَيْه بِدُونِ واسِطةٍ.
والإيحاءُ هُو الإعْلامُ بسُرعةٍ وخَفاءٍ، يُسمَّى إيحاءً؛ ولِذلِك إذا كان إلى جَنْبك واحِدٌ، وأرَدْتَ أنْ تَسْألَه والدَّرْسُ مكْتَظٌّ بالطلَبةِ -وخِفْتَ أنْ يُسْمعَ إليكَ- فتكلِّمه ببطء وخُفْية؛ لِئَلَّا يُتَفَطَّنَ لَكَ؛ فكُلُّ إعْلام بسُرْعة وخُفيَة يُسَمَّى وَحْيًا، وإنَّما كان كذَلِك؛ لأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - يُوحَى إلَيْه وعِنْدَه النَّاسُ جالِسُون لا يَدْرون ماذا قالَ الرَّسولُ.
وقَوْله: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ هَذه الجُملَة في محَلِّ رفْع نائِبِ فاعِلٍ؛ أي يُوحَى إلَيَّ هذا الخَبَر.
وقَولُه: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ أداةُ حَصْرٍ، وعلَى هَذا تَكون الجُمْلةُ مُتَضَمِّنةٌ لنَفْيٍ وإثْباتٍ؛ لأنَّ الحَصْرَ هُو إثْباتُ الحُكْمِ في المَذْكورِ ونَفْيُه عَن ما سِواه.
ومنْ طُرُقِ الحَصْرِ:
الأوَّلُ: الحَصْرُ بـ"إنَّما".
الثَّاني: النَّفيُ والإثْباتُ، مِثْلَ: لا قائِمَ إلَّا مُحمَّدٌ.
[ ٣٤ ]
الثَّالِثُ: تَقْديمُ ما حقُّه التَّأخيرُ، مِثْلَ: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
الرَّابع: دُخُولُ ضَمِيرِ الفَصْلِ، مِثْلَ أنْ تَقولَ: زيْدٌ هُوَ الفاضِلُ، فإنَّ ضَميرَ الفَصْلِ يُفيدُ الحَصْرَ.
هَذِه أرْبعَةُ طُرُقٍ، وهِي الأكْثَرُ دَوَرانًا.
وقَوْلُه: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ الظَّاهِرُ أنَّها مِنْ تَتِمَّةِ قَوْلِ الرَّسولِ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلَى آلِهِ وسلَّمَ- الَّذي أمَرَ أنْ يَقولَه، ومَعْنى "استَقِيموا إلَيْهِ": أيِ اسْتَقِيمُوا على دِينِه قاصِدين إلَيْه؛ فهِي تُفِيدُ الإخْلاصَ في الْعَملِ.
فقَوْلُه: "استَقِيموا إلَيْه"، أي: اقْصُدُوا، ولهِذا لمْ يَقُلْ: استَقِيموا لَه، بلْ قالَ: "إلَيْه"، فضَمَّنَ "استَقِيموا" مَعْنى اقْصُدوا إلَيْه، فتكونُ أبْلَغ مِن "استَقِيموا لَه"، لأنَّ المُستَقيمَ لِلشَّيءِ قدْ يَستَقيمُ لَه وهُوَ في مَكانِه دُونَ أنْ يَسْعى إلَيْه، أمَّا إذا قِيلَ: "اسْتَقيموا إلَيْه" فتُفيدُ السَّعْيَ إلى اللهِ ﷿ وقَصْدِه؛ فلِهذا عُدِّيَت بـ"إلى"؛ فهَل هُنا نابَ حَرْفٌ عَن حَرْفٍ، أو إنَّ الحَرْفَ على مَعْناه، ولكنْ ضُمِّنَ الفِعلُ ما يُناسِبُ الحرفَ؟
الجَوابُ: فيها قَولان:
أحدُهما: أنَّ الِاستِعارَة في الحرْفِ، يَعنِي: أنَّ الباءَ بِمعْنى "مِن" أي: يَشْرَبُ مِنها عِبادُ اللهِ، والعَينُ يُشرَبُ مِنها باليَدِ، أو بالإناءِ، أو بأيِ وسيلةٍ.
القوُل الثَّاني: أنَّ الاستِعارَة في الفِعلِ؛ أي: أنَّ "يشْرَبُ" ضُمِّنَ فِعلًا يُناسبُ
[ ٣٥ ]
الباءَ، والَّذي يُناسبُ الباءَ هُنا: يَرْوَى بِها عِبادُ اللهِ، يَعنِي: أنَّها عَينٌ تَروِي.
وأيُّهما أحسَنُ وأسهَلُ؟
الجَوابُ: أمَّا إذا قُلْنا إنَّ الباءَ بِمَعنى (مِن) فَهي سَهْلةٌ؛ لأنكَ تقَدِّرُ أيَّ حرْفٍ مُناسبٍ وَينْتَهي المَوضُوعُ، لكِنَّا إذا قُلنا إنَّ الباءَ على بابِها، وإنَّ الفِعْلَ ضُمِّنَ مَعْنًى يَتَناسَبُ مَعها، فحِينئذٍ قد يَصْعُبُ على الإنسانِ أنْ يُقدِّرَ الفِعْلَ المُناسبَ، لكنْ نَقولُ: إنَّ تَضْمينَ الفِعلِ مَعنًى مُناسِبًا للْحَرفِ أوْلَى.
وبَيانُ ذلِك: إذا قُلْنا: يَشْرَبُ بها عِبادُ اللهِ، فإنَّ الباءَ بِمعنى (مِن)، لم نستفِدْ فائِدة لاستِعارةِ الباءِ بدَلَ "مِن"، إذَنْ: فإتيانُنا بهذا الحرْفِ يُوجبُ بعْضَ الإشْكالِ، فنكُونُ قدْ تضرَّرْنا، فضْلًا عن كَونِنا لم نسْتَفِد؛ لأنَّ كَوْنكَ تضَعُ حرْفا بدلَ حرْفٍ بِدُونِ مُوجِبٍ، فإنَّ هذا يُوجِبُ التَّشْويشَ والإيْهامَ، لكنْ إذا ضَمَّنَّا الفِعْلَ معْنًى يتَناسَبُ مَع الحرْفِ ازدَدْنا فائِدةً، فإنَّ قولَك: إنَّ التَّقديرَ "يَرْوَى" بِها، يتَضمَّنُ الشُّربَ الَّذي ذُكِرَ، ويتضَمَّنُ الرِّيَّ، فاسْتَفَدنا فائِدَةً.
وهَذا الرَّأيُ -أعنِي: أنَّ الفِعْل يتَضَمَّن معنًى يُناسبُ الحرْفَ- هُو الَّذي ذهَبَ إلَيْهِ البَصْرِيُّون، وهو اختِيارَ شيْخِ الإسْلامِ ابنِ تيْمِيَةَ (^١) ﵀ لهِذِه الفائِدة الَّتي ذَكَرنا.
وأرْجُو دائمًا منَ الطّلابِ أنْ يَفهَموا هذِه الفُروقَ الدَّقيقةَ؛ لأنَّها تَشْحَذُ الذِّهنَ مِن وَجْهٍ، وتَفْتحُ آفاقًا بَعيدَةً لِفَهمِ المَعاني، وزِيادَةِ الِاستِفادةِ مِن وَجهٍ آخَرَ.
وقَوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ اطْلُبوا مِنه المَغْفِرةَ، والمَغفِرةُ تَتضَمَّنُ شيئَيْن؛ سَتْرَ الذَّنْبِ، والعَفوَ عَنه؛ لأنَّها مَأخُوذَةٌ منَ المِغْفَرِ وهُو ما يَلبَسُه المُقاتِلُ على رأسِه يتَّقي به السِّلاحَ،
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى (٢١/ ١٢٤).
[ ٣٦ ]
وأنَّ يَغفِرَ مُتضمِّن لِلوِقايةِ والسَّترِ.
وعلَى هذا فكُلَّما طَلَبتَ المَغفِرةَ استَحضِرْ أنكَ تُريدُ مِنَ اللهِ ﷿ أنْ يَتجاوزَ عَنك فَلا يُعاقِبكَ، وأنْ يستُرَ ذَنْبكَ؛ إذنْ: قوُله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيِ اطْلُبوا مِنه المَغْفِرةَ، وهِي سَتْرُ الذَّنبِ والتَّجاوزُ عنه.
وقولُه ﵀: [﴿وَوَيْلٌ﴾ كلمةُ عذابٍ ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾] "ويلٌ" هذِه مُبتَدأٌ، وسوَّغَ الابْتِداءَ بِها وهِي نَكِرة أنَّها للتَّهدِيدِ، فهِي كلِمةُ وعيدٍ وتهديدٍ، وقِيلَ: إنَّها وادٍ في جَهنَّمَ، ولكنَّ الأصحَّ الأوَّلُ: أنَّها كلِمةُ تَهديدٍ ووعيدٍ لكلِّ مَن خالَفَ.
وقولُه: ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: المُشرِكين باللهِ ﷿ سَواءٌ كانَ إشراكُهم في العُبُوديَّة أو في الألوهيَّةِ، أو في الأسْماءِ والصِّفاتِ؛ فمَنِ ادَّعى أنَّ مَع اللهِ خالقًا أو مُعيَّنًا أو مُستَقِلًّا بِخلْقِ بعضِ الأشياءِ فَهُو مُشرِكٌ، ومَنْ عَبَدَ مَع اللهِ غَيرَه أو راءَى بِعِبادتِه غيرَه فهُو مُشرِكٌ، ومَن زَعَمَ أنَّ صِفاتِ اللهِ ﷿ مُماثِلةٌ لِصفاتِ المَخْلُوقين فهُو مُشرِكٌ.
واعْلَمْ أنَّ الشِّركَ يَنْقسِمُ إلى قِسْمين: أصْغَرَ وأكْبَرَ. ومِن وجْهٍ آخرَ إلَى: خفِيٍّ وجليٍّ، وكلُّ هذا مَعلُومٌ في كُتُبِ التَّوحِيدِ والعَقائدِ.
وقولُه تَعالَى: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٧] هذه صِفةٌ للمُشرِكين، وقولُه: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ﴾؛ أيْ: لا يُعطُون الزَّكاةَ، والزَّكاةُ هنا يَحتَمِلُ أنْ تَكونَ زَكاةَ النَّفْسِ، ويحتَمَلُ أنْ تكونَ زَكاةَ المالِ، فإنْ كانتْ زكاةَ المالِ ففِيه إشْكالٌ؛ لأنَّ ظاهِرَها يَقْتَضي أنَّ الكُفَّار يلزَمُهم إخْراجُ الزَّكاةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ إخْراجَ الزَّكاةِ لا يُطالَبُ به العَبْدُ حتَّى يُسلِمَ؛ لِقَوْل النَّبي - ﷺ - لمُعاذٍ - ﵁ -: "إنَّكَ تَأتِي قومًا أهلَ كِتابٍ، فَليَكُن أوَّلَ ما تَدْعُوهم إلَيْه تَوحيدُ اللهِ، ثمَّ ادْعُهم إلى الصَّلاةِ، ثمَّ ادْعُهم إلى
[ ٣٧ ]
الزَّكاةِ " (^١)، وهَذا يدُلُّ على أنَّ الزَّكاةَ لا يُخاطَبُ بِأدائِها الإنسانُ إلَّا بعْدَ أنْ يُسلِمَ.
أمَّا إذا قُلنا: إنَّ المُرادَ بالزَّكاةِ زكاةُ النَّفسِ، فإنَّه لا يَرِدُ على هذا إشْكالٌ، لكنْ يَرِدُ على هذا إشكالٌ مِن جِهةِ اللَّفْظِ، وهُو قولُه: ﴿لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ فهَلْ زكاةُ النَّفسِ شيْءٌ يُعطَى؟ هذا محَلُّ نظَرٍ؛ ولذَلك الآيةُ فِيها إشْكالٌ، سَواءٌ فسَّرْتها على هَذا أو على هذا، وإذا كانَ فيها إشْكالٌ بيْن معنيَيْن، فإنَّنا نَطْلُبُ المُرجِّحَ. والرَّاجِحُ: أنَّ المُرادَ بها زَكاةُ النَّفسِ، والمَعْنَى: لا يُؤتُون أنفُسَهم زَكاتَها، وفِي الحَدِيثِ: "آتِ نفسِي تقْواها، وزَكِّها أنت خيرُ مَن زَكَّاها" (^٢)؛ فعلى هذا نرجِّحُ أنَّ المُرادَ بالزَّكاةِ زكاةُ النَّفْسِ، وَيكونُ المَعْنى: لا يُؤتُون أنْفُسَهم زَكاتَها، بلْ يُهمِلُونها ويَغفُلون عنْها.
وقولُه: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ "هُم بالآخِرَة": "بالآخِرَةِ" جارٌّ ومجرُورٌ مُتَعلِّقٌ بـ"كافِرُون"، و"هُم": مُبتَدَأٌ؛ و"هُمْ" هي الثَّانيَةُ، ويقُولُ المُفسِّرُ ﵀: [تَأكيدٌ]؛ أي تَأكِيدٌ لفظيٌّ لـ"هم" الأولَى، والتَّأكِيدُ اللَّفْظيُّ أنْ تُعادَ الكَلِمةُ بِلفْظِها، كما قالَ ابنُ مالِكٍ ﵀ (^٣):
ومَا مِنَ التَّوكيدِ لفظِيٌّ يَجِي مُكَرَّرًا كقَوْلِكَ ادْرُجي ادْرُجي
وقولُه: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ أي: جاحِدُون لها غيرُ مُؤمِنين بِها، يَقولُون: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] يَعنِي: يَمُوتُ قَومٌ ويَحيا آخرُون وما يُهلِكنا إلَّا الدَّهرُ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، رقم (١٣٩٥)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، رقم (١٩)، من حديث ابن عباس - ﵁ -.
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٦/ ٢٠٩)، من حديث عائشة - ﵂ -.
(٣) الألفية (ص: ٤٦).
[ ٣٨ ]
فإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّ هُناك أُناسًا مِنَ المُسلمين يُصَلُّون ويُزَكُّون، لكنْ إذا ذَكَّرْتَهم مَثلًا بِعَذابِ القَبْرِ وبِأهوالِ يومِ القِيامَةِ يَقولُون: هلْ رأيتَ عذابَ القَبْر؟ وهلْ رأيتَ أهوالَ يومِ القِيامةِ؟ وهلْ رأيْتَ الجَنَّة؟ فما حُكْمُ هَؤُلاءِ؟
فالجَوابُ: إذا قُلْتَ لَهم هَكذا قالَ اللهُ ورَسُولُه؛ فَإن قالُوا: لا نُصَدِّق إلَّا ما نَرى فهَؤلاء كُفَّار، ولو يَرْكَعون باللَّيلِ والنَّهارِ، ويُخْرِجون جمِيعَ ما في صَنادِيقهم مِن النَّفقةِ فهُم كفَّارٌ؛ لأنَّهم يُكذِّبون، فهذا كُفر تَكذِيبٍ!