هذا؛ و«مبطل» اسم فاعل من أبطل الرباعي. هذا؛ و(الباطل) في قوله تعالى في سورة (فصلت) رقم [٤٢]: ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ،﴾ قال السدي، وقتادة: الباطل: الشيطان، لا يستطيع أن يغير في القرآن شيئا، ولا يزيد، ولا ينقص منه. وقوله تعالى في سورة (الشورى) رقم [٢٤]: ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ﴾ الباطل: الشرك، والبطلة في قول الرسول ﷺ: «لا تستطيعها البطلة» أي: لا تستطيع قراءة سورة البقرة السّحرة. وانظر الآية رقم [١٨٧].
هذا والفعل ﴿تَعْلَمُونَ﴾ من المعرفة، لا من العلم اليقيني، والفرق بينهما: أن المعرفة تكتفي بمفعول واحد، قال ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]
لعلم عرفان وظنّ تهمه تعدية لواحد ملتزمه
بخلافه من العلم اليقيني، فإنه ينصب مفعولين، أصلهما مبتدأ وخبر. وأيضا فالمعرفة تستدعي سبق جهل، وأن متعلقها الذوات دون النسب، بخلاف العلم فإن متعلقه المعاني، والنسب.
وتفصيل ذلك بأنك إذا قلت: عرفت زيدا، فالمعنى أنك عرفت ذاته، ولم ترد أنك عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا المعنى؛ لم يتجاوز مفعولا؛ لأنّ العلم والمعرفة تناول الشيء نفسه، ولم يقصد إلى غير ذلك، وإذا قلت: علمت زيدا عالما، أو قائما، لم يكن المقصود: أن العلم تناول نفس زيد فحسب، وإنّما المعنى: أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة.
الإعراب: ﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): ناهية جازمة. ﴿تَلْبِسُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لا﴾) وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿بِالْباطِلِ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، أو هما متعلقان بمحذوف حال من ﴿الْحَقَّ﴾ أي: ملتبسا بالحق. ﴿وَتَكْتُمُوا:﴾ معطوف على سابقه، فهو مجزوم مثله، ويحتمل أن يكون منصوبا ب «أن» مضمرة بعد واو المعية، وعلامة الجزم أو النصب حذف النون إلخ، والواو فاعله. ﴿الْحَقَّ:﴾ مفعول به، وعلى نصبه؛ ف: «أن» المضمرة والفعل في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الفعل السابق.
التقدير: لا يكن منكم لبس للحق بالباطل، وكتمان الحق. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ:﴾ انظر إعراب هذه الجملة في الآية رقم [٢٢]، ومفعول ﴿تَعْلَمُونَ﴾ محذوف، التقدير: تعلمون أنه الحق. والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط: الواو، والضمير.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاِرْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ (٤٣)﴾
الشرح: ﴿وَأَقِيمُوا﴾ أمر معناه الوجوب، وأصله: «أقوموا»، فقل في إعلاله: اجتمع معنا حرف صحيح ساكن، وحرف علّة متحرك، والحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، فنقلت حركة الواو إلى القاف قبلها، فصار: (أقوموا) ثم قلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها، ومعنى: (﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾): أدوها في أوقاتها، وحافظوا على طهارتها، وأتمّوا لها ركوعها،
[ ١ / ١٢٩ ]
وخشوعها، ومن لم يؤدّها على الوجه الأكمل، يقال عنه: صلى، ولا يقال: أقام الصلاة. هذا؛ والصّلاة في اللّغة: الدعاء، والتّضرّع، وهي في الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة، مبتدأة بالتكبير، مختتمة بالتّسليم، ولها شروط، وأركان، ومبطلات، ومكروهات، ومندوبات مذكورة في الفقه الإسلامي. والصّلاة من العبد معناها: التّضرّع، والدّعاء، ومن الملائكة على العبد معناها: الاستغفار، وطلب الرّحمة له، ومن الله على عباده معناها: الرحمة، وإنزال البركات، وقد جمعت الأنواع الثلاثة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ الآية رقم [٥٦] من سورة (الأحزاب)، وانظر الآية رقم [١٥٣] الآتية.
﴿وَآتُوا الزَّكاةَ:﴾ أمر يقتضي الوجوب أيضا، والإيتاء: الإعطاء. يقال: آتيته: أعطيته، قال الله تعالى حكاية عن قول المنافق في سورة (التوبة) رقم [٧٥]: ﴿لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ وأتيته بالقصر من غير مدّ: جئته، فإذا كان المجيء بمعنى الاستقبال مدّ، ومنه الحديث: ولآتين رسول الله ﷺ فلأخبرنه هذا. وأصل (آتوا): «آتيوا» فاستثقلت الضمة على الياء، فحذفت، فالتقى ساكنان: الياء والواو، فحذفت الياء لعلة الالتقاء، فصار: (آتوا) ثم قلبت الكسرة ضمة لمناسبة الواو. هذا والزكاة في اللغة: التّطهير، والإصلاح، والنّماء، والمدح. يقال: زكا الزرع، والمال، يزكو: إذا كثر، وزاد، وسمّي الإخراج من المال: زكاة، وهو نقص منه من حيث ينمو بالبركة، قال تعالى في سورة (سبأ): ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ رقم [٣٩]، كما يقال: زكا فلان؛ أي: طهر من دنس الجرحة، والإغفال، فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين، ألا ترى: أنّ النبي ﷺ سمى ما يخرج من الزكاة: أوساخ الناس، وقد قال الله تعالى في سورة (التوبة) رقم [١٠٣]:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾.
والزكاة في الشرع: اسم لما يخرج عن مال، أو بدن على وجه مخصوص، وهي أحد أركان الإسلام الخمسة؛ التي بني عليها الإسلام، ومن ثم يكفر جاحدها على الإطلاق، وفي القدر المجمع عليه، ويقاتل الممتنع من أدائها، وتؤخذ منه قهرا، كما فعل الصدّيق، ﵁.
وتدفع الزكاة لأشخاص معلومين، مذكورين في الآية رقم [٦٠] من سورة (التوبة). وزكاة الفطر لا نصّ صريحا في القرآن عليها إلا ما تأوله بعض المفسرين في قوله تعالى في سورة الأعلى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ وسأتحدث عنها إن شاء الله عند الكلام على الصيام، لأن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر في رمضان.
هذا وخصّ الله ﵎ الصّلاة والزّكاة بالذّكر؛ لأنّ الصلاة أفضل العبادات البدنية، وشرعت لذكر الله، والزكاة أفضل العبادات المالية، وشرعت للعطف على الفقراء، والمساكين، ومجموعهما التعظيم لأمر الله تعالى، والشّفقة على خلق الله. هذا؛ وأضيف: أنّ الزكاة قرينة
[ ١ / ١٣٠ ]
الصّلاة، فقد روي: أن أعرابيّا جاء إلى ابن عباس﵄فقال له: يا بن عباس أنت حبر الأمة، وترجمان القرآن، قد علّمك الله أسرار الكتاب، وفقّهك في الدين، فقل لي بربّك:
لماذا قرن الله الصلاة إلى الزكاة في القرآن في أكثر من ثلاثين آية؟ فقال ابن عباس﵄-: ذلك لتعلم: أن الصلاة، والزكاة توأمان، لا يقبل الله إحداهما بدون الأخرى، تلك حقّ الله، وهذه حقّ الناس. رضي الله عن الصدّيق الّذي سوّى بين المرتدين، ومانعي الزكاة في القتال، والمحاربة، كما هو معلوم، ومشهور. وخذ قول أحمد شوقي رحمه الله تعالى: [الوافر]
ولم أر مثل جمع المال داء ولا مثل البخيل به مصابا
عجبت لمعشر صلّوا وصاموا ظواهر خشية وتقى كذابا
وتلفيهم حيال المال صمّا إذا داعي الزّكاة بهم أهابا
لقد كتموا نصيب الله منه كأنّ الله لم يحص النّصابا
ومن يعدل بحبّ الله شيئا كحبّ المال ضلّ هوى وخابا
وخذ قول أبي العتاهية الصّوفي رحمه الله تعالى: [الكامل]
أقم الصّلاة لوقتها بشروطها فمن الضّلال تفاوت الميقات
وإذا اتّسعت برزق ربّك فاجعلن منه الأجلّ لأوجه الصّدقات
في الأقربين وفي الأباعد تارة إنّ الزّكاة قرينة الصّلوات
هذا؛ وقال القرطبي-رحمه الله تعالى-في غير هذا الموضع: وفي حديث: أنّ النبي ﷺ قال: «من فرّق بين ثلاث؛ فرق الله بينه وبين رحمته يوم القيامة: من قال: أطيع الله، ولا أطيع الرسول، والله يقول: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. ومن قال: أقيم الصلاة ولا أوتي الزكاة، والله تعالى يقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾. ومن فرّق بين شكر الله، وشكر والديه، والله ﷿ يقول: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ»﴾.
أمّا (الركوع) فهو في اللغة الانحناء في الشخص، وكلّ منحن راكع، قال لبيد﵁-: [الطويل]
أخبّر أخبار القرون الّتي مضت أدبّ كأنّي كلّما قمت راكع
وقيل: الانحناء يعمّ الركوع والسجود، ويستعار أيضا للانحطاط في المنزلة، كما في قول الأضبط بن قريع السعدي، وهو الشاهد رقم [٧٠] من كتابنا: «فتح ربّ البرية». والشاهد [١٠٩٩] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الخفيف]
[ ١ / ١٣١ ]
لا تهن الفقير علّك أن تر كع يوما والدّهر قد رفعه
هذا؛ واختلف الناس في تخصيص الركوع بالذّكر دون ذكر بقية الأركان، فقال قوم: جعل الركوع عبارة عن الصلاة كلها. وقيل: عبر عن الصّلاة بالركوع ردّا على اليهود، والنصارى؛ لأن صلاتهم لا ركوع فيها. فكأنّ الله تعالى قال لهم: صلوا الصّلاة ذات الركوع في جماعة المسلمين.
هذا وفي قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أمر صريح بالصّلاة جماعة مع المصلين. وقد اختلف العلماء في حكم الصلاة في الجماعة، فالذي عليه الجمهور: أن الصلاة في الجماعة من السنن المؤكدة، وقد أوجبها بعض أهل العلم فرضا على الكفاية.
وفي بيان ثوابها يقول الرسول ﷺ: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة». أخرجه مسلم-رحمه الله تعالى-من حديث ابن عمر، ﵄. وقال الإمام أحمد، وداود الظاهري: الصّلاة في الجماعة فرض على كلّ أحد لقول النبي ﷺ: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد». أخرجه أبو داود، وصحّحه أبو محمد عبد الحق، وهو قول عطاء، وأبي ثور، وغيرهما. وقال الشافعي-رحمه الله تعالى-: لا أرخص لمن قدر على الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر، حكاه ابن المنذر. أقول: والقول بالوجوب هو الحقّ للأحاديث الصّحيحة. وخذ ما يلي:
عن ابن عباس﵄قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمع المنادي، فلم يمنعه من اتّباعه عذر-قالوا: وما العذر؟ قال: «خوف، أو مرض-لم تقبل منه الصّلاة التي صلّى».
رواه أبو داود، وابن حبّان في صحيحه، وابن ماجة بنحوه.
وعن أبي الدرداء﵁قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ثلاثة في قرية، ولا بدو، لا تقام فيهم الصّلاة إلا استحوذ عليهم الشّيطان. فعليكم بالجماعة، فإنّما يأكل الذئب من الغنم القاصية». رواه أحمد، وأبو داود، والنّسائي، والحاكم، وابن خزيمة، وابن حبّان.
وعن معاذ بن أنس﵁عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «الجفاء كلّ الجفاء والكفر والنّفاق من سمع منادي الله ينادي إلى الصّلاة، فلا يجيبه». رواه الإمام أحمد، والطّبراني. وعن عمرو بن أم مكتوم﵁قال: «قلت: يا رسول الله! أنا ضرير شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي، قال: أتسمع النّداء؟ قال: نعم، قال: ما أجد لك رخصة». رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، وابن خزيمة، وانظر ما ذكرته في تفسير قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. هذا وفي هذه الأيام كثر الهراء بمنع المرأة من الحضور إلى المساجد، واستدلّوا بأحاديث لم يفهموا مغزاها، ولم يدركوا معناها، ولم يعرفوا أسبابها، ومرماها، وقد ثبت: أنّ النّساء دخلن
[ ١ / ١٣٢ ]