من الإعراب، أو هي معطوفة على الجمل السابقة الواقعة حالا. ويبعده: أن الاستفهام إنشاء، والإنشاء لا يقع حالا.
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ (٧٨)﴾
الشرح: لمّا ذكر الله تعالى علماء السوء من اليهود الّذين حرفوا، وبدّلوا؛ ذكر العوام الذين قلّدوهم، وبيّن: أنّهم في الضلال، والمآل سواء، فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ أي: ومن اليهود طائفة من الجهلة العوام لا يعرفون القراءة، والكتابة؛ ليطلعوا على ما فيها بأنفسهم، ويتحقّقوا بما فيها. ﴿أُمِّيُّونَ﴾ جمع: أمّي، وهو من لا يحسن القراءة، والكتابة، وهي صفة ذمّ إلا في حق نبينا ﷺ، فإنّها له صفة مدح؛ لأنه أتى بعلوم الأولين والآخرين، كما رأيته في الآية رقم [١٥٦] من سورة (الأعراف)، والحمد لله! وأمّيّ منسوب إلى الأم التي ولدته، أو إلى الأمة، وهي القامة، والخلقة، كأنّ الذي لا يقرأ، ولا يكتب قائم على الفطرة، والجبلّة. قال رسول الله ﷺ: «إنّا أمّة أميّة، لا نكتب، ولا نحسب، الشّهر هكذا، وهكذا، وهكذا» الحديث. أو منسوب إلى الأمة؛ لأنها ساذجة قبل أن تعرف المعارف، والمراد بالكتاب: التوراة.
﴿إِلاّ أَمانِيَّ﴾ أي: أكاذيب، جمع: أمنيّة بتشديد الياء وتخفيفها فيها، قال أبو حاتم رحمه الله تعالى: كل ما جاء من هذا النحو واحده مشدّد؛ فلك فيه التشديد، والتخفيف مثل: أثافي، وأغاني، أماني، ونحوه، وهذا من قولهم: مان الرجل في حديثه مينا، وتمنّى تمنيا، أي:
كذب، ومنه قول عثمان بن عفان﵁-: ما تمنيت منذ أسلمت! أي: ما كذبت!.
أو هي جمع أمنية من التمنّي، وهو: طلب محبوب لا يرجى حصوله لكونه مستحيلا، أو بعيد الوقوع، وإذا كان متوقّع الحصول؛ فإنّ ترقّبه يسمّى: ترجيا، وعليه فالأماني التي يتمنّاها سفلة اليهود، ويعدهم بها رؤساؤهم مواعيد فارغة من أنّ الجنّة لا يدخلها إلا من كان هودا، وأنّ النار لن تمسّهم إلا أياما معدودة، وأنّ آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وأنّهم أبناء الله، وأحباؤه، إلى غير ما هنالك من الأماني الفارغة.
هذا؛ والأماني جمع: أمنية بمعنى التلاوة، والقراءة، وأصلها: أمنوية، على وزن: أفعولة، فقل في إعلاله: اجتمعت الواو، والياء، والأول ساكن، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء، ثم قلبت ضمّة النون كسرة لمناسبة الياء، فصارت أمنية.
والمعنى: أن سفلة اليهود لا يقرءون التّوراة إلا قراءة عارية عن معرفة المعنى. هذا؛ و«تمنى» بمعنى: قرأ، وقيل به في قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية رقم [٥٢] من سورة (الحج)، أي: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته، انظر شرحها هناك، فإنّه جيد، والحمد لله! وأنشد الشاعر في عثمان بن عفان﵁-: [الطويل]
[ ١ / ٢٢٢ ]
تمنّى كتاب الله آخر ليلة تمنّي داود الزّبور على رسل
وقال كعب بن مالك﵁فيه أيضا: [الطويل]
تمنّى كتاب الله أوّل ليلة وآخره لاقى حمام المقادر
وقال ابن الأنباري-رحمه الله تعالى-: الأماني تنقسم على ثلاثة أقسام: تكون من التمنّي، وتكون من التلاوة، وتكون من الكذب. كشاف بتصرف.
هذا؛ وقيل: الأماني: المقدّرات، يقال: منى له، أي قدّر له، قاله الجوهري، وحكاه ابن بحر، وأنشد قول الشاعر: [البسيط]
لا تأمننّ وإن أمسيت في حرم حتّى تلاقي ما يمني لك الماني
وقال أبو قلابة الهذلي: [البسيط]
ولا تقولن لشيء سوف أفعله حتّى تلاقي ما يمني لك الماني
أي: ما يقدر لك القادر. وبه قيل في آخر سورة القيامة في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى﴾.
﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ أي: يكذبون، ويحدّثون؛ لأنه لا علم لهم بصحة ما يتلون، إنّما هم مقلّدون لأحبارهم فيما يقرءون به.
قال أبو بكر الأنباري-رحمه الله تعالى-: وقد حدّثنا أحمد بن يحيى النّحويّ: أنّ العرب تجعل الظنّ علما، وشكّا، وكذبا، وقال: إذا قامت براهين العلم، فكانت أكثر من براهين الشك؛ فالظنّ يقين، وإذا اعتدلت براهين اليقين، وبراهين الشك؛ فالظنّ شك، وإذا زادت براهين الشك على براهين اليقين؛ فالظن كذب، قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ أراد:
إلا يكذبون، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٤٦] فإنه جيد، والحمد لله!.
الإعراب: ﴿وَمِنْهُمْ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿مِنْهُمْ﴾): جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدّم. ﴿أُمِّيُّونَ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. هذا ما يقوله المفسرون، والمعربون في هذه الجملة، وأمثالها، وأرى: أنّ مضمون: (﴿مِنْهُمْ﴾) مبتدأ و﴿أُمِّيُّونَ﴾ خبرا، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٨]. ﴿لا:﴾ نافية. ﴿يَعْلَمُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، ﴿الْكِتابَ:﴾ مفعول به. ﴿إِلاّ:﴾ أداة استثناء. ﴿أَمانِيَّ:﴾ استثناء منقطع، قدر البيضاوي فعلا ناصبا له، كما قدّر ﴿إِلاّ﴾ ب «لكن» فقال: والمعنى: ولكن يعتقدون أماني، أو يدركون أماني.
والجملة الفعلية: ﴿لا يَعْلَمُونَ:﴾ في محل رفع صفة: ﴿أُمِّيُّونَ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿وَمِنْهُمْ﴾
[ ١ / ٢٢٣ ]