* قالَ اللَّه ﷿: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان: ٧].
* * *
قوله ﵀: [﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾ أي: القرآن ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ مُتكبِّرًا ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾].
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ أي: تُقرَأ عليه آياتُنا من أيِّ إنسان: الرسول -ﷺ- أو الصحابة أو التابِعين أو أيِّ إنسان.
فإذا قُرِئت عليه آياتُ اللَّه تعالى فإنه يُولِّي مُستكْبِرًا ويُعرِض، وليس إعراضًا على وجه المُماثَلة، أو إعراضًا لشُغْل آخَرَ، ولكنه يُعرِض مُستكبِرًا، والعِياذ باللَّه.
والاستِكْبار هنا استِفْعال من الكِبْر، والسين والتاء فيه للمُبالَغة، وليسَت للطلَب، لأنَّ السين والتاء تارةً تَكون للطلَب كقولك: أَستَغفِر اللَّه. أي: أَطلُب مَغفِرته، وتارةً تَكون للمُبالَغة مثل: استكبَر، فهنا ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ أي: مُبالِغًا في كِبريائه -والعِياذ باللَّه- وإعراضه عن آيات اللَّه تعالى.
وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ هذا تَشبيه في مَوضِع الحال، يَعنِي: كحال الذي لم يَسمَعها في عدَم الانتِفاع بها، لكنه أَخبَثُ منه، لكونه ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ فالذي لم يَسمَعها قد يَكون مَعذورًا، لكن مَن سمِعها وولَّى مُستكبِرًا فهو كالذي لم يَسمَعها
[ ٤٠ ]
باعتِبار عدَم الانتِفاع، لكنه أشَدّ باعتِبار تَولِّيه مُستكبِرًا.
ثُمَّ قال: [﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ صَمَمًا] الوَقْر: الصمَم، كأن الصمَم يَسُدُّ الأذُن، فليس المعنى أنه -والعِياذُ باللَّه- لم يَسمَع الآياتِ، بل كأن أذُنه التي هي محَلُّ السَّمْع غير مُستَعِدَّة للسَّمْع فهو لم يَسمَع، وليس عنده آلة سَمْع، كأن في أُذُنيه وَقْرًا.
قال المُفَسِّر ﵀: [وجُمْلَتا التَّشبيه حالان من ضمير ﴿وَلَّى﴾، أو الثانية بَيانٌ للأُولى] إنما هُما في محَلِّ نَصْب على الحالى من فاعِل ﴿وَلَّى﴾، يَعنِي: ولَّى مُستَكبِرًا، مُشابِهًا لمَن لا يَسمَع، ومُشابِهًا لمَن في أذُنَيْه وَقْر.
وهذا في غاية ما يَكون من بيان حال هذا الرجُلِ في إعراضه، وعدَم انتِفاعه بآيات اللَّه تعالى.
قوله ﷾: ﴿فَبَشِّرْهُ﴾ البُشرى إذا أُطلِقت فهي بخير، وإن قُيِّدت بالخَيْر صار ذلك تَأكيدًا، كما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥]، وإن قُيِّدت بالشَّرِّ فهي للشَّرِّ.
فالبُشرَى إمَّا أن تُطلَق أو تُقيَّد:
فإذا أُطلِقت فهي بالخير، مثالُه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]، ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر: ١٧].
وإن قُيِّدت بالخير فهي خير، ويَكون ذلك تَأكيدًا مثل: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾.
وإن قُيِّدت بالشَّرِّ فهي للشَّرِّ، لكن هل قيلت فيه على سبيل الحقيقة، أو على سبيل التَّهكُّم؟
[ ٤١ ]
الجَوابُ: المُفَسِّر ﵀ وجماعة يَرَوْن أنه قيلت على سَبيل التَّهكُّم؛ لأن الأصل فيها الخير، فإذا قُيِّدت بالشَّرِّ فهو من باب التَّهكُّم به كما في قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] على القول بأن المُراد: العزيز الكريم في تِلكَ الحالِ، لا أنك أنت العَزيز الكَريم في الدنيا من قَبلُ.
ولكن قد يَقول قائِل: إن البُشرى إذا قُيِّدت بالشَّرِّ فهي على حَقيقتها، وأن أصل البُشرى من البشَرة، وهي: الإعلام بما يَتغَيَّر به الوجهُ، فإن تَغيَّر بالسرور والانشِراح فهي بالخير، وإن تَغيَّر بالانقِباض والعُبوس فهي في الشَّرِّ، فكل ما كان مُؤثِّرًا على بشَرة الإنسان فهو بُشرى، لكن هي في الأصل في الخَيْر.
ثُمَّ قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: ﴿أَلِيمٍ﴾ بمَعنَى: مُؤلِم، ففي الأوَّل عَذاب مُهين، ذو إهانة، وفي الثاني عذاب أَليم ذو إيلامٍ؛ لأنه فعَل أفعالًا أعظَمَ من الأوَّل، هذا الأخيرُ إذا تُتلَى عليه آياتُ اللَّه تعالى ولَّى مُستكبِرًا، فهو أَعظَمُ من الذي يَشتَرِي لَهْوَ الحديث، فالأوَّل يُصاب بعذاب مُهين، والثاني يُصاب بعَذاب أليم، والمَوْصوف واحِد في الحقيقة، لكن أحواله مُتغَيِّرة.
قال المُفَسِّر ﵀: [وهو النَّضْر بن الحارِث (^١) كان يَأتِي الحِيرة يَتَّجِر فيَشتَري كتُب أخبار الأعاجِم ويُحدِّث بها أهل مَكَّةَ، ويَقول: إن محُمَّدًا يُحدِّثكم أحاديثَ عادٍ وثمودَ، وأنا أُحدِّثكم أحاديث فارِسَ والرومِ، فيَستَحِلُّون حديثه ويَترُكون استِماع القرآن].
المُفَسِّر ﵀ يَقول: [وهو النَّضْر]، وتَعيينها بالنَّضْر فقَطْ، لا شكَّ أنه قُصور، والصواب: أنها عامَّة له ولغَيْره، وسواءٌ بهذه الطَّريقةِ التي كان يَتَّخِذها هو أو بغيرها
_________________
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان رقم (٤٨٣٠)، عن ابن عباس -﵄-.
[ ٤٢ ]
كما سبَقَ لنا في الأمثِلة، فالصواب العُموم، لكن المُفَسِّر ﵀ دائِمًا يَخُصُّ القرآن بالعموم، كما تَقدَّم كثيرًا يَحمِل الآياتِ التي تَتَحَدَّث بالكُفْر والشِّرْك على أهل مكَّةَ دائِمًا.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ مِن علامات هذا الصِّنْفِ مِن النَّاس إعراضَهم عن سَماعِ آياتِ اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ هذا الذي تُتْلى عليه آياتُ اللَّه تعالى وهو قدِ اشتَرَى لَهْوَ الحديث يَكون -والعِياذُ باللَّه- كالإنسان الذي به صمَمٌ لا يُمكِن أن يَصِل إلَيْه سماعُ الحقِّ، لقولِه تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الوعيدُ الشديدُ على مَن إذا تُلِيَت عليه آياتُ اللَّه ﷾ وَلَّى مُستكْبِرًا.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: ثُبوتُ المَدْح والثَّناء لمَن كان على العكس مِن ذلك؛ لأنَّ الذمَّ على صِفَة يَقتَضي مَدْح مَن اتَّصَف بِضِدِّها، وهذه قاعِدة مُفيدة، فيُؤْخَذ مِنه: مَدْح مَن إذا تُلِيَت عليه آيات الرحمن أَقْبَل إليها واستَمَع إليها، ولهذا قال اللَّه ﷾: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] لم يَخِرُّوا صُمًّا، يَعنِي: ولا عُمْيَانًا، وإنما يُقْبِلُون إليها بآذان سامِعة، وأَعيُنٍ مُبصِرة.
فإذا قال قائِل: هل مِن الإعراض عن آيات اللَّه تعالى مَن يَقُول للقارِئ: انْتَهِ مِن القِراءة؟
فالجَوابُ: لا، بمَعنَى أنك إذا جعَلْت واحِدًا يَقرَأ عليك، ثُم قُلْت: يَكفِي،
[ ٤٣ ]
ليس مِن هذا، لأنَّه قد ثبَت عن النبيِّ ﵊ أنَّه قال لابن مَسعود -﵁-: "اقْرَأْ عَلَيَّ"، فقال: يا رسول اللَّه أَقرَأُ عليك القرآنَ وعليك أُنزِلَ! قال: "نَعَمْ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي"، فتَلا عليه سورة النساء، فلما بلَغ قوله ﷾: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قال: "حَسْبُكَ" يَعنِي: قِفْ، يَقول -﵁-: فرَأَيْتُ النبيَّ -ﷺ- عَيناهُ تَذْرِفانِ (^١).
وعلى هذا فيَجوز للإنسان أن يَقول للقارِئ: أَوْقِفِ القِراءةَ، كما يَدُلُّ أيضًا على جواز غَلْق (الراديو) إذا كان يَقرَأ القرآن، ولا حرَجَ عليه، وكذلك أيضًا في المُسَجِّل، حتى وإن كان يَتْلو في وسَط القِراءة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ البِشَارة تُطلَق على ما يَسُوء؛ لقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب التفسير، باب ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾، رقم (٤٥٨٢)، ومسلم: كتاب صلاة المسافرين، باب فضل استماع القرآن، رقم (٨٠٠)، من حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁-.
[ ٤٤ ]