* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان: ٢١].
* * *
وقوله تعالى: ﴿قِيلَ﴾ هذه مَبنيّ للمَجهول، فالقائِل: اللَّه تعالى، أو الرَّسولُ -ﷺ-، أو المُؤمِنون، كل هذا يُمكِن أن يَكون؛ قال اللَّه تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣]، والنبيُّ ﵊ يحثُّ الأُمَّة على اتِّباعه، والمُؤمِنون كذلك يَدْعون الناس إلى اتّباع ما أَنزَل اللَّه تعالى، فيَكون هنا حُذِف الفاعِل لإرادة العُموم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾، فهذا أَعَمُّ ممَّا لو قال: (وإذا قال اللَّه لهم، أو: وإذا قال لهم الرسول، أو: وإذا قال لَهُمُ المُؤمِنون)؛ فقوله ﷾: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ يَكون أَشمَلَ.
وقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: ﴿مَا﴾ مَفعول ﴿اتَّبِعُوا﴾، و﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ المُراد به القُرآن لا شَكَّ؛ لأنَّ اللَّه تعالى أَنزَله؛ وأمَّا السُّنَّة فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]، قال العُلَماءُ ﵏: الحِكْمة هي: السُّنَّة، إِذَنْ ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ من القُرآن ومن السُّنَّة؛ لأنَّ السُّنَّة وَحْي إن كان اللَّه تعالى أَوْحاها إلى رسوله ﵊، وإلَّا فإِقْراره سبحانه إيَّاها بمَنزِلة الوَحْي؛ ولهذا قال العُلماءُ ﵏: إنَّ إقرار النبيِّ -ﷺ- بمَنزِلة قوله.
[ ١٢٨ ]
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ﴾: ﴿بَلْ﴾ للإِضْراب الإِبْطاليِّ، يَعنِي: بل لا نَتَّبع ما أَنزَل اللَّه تعالى، وإنما نَتَّبع ما وجَدْنا عليه آباءَنا، واللَّهِ! هذا مُعارَضة حَقٍّ بباطِل؛ لأنهم الآنَ عدَلوا عمَّا أَنزَل اللَّه ﷾ إلى الآراء فقَطْ والأهواء: ﴿مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ولو كان شِرْكًا، وأيضًا لو كان طاعة، فلو كان طاعةً يَكون اتِّباعُهم لما عليه آباؤُهم؛ لا لأنه شَرْع، ولكن لأنَّ عليه آباءَهم؛ فحينئذ لا يَكون اتِّباع آبائِهم في هذه الحالِ اتِّباعًا للشَّرْع، ولا اتِّباعًا محَمودًا.
وعلى هذا فنَقول فيمَن دُعِيَ إلى الكِتاب والسُّنَّة، وقال: أنا أُريد أن أتَبع فلانًا -الإمامَ الفُلانِيَّ أو العالِمَ الفُلانيَّ- مع بيان السُّنَّة ووُضوحها: إنه يَكون مُشابِهًا لهؤلاء المُشرِكين.
وقوله ﷾: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: ﴿أَوَلَوْ كَانَ﴾ هذا استِفْهام يَتْلوه حَرْف عَطْف، وقد تَقدَّم لنا مِرارًا وتَكرارًا أنَّ حرف العَطْف إذا وَلِيَ استِفْهامًا ففي إعرابه قَوْلان:
أحدُهما: أنَّ همزة الاستِفْهام دخَلتَ على مَحذوف عُطِف عليه ما بعد حَرفْ العَطْف، ويُقَدَّر هذا المَحذوفُ بحسَب السِّياق، وعلى هذا؛ فهَمْزة الاستِفْهام في مَكانها، والمُستَفهَم عنه -يَعنِي: مَسؤول الاستِفْهام- مَحذوف.
والقول الثاني: أن الواو حَرْف عَطْف، والمعطوف عليه ما سبَق، ومَحلُّ الهمزة بعد حَرْف العطف، وقلنا: إنَّ هذا أهوَنُ من الأوَّل، فالأوَّلُ: أبلَغُ في التَّقعيد وهذا أَسهَلُ، ووجه سُهولته: أنَّ الأوَّل قد يَخفَى على الإنسان ماذا يُقدِّره، وربما يَصعُب أحيانًا تَقدير شيء مُناسِب، وأمَّا هذه فلا تَحتاج إلى شيء فتكُون مَعطوفة على ما سبَق.
[ ١٢٩ ]
أمَّا المُفَسِّر ﵀ فمَشَى على القول الأوَّل، قال ﵀: [أيَتَّبِعونه ولو كان الشَّيْطانَ]، فحَرْف الاستِفْهام دخَل على شيء محَذوف، وحَرْف العَطْف عاطِف على ذلك الشيء المَحذوف.
يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ أي: مُوجِباته؟ لا]، يَقول اللَّه ﷾: أيتَّبِعون آباءَهم دون ما أَنزَل اللَّه تعالى حتى في هذه الحالِ، وهو أن الشيطان يَدْعوهم، ﴿يَدْعُوهُمْ﴾ أَظُنُّها تَشمَل أن يَدعوَ الآباء ويَدعوَ هَؤلاءِ.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ يَعنِي: إلى ما يُوجِب عذاب السَّعير من أعمال الشِّرْك والكُفْر وغيرها.
وظاهِر كلام المُفَسِّر ﵀ أن الاستِفْهام للإنكار والنَّفي، لقوله ﵀: [لا]، ولكنه للنَّفْي فيه إشكال؛ لأنه لا شَكَّ أنهم يَتَّبِعونه، أمَّا للإنكار فنَعَمْ، يَقول اللَّه ﷿ أَنكَر عليهم أن يَتَّبِعوا آباءَهم والشيطانُ يَدعوهم إلى عَذاب السَّعير.
وقوله تعالى: ﴿عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ هو عَذاب النار، وأُضيف إلى السعير باعتِبار اللَّفْظ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ أن هؤلاءِ المُجادِلين ليس عندهم سِوَى التَّقليد، لقوله تعالى: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: ذَمُّ مَن خَالَفَ الحقَّ، لاتِّباع الآباء، لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ هذا الحقَّ، قالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ﴾.
[ ١٣٠ ]
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَحريم التَّقليد مع ظُهور الحُجَّة، ويُؤخَذ ذلك من قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أيًّا كان المُقلَّد إذا بانت الحُجَّة فإنه لا تَقليدَ، ولكن تُتْبَع الحُجَّة.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن التَّقليد قد يُسمَّى اتِّباعًا، لقوله تعالى: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ والمَعروف المَشهور بين أهل العِلْم أنَّ الاتِّباع يَكون عن دليلٍ، فيقال للرسول ﵊: اتَّبَعْنا الرسولَ -ﷺ-. والتقليد هو الذي يَكون عن غير دَليل، لكن هذه الآيةَ تَدُلُّ على أن كل مَن تابَعَ أحَدًا فهو مُتَّبع له.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بَيان أنَّ هؤلاءِ المُخالِفِين كان عندهم عِلْم بالحقِّ؛ لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، فيَكون هذا أشَدَّ في ذَمِّهم.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: ظُهور العَصَبية في هؤلاء؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾، وهذا تَعصُّب للآباء، والتَّعصُّب للآباء والقبائِل من شَأْن أهل الجاهِلِية.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن مخُالَفةَ الدَّليل للتَّقليد من إجابة الشَّيْطان، لقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن مُخَالَفةَ ما أَنزَل اللَّهُ تعالى سبَب لدُخول النَّار؛ لقوله تعالى: ﴿يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن وَسْوسة الشَّيْطان التي يُلْقيها في قَلْب بني آدَمَ من الدَّعْوة؛ لقوله ﷿: ﴿يَدْعُوهُمْ﴾ إِذْ إن الشَّيْطان ليس يَمْثُل أَمامهم، ويَقول: اتَّبِعوا كذا. ولكنه يُوَسْوِس في صُدورهم حتى يَتَّبِعوه، وهكذا الشيطانُ يَأمُر بالشَّرِّ.
[ ١٣١ ]
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: الحذَر من وَساوِس الشَّيْطان؛ لأنَّ قوله ﷾: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ﴾، هذا للتَّوْبيخِ والإنكار.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن كل شيء يُوجِب العُقوبة فهو من تَلْبية طلَب الشَّيْطان والإِثْم، واعلَمْ أنه من تَلْبية طلَب الشَّيْطان، لقوله ﷾: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ فمثَلًا لو أَراد الإنسان أن يَسرِق، أو أن يَزنِيَ، أو أن يَشرَبَ الخَمْر، أو أن يَقتُل نَفْسًا محُرَّمة، قُلْنا: هذا من الشَّيْطان، وتَلْبية لطلَبِه؛ لأنَّ الشَّيْطان هو الذي يَدْعو إلى عَذاب السَّعير.
ويُؤخَذ من ذلك أن الشَّيْطان له عَقْل وإرادة، وقد قال اللَّه تعالى في سُورة النِّساء: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠]، فالشَّيْطان له إرادة وله تَزْيين، وله تَلْبيس؛ ولهذا يَجِب الحذَرُ منه غايةَ الحذَر.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن مَن دعا إلى ما يُوجِب العِقاب فهو شَبيهٌ بالشَّياطين، بل لنا أن نَقول: إنه شَيْطان، ولهذا قال النبيُّ ﵊ في الذي يُمانِع إذا مُنِع من المُرور بين يدَيِ المُصلِّي قال: "فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ" (^١)، وقال اللَّه ﷾: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢].
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الصلاة، يرد المصلي من مر بين يديه، رقم (٥٠٩)، ومسلم: كتاب الصلاة، باب منع المار بين يدي المصلي، رقم (٥٠٥)، من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.
[ ١٣٢ ]