الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالضمّ الذي جيء به لمناسبة واو الجماعة، ويقال اختصارا: فعل وفاعل. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿آمَنُوا﴾ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول لا محل لها. وجملة: ﴿لَقُوا..﴾. إلخ: في محل جر بإضافة (﴿إِذا﴾) إليها على المشهور المرجوح.
﴿قالُوا:﴾ فعل وفاعل والألف للتفريق. ﴿آمَنّا:﴾ فعل ماض مبني على السكون لاتصاله ب: (نا)، و(نا): ضمير متصل في محل رفع فاعل، وهذا الإعراب هو المتعارف عليه في مثل هذه الكلمة، والإعراب الحقيقي أن تقول: فعل ماض مبني على فتح مقدر على آخره، منع من ظهوره اشتغال المحل بالسكون العارض، كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة.
وهكذا قل في إعراب كلّ فعل ماض اتصل به ضمير رفع متحرك، مثل: حفظت حفظنا، حفظن إلخ، ويقال اختصارا: فعل وفاعل، وجملة: ﴿آمَنّا﴾ مع المتعلق المحذوف في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قالُوا..﴾. إلخ: جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها من الإعراب، و(﴿إِذا﴾) ومدخولها كلام معطوف على مثله في الآية السابقة.
﴿وَإِذا:﴾ الواو: حرف عطف، و(﴿إِذا﴾): مثل ما قبلها. ﴿خَلَوْا:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدّر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة مثل ما قبلها. ﴿إِلى شَياطِينِهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿قالُوا:﴾ فعل، وفاعل، والجملة الفعلية مع مقولها جواب (﴿إِذا﴾) لا محل لها. ﴿إِنّا﴾ حرف مشبه بالفعل، و(نا) ضمير متصل في محل نصب اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها.
﴿مَعَكُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بمحذوف في محل رفع خبر: (إنّ) والكاف في محل جر بالإضافة، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول. ﴿إِنَّما:﴾ كافة ومكفوفة مفيدة للحصر.
﴿نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ:﴾ مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية مؤكدة لقولهم: ﴿إِنّا مَعَكُمْ﴾ أو هي بدل منه، أو هي مستأنفة مبنية على سؤال مقدر نشأ من دعاء التبعية. انتهى. جمل، ونسفي بتصرف.
﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾
الشرح: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أي: ينتقم منهم، ويعاقبهم، ويسخر بهم، ويجازيهم على استهزائهم، فسمّى العقوبة باسم الذّنب، هذا قول الجمهور من العلماء، والعرب تستعمل ذلك كثيرا في كلامهم، من ذلك قول عمرو بن كلثوم التغلبي في معلّقته رقم [١١٤]: [الوافر]
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فسمّى انتصاره جهلا، والجهل لا يفخر به ذو عقل، وإنما قاله ليزدوج الكلام، فيكون ذلك أخفّ على اللسان من المخالفة بينهما، وكانت العرب إذا وضعوا لفظا بإزاء لفظ جوابا له،
[ ١ / ٥٦ ]
وجزاء؛ ذكروه بمثل لفظه؛ وإن كان مخالفا له في معناه، وعلى ذلك جاء القرآن، والسنة، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ الآية رقم [١٩٤] الآتية، انظر ما ذكرته فيها، وقال تعالى في سورة (الشورى) رقم [٤٠]: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ والجزاء لا يكون سيئة، والقصاص لا يكون اعتداء؛ لأنه وجب بحقّ، وهو كثير في كتاب الله، قد شرحته في محالّه، والحمد لله! وتختلف في المعنى كقول ابن الشّمقمق في المشاكلة: [الكامل]
أصحابنا قصدوا الصّبوح بسحرة وأتى رسولهم إليّ خصّيصا
قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا
هذا والاستهزاء بالناس حرام، فقد نهى الله ورسوله عنه، قال تعالى في سورة الحجرات:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ..﴾. إلخ. وقال الرسول ﷺ في بيان مصير المستهزءين بالناس ومآلهم يوم القيامة: «إنّ المستهزءين بالناس يفتح لأحدهم في الآخرة باب من الجنّة، فيقال له: هلمّ! فيجيء بكربه، وغمّه، فإذا جاءه؛ أغلق دونه، ثمّ يفتح له باب آخر، فيقال له: هلمّ! هلمّ! فيجيء بكربه، وغمّه، فإذا جاءه؛ أغلق دونه، فما يزال كذلك؛ حتّى إنّ أحدهم ليفتح له الباب من أبواب الجنّة، فيقال له: هلمّ! فما يأتيه من الإياس». رواه البيهقيّ مرسلا من رواية الحسن البصريّ﵁-، وانظر ما ذكرته في سورة (المطففين) رقم [٣٤] فإنّه جيد، والحمد لله! وانظر الآية رقم [٢١١] الآتية.
﴿وَيَمُدُّهُمْ:﴾ أي يطيل لهم المدّة، ويمهلهم، ويملي لهم، كما قال تعالى في سورة (آل عمران) رقم [١٧٨]: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ،﴾ وقال تعالى في سورة (ن) رقم [٤٤] وفي سورة (الأعراف) أيضا برقم [١٨٢] و[١٨٣] ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ قال بعض العلماء في هذه الآية: كلّما أحدثوا ذنبا؛ أحدث لهم نعمة، وهم لا يعلمون: أنه استدراج. وعن عقبة بن عامر﵁عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الله يعطي العبد ما يحبّ، وهو مقيم على معصيته؛ فذلك منه تعالى استدراج»، ثم تلا قوله تعالى في سورة (الأنعام) رقم [٤٤]: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾. ذكره البغوي بغير سند، وأسنده الطّبري، ولا تنس قوله تعالى في سورة (مريم) رقم [٧٥]: ﴿قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا﴾.
﴿فِي طُغْيانِهِمْ:﴾ كفرهم، وضلالهم، وأصل الطّغيان: مجاوزة الحد، يقال: طغى، يطغى، ويطغو طغيانا، وطغوانا: جاوز الحد، وكلّ مجاوز حدّه في العصيان طاغ، قال تعالى في حق فرعون: ﴿إِنَّهُ طَغى﴾ أي: أسرف في الدعوى؛ حيث قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ والمعنى في الآية:
يمدّهم بطول العمر؛ حتى يزيدوا في الطّغيان، فيزيدهم في عذابهم. هذا؛ وطغى البحر: هاجت
[ ١ / ٥٧ ]
أمواجه. وطغى السيل: جاء بماء كثير، قال تعالى في سورة الحاقة رقم [١١]: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾.
﴿يَعْمَهُونَ:﴾ يتردّدون متحيّرين في الكفر، لا يعرفون ما يلحقهم من ضرّ، أو نفع.
وحكى أهل اللغة: عمه الرجل، يعمه عموها، وعمها، فهو عمه، وعامه: إذا حار، وجمعه: عمه، وذهبت إبله العمهى: إذا لم يدر أين ذهبت، وعن بعض الأعراب: أنه دخل السّوق، وما أبصرها قطّ، فقال: رأيت الناس عمهين، أراد: مترددين في أشغالهم، وأعمالهم، قال رؤبة بن العجاج: [الرجز]
ومهمه أطرافه في مهمه أعمى الهدى بالحائرين العمّه
هذا والعمه قريب من العمى، لكنّ العمى يطلق على ذهاب نور العين وعلى الخطأ في الرأي، والعمه لا يطلق إلا على الثاني، وهو ما يعبّر عنه بعمى القلب، قال تعالى في سورة (الحج) رقم [٤٦]: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. وفي المصباح:
عمه، يعمه، عمها، من باب تعب: إذا تردد متحيّرا، وتعامه مأخوذ من قولهم: أرض عمهاء، إذا لم يكن فيها أمارات تدل على النّجاة، فهو عمه، وأعمه، وهذا الفعل لم أر له ماضيا، ولا أمرا، فيظهر: أنّه فعل جامد، لا يأتي منه غير المضارع، وإن ذكر في كتب اللغة ماض له، لكنّه لا يستعمل، ولم يتداول، وهو بلفظ المضارع كثير في القرآن الكريم.
قال القاضي البيضاوي-رحمه الله تعالى-: والمعتزلة لمّا تعذر عليهم إجراء الكلام على ظاهره؛ قالوا: لمّا منعهم الله تعالى ألطافه التي يمنحها المؤمنين، وخذلهم بسبب كفرهم، وإصرارهم، وسدّهم طريق التوفيق على أنفسهم، فتزايدت بسببه قلوبهم رينا، وظلمة؛ تزايد قلوب المؤمنين انشراحا ونورا، أو مكّن الشيطان من إغوائهم، فزادهم طغيانا، أسند ذلك كلّه إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى المسبب مجازا، وأضاف الطغيان إليهم لئلا يتوهم: أنّ إسناد الفعل إليه على الحقيقة، ومصداق ذلك: أنه لما أسند إلى الشّياطين، أطلق الغيّ، قال:
﴿وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ﴾. انتهى. وهذا على اعتقاد المعتزلة بأنّ العبد يخلق أفعال نفسه، وقد فنّدت رأيهم في سورة النّحل، وسورة الصّافات، والحمد لله!.
الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ، ﴿يَسْتَهْزِئُ:﴾ فعل مضارع، والفاعل مستتر تقديره: «هو»، يعود إلى الله، ﴿بِهِمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها. (﴿يَمُدُّهُمْ﴾): فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ والهاء في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل
[ ١ / ٥٨ ]