﴿ماذا:﴾ (﴿ما﴾): اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. (﴿ذا﴾): اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ. هذا؛ ويجوز أن يكون: ﴿ماذا﴾ اسما مركبا مبنيّا على السكون في محل رفع مبتدأ، أو هو في محل نصب مفعول به مقدّم، والأول أقوى؛ لأن مفعول ﴿أَرادَ﴾ يحذف كما رأيت في الآية رقم [٢٠].
﴿أَرادَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهَ:﴾ فاعله. ﴿بِهذا:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء حرف تنبيه لا محل له، مقحم بين الجار والمجرور، وجملة: ﴿أَرادَ..﴾. إلخ: صلة الموصول لا محل لها، وهذا على الوجه الأول في إعراب ﴿ماذا،﴾ أو في محل رفع خبره على الوجه الثاني فيه، أو هي جملة فعلية على الوجه الثالث في إعرابه، وعلى جميع الوجوه؛ فجملة: ﴿ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا:﴾ في محل نصب مقول القول. ﴿مَثَلًا:﴾ تمييز لاسم الإشارة، أو حال. ﴿يُضِلُّ:﴾ فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ،﴾ ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كَثِيرًا:﴾ مفعول به، وهو صفة لموصوف محذوف، التقدير: خلقا، أو ناسا كثيرا، والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها، وجوز أبو البقاء اعتبارها صفة مثلا، أو حالا من لفظ الجلالة، كما جوز الاستئناف، وصوّبه ابن هشام في المغني وجملة: (﴿يَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾):
معطوفة على ما قبلها لا محل لها مثلها. ﴿وَما:﴾ الواو: واو الحال. (﴿ما﴾): نافية. ﴿يُضِلُّ:﴾
فعل مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾ ﴿بِهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿إِلاَّ﴾ حرف حصر. ﴿الْفاسِقِينَ﴾ مفعول به منصوب إلخ. والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿يُضِلُّ﴾ و(﴿يَهْدِي﴾) المستتر، والرابط: الواو، والضمير. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧)﴾
الشرح: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ:﴾ النقض: فك التركيب، وأصله: فك طاقات الحبل، واستعماله في إبطال العهد استعارة، حيث شبه العهد بالحبل، وحذف المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو النقض على سبيل الاستعارة المكنية. ﴿عَهْدَ اللهِ:﴾ قيل: عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود:
الأول: العهد الذي أخذه على جميع ذرية آدم ﵇ بأن يقرّوا بربوبيته، وهو قوله تعالى:
في سورة (الأعراف) رقم [١٧١]: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾. والعهد الثاني: خصّ به النبيين أن يبلغوا الرسالة، ويتمّوا الدين، وهو قوله تعالى في سورة (الأحزاب) رقم [٧]: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾. والعهد الثالث:
خصّ به العلماء من كل أمّة وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾.
[ ١ / ٨٧ ]
﴿مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ:﴾ الميثاق: العهد المؤكد باليمين، والجمع: مواثيق على الأصل؛ لأنّ أصل ميثاق: موثاق، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ومثله: ميزان، وميعاد، ونحوهما.
﴿وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ من الإيمان بالرّسول ﷺ وصلة الأرحام، وموالاة المؤمنين، وعدم التفرقة بين الرسل، والكتب في التصديق، فهي عامة في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل، والرحم جزء من هذا. ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالكفر، والمعاصي، والظّلم، وإثارة الفتن، والتعويق عن الإيمان، والصدّ عن سبيل الله بالتّرغيب أحيانا، وبالتّرهيب أحيانا أخرى.
﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ حيث استبدلوا المعصية بالطاعة، والفساد بالصلاح، والعقاب بالثواب.
هذا وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-: في هذه الآية دليل على أنّ الوفاء بالعهد، والتزامه، وكل عهد جائز ألزمه المرء نفسه، فلا يحل له نقضه سواء أكان بين مسلم أم غيره، لذمّ الله تعالى من نقض عهده، وقد قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤]. انتهى.
هذا وقيل في تفسير الخازن: إنّه جعل لكلّ واحد من بني آدم منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل الكفار التي في الجنة، وجعل للكفار منازل المؤمنين التي في النار، فذلك هو الخسران، وأيّ خسران أعظم من هذا الخسران؟! وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة﵁قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلاّ له منزلان:
منزل في الجنّة، ومنزل في النار، فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله» فذلك قوله تعالى في سورة (المؤمنون)، الآية رقم [١٠]: ﴿أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ﴾. هذا؛ والآية الكريمة مذكورة في سورة (الرّعد) رقم [٢٥].
الإعراب: ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب بدلا من ﴿الْفاسِقِينَ﴾ أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره: أذم، أو هو في محل رفع خبر لمبتدإ محذوف، التقدير: هم الذين، أو هو مبتدأ خبره ما يأتي بعده.
﴿يَنْقُضُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله. ﴿عَهْدَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف و﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، التقدير: عهدهم الله، أي معاهدتهم الله. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وقيل: ﴿مِنْ﴾ زائدة. وليس بشيء. ﴿بَعْدِ﴾ مضاف و﴿مِيثاقِهِ:﴾ مضاف إليه. والهاء في محل جر بالإضافة من إضافة المصدر لمفعوله على اعتباره عائدا على «العهد» وفاعله مستتر فيه، أو من إضافة المصدر لفاعله على اعتباره عائدا على ﴿اللهِ،﴾ وجملة: ﴿يَنْقُضُونَ..﴾. إلخ: صلة الموصول لا محل لها. ﴿وَيَقْطَعُونَ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿يَقْطَعُونَ﴾): فعل مضارع مرفوع وفاعل. ﴿ما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به، وجملة: ﴿أَمَرَ اللهُ بِهِ:﴾ صلته.
﴿أَنْ:﴾ حرف ناصب. ﴿يُوصَلَ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب ﴿أَنْ﴾ ونائب الفاعل يعود إلى الموصول، وهو العائد: و﴿أَنْ﴾ والفعل المضارع في تأويل مصدر في محل جر بدل من
[ ١ / ٨٨ ]