اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَابَ وَاسِعٌ كَبِيرٌ، أَلَّفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ كُتُبًا كَثِيرَةً، نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ نكتا تدل على فضله، وما أعده اللَّهُ لِأَهْلِهِ، إِذَا أَخْلَصُوا الطَّلَبَ لِوَجْهِهِ. وَعَمِلُوا بِهِ. فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَشْعِرَ الْمُؤْمِنُ مِنْ فَضْلِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ كَلَامُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، غَيْرُ مخلوق، كلام من ليس كمثله شي، وَصِفَةُ مَنْ لَيْسَ لَهُ شَبِيهٌ وَلَا نِدٌّ، فَهُوَ مِنْ نُورِ ذَاتِهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَأَنَّ الْقِرَاءَةَ أَصْوَاتُ الْقُرَّاءِ وَنَغَمَاتُهُمْ، وَهِيَ أَكَسَابُهُمُ الَّتِي يُؤْمَرُونَ بِهَا فِي حَالٍ إِيجَابًا فِي بَعْضِ الْعِبَادَاتِ، وَنَدْبًا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَيُزْجَرُونَ «١» عَنْهَا إِذَا أَجْنَبُوا، وَيُثَابُونَ عَلَيْهَا وَيُعَاقَبُونَ عَلَى تَرْكِهَا. وَهَذَا مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ أَهْلُ الْحَقِّ، وَنَطَقَتْ بِهِ الْآثَارُ، وَدَلَّ عَلَيْهَا الْمُسْتَفِيضُ من الأخبار، ويتعلق الثواب والعقاب إلا بما هو من اكتساب الْعِبَادِ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. وَلَوْلَا أَنَّهُ- سُبْحَانَهُ- جَعَلَ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ مِنَ الْقُوَّةِ عَلَى حَمْلِهِ مَا جَعَلَهُ، لِيَتَدَّبَّرُوهُ وَلِيَعْتَبِرُوا بِهِ، وليتذكروا ما فيه من طاعته وعبادته، يَقُولُ- تَعَالَى جَدُّهُ- وَقَوْلُهُ الْحَقُّ:" لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ «٢» ". فأين قوت الْقُلُوبِ مِنْ قُوَّةِ الْجِبَالِ! وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَزَقَ عِبَادَهُ مِنَ الْقُوَّةِ عَلَى حَمْلِهِ مَا شَاءَ أَنْ يَرْزُقَهُمْ، فَضْلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً. وَأَمَّا مَا جَاءَ مِنَ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ- فَأَوَّلُ ذَلِكَ مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" يَقُولُ الرَّبُّ ﵎ مَنْ شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ- قَالَ:- وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ". قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَرَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: السَّبْعُ الطُّوَلُ مِثْلُ التَّوْرَاةِ، وَالْمِئُونَ مِثْلُ الْإِنْجِيلِ، وَالْمَثَانِي مِثْلُ الزَّبُورِ، وَسَائِرُ الْقُرْآنِ بعد فضل. وأسند عن الحارث
_________________
(١) . في نسخة: ويؤجرون عنها إذا أجيبوا.
(٢) . آية ٢١ سورة الحشر.
[ ١ / ٤ ]
عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ «١» رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:" سَتَكُونُ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ. قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا؟ قَالَ: كِتَابُ اللَّهِ ﵎ فِيهِ نَبَأُ مَنْ قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ وَمَنَ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غيره أصله اللَّهُ هُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَنُورُهُ الْمُبِينُ وَالذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ وَهُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَلَا تَتَشَعَّبُ مَعَهُ الْآرَاءُ وَلَا يَشْبَعُ من الْعُلَمَاءُ وَلَا يَمَلُّهُ الْأَتْقِيَاءُ وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَهُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ أَنْ قَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا مَنْ عَلِمَ عِلْمَهُ سَبَقَ وَمَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ خُذْهَا إِلَيْكَ يَا أَعْوَرُ «٢» "." الْحَارِثُ" رَمَاهُ الشَّعْبِيُّ بِالْكَذِبِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَمْ يَبِنْ مِنَ الْحَارِثِ كَذِبٌ، وَإِنَّمَا نُقِمْ عَلَيْهِ إِفْرَاطُهُ فِي حُبِّ عَلِيٍّ وَتَفْضِيلِهِ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ. وَمِنْ هَاهُنَا- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- كَذَّبَهُ الشَّعْبِيُّ، لِأَنَّ الشَّعْبِيَّ يَذْهَبُ إِلَى تَفْضِيلِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِلَى أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أسلم. قال أبو عمر عَبْدِ الْبَرِّ: وَأَظُنُّ الشَّعْبِيَّ عُوقِبَ لِقَوْلِهِ فِي الحارث الهمداني: حدثني الحارث وكان أحد الْكَذَّابِينَ. وَأَسْنَدَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ بَشَّارِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَنْبَارِيُّ النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ فِي كِتَابِ" الرَّدِّ عَلَى مَنْ خَالَفَ مُصْحَفَ عُثْمَانَ" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ: رَسُولُ الله ﷺ:" إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأْدُبَةُ اللَّهِ فَتَعَلَّمُوا مِنْ مَأْدُبَتِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ حَبْلُ اللَّهِ وَهُوَ النُّورُ الْمُبِينُ وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ عِصْمَةُ مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ وَنَجَاةُ مَنِ اتَّبَعَهُ لَا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعيب وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ فَاتْلُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْجُرُكُمْ عَلَى تِلَاوَتِهِ بكل حرف عشرة حَسَنَاتٍ أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ يَدَعُ أَنْ يَقْرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَإِنَّ أَصْفَرَ الْبُيُوتِ مِنَ الْخَيْرِ الْبَيْتُ الصَّفِرُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ". وَقَالَ أَبُو عَبِيدٍ فِي غَرِيبِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ هَذَا القرآن مأدبة
_________________
(١) . ورد هذا الحديث في صحيح الترمذي (ج ٢ ص ١٤٩ طبع بولاق) مع اختلاف في بعض كلماته. زيادة ونقص.
(٢) . قوله: يا أعور: لقب الحارث بن عبد اله المذكور ف يسند هذا الحديث
[ ١ / ٥ ]
اللَّهِ فَمَنْ دَخَلَ فِيهِ فَهُوَ آمِنٌ. قَالَ: وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَثَلٌ، شَبَّهَ الْقُرْآنَ بِصَنِيعٍ صَنَعَهُ اللَّهُ ﷿ لِلنَّاسِ، لَهُمْ فِيهِ الخير وَمَنَافِعٌ، ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَيْهِ. يُقَالُ: مَأْدُبَةٌ وَمَأْدَبَةٌ، فَمَنْ قَالَ: مَأْدُبَةٌ، أَرَادَ الصَّنِيعَ يَصْنَعُهُ الْإِنْسَانُ فَيَدْعُو إِلَيْهِ النَّاسَ. وَمَنْ قَالَ: مَأْدَبَةٌ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ بِهِ إِلَى الْأَدَبِ، يَجْعَلُهُ مَفْعَلَةٌ مِنَ الْأَدَبِ، وَيَحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ الْآخَرِ:" إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأْدَبَةُ اللَّهِ ﷿ فَتَعْلَّمُوا مِنْ مَأْدَبَتِهِ". وكان الأحمر يجعلها لُغَتَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَقُولُ هَذَا غَيْرَهُ. [قَالَ:] وَالتَّفْسِيرُ الْأَوَّلُ أَعْجَبُ إِلَيَّ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:" خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ". وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طِيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا مُرٌّ". وَفِي رِوَايَةٍ:" مَثَلُ الْفَاجِرِ" بَدَلُ الْمُنَافِقِ". وَقَالَ الْبُخَارِيُّ:" مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ " وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ: وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحَلْوَانِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ حَدَّثْنَا هُشَيْمٌ «١»، ح. وَأَنْبَأَنَا إِدْرِيسُ حَدَّثَنَا خَلَفٌ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ: أَنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ
_________________
(١) . جرت العادة بالاقتصار على الرمز في حدثنا وأخبرنا، واستمر الاصطلاح عليه من قديم الأعصار الى زماننا، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى، فيكتبون من حدثنا" ثنا" وهي الثاء والنون والألف، وربما حذفوا الثاء. ويكتبون من أخبرنا" أنا" ولا تحسن زيادة الباء قبل" نا"، وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد الى إسناد" ح" وهي حاء مهملة، والمختار أنها. مأخوذة من التحول، لتحوله من إسناد الى إسناد، وأنه يقول القارئ إذا انتهى إليها:" ح" ويستمر في قراءة ما بعدها. وقيل: إنها من حال بين الشيئين إذا حجز، لكونها حالت بين الإسنادين وأنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشيء، بل وليست من الرواية. وقيل: إنها رمز الى قوله:" الحديث". وأن أهل المغرب كلهم يقولون إذا وصلوا إليها: الحديث. ثم هذه الحاء توجد في كتب المتأخرين كثيرا، وهي كثيرة في صحيح مسلم، قليلة في صحيح البخاري. (عن مقدمة النووي على صحيح مسلم).
[ ١ / ٦ ]
السُّلَمِيَّ كَانَ إِذَا خَتَمَ عَلَيْهِ الْخَاتِمُ الْقُرْآنَ أَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَوَضَعَ يَدُهُ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا، اتَّقِ اللَّهَ! فَمَا أَعْرِفُ أَحَدًا خَيْرًا مِنْكَ إِنْ عَمِلْتَ بِالَّذِي عَلِمْتَ. وَرَوَى الدَّارِمِيُّ عَنْ وَهْبٍ الذِّمَارِيِّ قَالَ: مَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ وَمَاتَ على طاعة، بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ السَّفَرَةِ وَالْأَحْكَامِ. قَالَ سَعِيدٌ «١»: السَّفَرَةُ الْمَلَائِكَةُ، وَالْأَحْكَامُ «٢» الْأَنْبِيَاءُ. وَرَوَى مسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السفرة الكرام البررة والذي يقرأ القرآن ويتعتع فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ". التَّتَعْتُعُ: التَّرَدُّدُ فِي الْكَلَامِ عِيًّا وَصُعُوبَةً، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ مِنْ حَيْثُ التِّلَاوَةِ وَمِنْ حَيْثُ الْمَشَقَّةِ، وَدَرَجَاتُ الْمَاهِرِ فَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ الْقُرْآنُ مُتَعْتَعًا عَلَيْهِ، ثُمَّ تَرَقَّى عَنْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ شُبِّهَ بِالْمَلَائِكَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلْفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ". قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ:" أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ فَيَأْتِي مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ «٣» فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ" فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّنَا نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ:" أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ «٤» أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷿ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ". وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يسر الله عليه
_________________
(١) . سعيد هذا، هو سعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى التنوخي، أحد رجال سند هذا الحديث. وفي الأصول:" سعد" وهو تحريف.
(٢) . هكذا في نسخ الأصل وسنن الدارمي. ولعل الغرض وذوو الأحكام، أو هو جمع حكيم كشريف وأشرف أو حكم كبطل وأبطال.
(٣) ." كوماوين" تثنية كوماء، أي مشرفة السنام عاليته. []
(٤) . قوله: فيعلم. ضبط بنصب الفعل ورفعه وبتشديد اللام من التعلم، وبتخفيفها من العلم
[ ١ / ٧ ]
فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ الله له شريقا إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَمَنْ أبطأ به علمه لم يسره بِهِ نَسَبُهُ". وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَمِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول:" الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال:" يجئ القرآن «١» يوم القيامة فيقول يا رَبِّ حُلَّةً فَيَلْبَسُ تَاجَ الْكَرَامَةِ ثُمَّ يَقُولُ يَا رَبِّ زِدْهُ فَيَلْبَسُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ ثُمَّ يَقُولُ يَا رَبِّ ارْضَ عَنْهُ فَيَرْضَى عَنْهُ فَيُقَالُ لَهُ اقْرَأْ وَارْقَ وَيُزَادُ بِكُلِّ آيَةٍ حَسَنَةٌ". قَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارَتْقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخَرَ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا". وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ اقْرَأْ وَاصْعَدْ فَيَقْرَأُ وَيَصْعَدُ بِكُلِّ آيَةٍ دَرَجَةً حَتَّى يَقْرَأَ آخَرَ شي مَعَهُ". وَأَسْنَدَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْحِمْصِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" مَنْ أُعْطِيَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فَقَدْ أُعْطِيَ ثُلُثَ النُّبُوَّةِ وَمَنْ أُعْطِيَ ثُلُثَيِ الْقُرْآنِ أُعْطِي ثُلُثَيِ النُّبُوَّةِ وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فَقَدْ أُعْطِيَ النُّبُوَّةَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُوحَى إِلَيْهِ وَيُقَالُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ اقْرَأْ وَارْقَ فَيَقْرَأُ آيَةً وَيَصْعَدُ دَرَجَةً حَتَّى يُنْجِزَ مَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ اقْبِضْ فَيَقْبِضُ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ أَتَدْرِي مَا فِي يَدَيْكَ فَإِذَا فِي يَدِهِ الْيُمْنَى الْخُلْدُ وَفِي الْيُسْرَى النَّعِيمُ". حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ بْنُ خَلَفٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ تَمَّامٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" مَنْ أَخَذَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَعَمِلَ به فقد أخذ ثلث النبوة ومن أخذ
_________________
(١) . الذي في نسخ الأصل:" يجئ صاحب القرآن". والتصويب عن سنن الترمذي.
[ ١ / ٨ ]
نصف القرآن وعمل به فقد أخذ نِصْفِ النُّبُوَّةِ وَمَنْ أَخَذَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فَقَدْ أَخَذَ النُّبُوَّةَ كُلَّهَا. قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدٌ وَهُوَ ابْنُ سَعْدَانَ حدثنا الحسن بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ حَفْصٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ زياد عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:" مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَتَلَاهُ وَحَفِظَهُ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَشَفَّعَهُ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلٌّ قَدْ وَجَبَتْ لَهُ النار". وقالت أو الدرداء: دخلت على عائشة ﵁ فَقُلْتُ لَهَا: مَا فَضْلُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى مَنْ لَمْ يَقْرَأْهُ مِمَّنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ؟ فقالت عائشة ﵁: إِنْ عَدَدَ آيِ الْقُرْآنِ عَلَى عَدَدِ دَرَجِ الْجَنَّةِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ دَخَلَ الْجَنَّةَ أَفْضَلَ مِمَّنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ. ذَكَرَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَاتَّبَعَ مَا فِيهِ هَدَاهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَوَقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُوءَ الْحِسَابِ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ" فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى «١» ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَضَمِنَ اللَّهُ لِمَنِ اتَّبَعَ الْقُرْآنَ أَلَّا يَضِلَّ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى فِي الآخرة وذكره مَكِّيٌّ أَيْضًا. وَقَالَ اللَّيْثُ يُقَالُ مَا الرَّحْمَةُ إِلَى أَحَدٍ بِأَسْرَعَ مِنْهَا إِلَى مُسْتَمِعِ الْقُرْآنِ، لِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ:" وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ «٢» ". وَ" لَعَلَّ" مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ. وَفِي مُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ وَهُوَ أَوَّلُ مُسْنَدٍ «٣» أُلِّفَ فِي الْإِسْلَامِ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ:" مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ المقنطرين" والآثار في معنى هذ الْبَابِ كَثِيرَةٌ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ للهداية.
_________________
(١) . آية ١٢٣ سورة طه.
(٢) . آية ٢٠٤ سورة الأعراف.
(٣) . قوله:" وهو أول مسند" إلخ. قال صاحب الظنون:" والذي حمل قائل هذا القول تقدم عصره على أعصار من صنف المسانيد، وظن أنه هو الذي صنفه وليس كذلك، فانه ليس من تصنيف أبي داود، وإنما بعض الحفاظ الخراسانيين جمع فيه ما رواه يوسف بن حبيب خاصة عن أبي داود. ولأبي داود من الأحاديث التي لم تدخل هذا المسند قدره أو أكثر، كما ذكره البقاعي في حاشية الألفية". وقد توفي الطيالسي سنة ٢٠٤ هـ.
[ ١ / ٩ ]